مع كل دخول مدرسي، يعود الجدل في البلاد حول الكلفة الباهظة التي تتحملها الأسر من أجل ضمان تمدرس أبنائها، في سياق اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيدا بفعل ارتفاع الأسعار وتقلص القدرة الشرائية.
وإذا كانت المدرسة تشكل رمزا للأمل بالنسبة للتلاميذ، فإنها بالنسبة إلى كثير من الآباء والأمهات تتحول إلى مصدر ضغط مالي ونفسي يتكرر سنويا، حيث تفرض متطلبات اللوازم والكتب ورسوم التسجيل والنقل والدروس الخصوصية واقعا مثقلا بالإنهاك.
وهذا الواقع يطرح سؤالا حاسما حول مدى فعالية الإجراءات الحكومية في ضمان استمرارية التعليم وتحقيق العدالة التعليمية، خصوصا في ظل تفاوت الموارد بين الأسر وقدرة بعضها على متابعة أبنائها بشكل كامل، بينما تظل الأخرى محدودة الإمكانيات في مواجهة نفس المتطلبات.
♦تكاليف ترهق ميزانية الأسر
أكد سعيد كشاني، رئيس الكنفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، أن الدخول المدرسي لم يكن يومًا هيّنًا بالنسبة لغالبية الأسر المغربية، بل ظل دائمًا لحظة مثقلة بالمعاناة، تتجدد كل سنة مع ارتفاع أسعار الكتب والأدوات والواجبات المدرسية.
واعتبر رئيس الكنفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ في تصريح لجريد “شفاف”، أن الإمكانيات المادية المحدودة لكثير من الآباء والأمهات تجعل هذه المحطة مصدر ضغط متواصل، خصوصا حين يتعلق الأمر بأسر تضم أكثر من طفل واحد، حيث تتضاعف الأعباء وتتسع دائرة الإنهاك المادي.
وشدد كشاني على أن إلغاء مشروع “مليون محفظة”، الذي كان له وقع ملموس في تخفيف العبء المالي، زاد من حدة الأزمة، إذ حرم آلاف الأسر من دعم كان يساعدها على مواجهة بداية السنة الدراسية.
وأوضح أن غياب هذا البرنامج جعل الدخول المدرسي يتحول إلى محطة معاناة حقيقية، حيث يجد أولياء الأمور أنفسهم في مواجهة مباشرة مع التكاليف دون أي سند فعلي.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على تكلفة الأدوات المدرسية فحسب، بل تشمل رسوم التسجيل والنقل والدروس الإضافية، ما يجعل البداية الدراسية عبئا ثقيلاً يثقل كاهل الأسر، ويؤثر على توازنها النفسي والاجتماعي.
وشدد المتحدث على أن كثيرا من العائلات تبدأ التفكير في كيفية تدبير هذه النفقات قبل أشهر من انطلاق الموسم، ما يجعل الدخول المدرسي مناسبة مؤلمة أكثر مما هو مناسبة للفرح.
♦انعدام تكافؤ بين التلاميذ
اعتبر كشاني أن هذا الواقع يكشف بوضوح عن غياب تكافؤ الفرص بين التلاميذ، إذ يتمكن أبناء الأسر الميسورة من توفير جميع حاجياتهم المدرسية والدروس الموازية طيلة السنة، بينما تواجه الغالبية العظمى من العائلات المعوزة صعوبات حقيقية في تلبية أبسط المتطلبات.
وأوضح رئيس الكنفدرالية الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ أن هذه الفوارق تجعل التعليم العمومي رهينا بإمكانيات الأسر، وتخلق هوة واسعة بين التلاميذ على مستوى التحصيل الدراسي والفرص المستقبلية.
مشاركة الأساتذة في الإحصاء .. حق مشروع أم وسيلة لهدر الزمن المدرسي؟
وأشار إلى أن كثيرا من التلاميذ في التعليم العمومي يعانون ليس فقط عند بداية السنة، بل خلال مسارهم الدراسي بأكمله، إذ يفتقرون إلى الموارد الضرورية لمسايرة دروسهم والقيام بالأنشطة المطلوبة منهم.
ولفت إلى أن استمرار هذه الوضعية يؤكد أن المدرسة لم تعد قادرة على أداء دورها في تحقيق المساواة الاجتماعية، بل أصبحت مجالا يبرز فيه التفاوت الطبقي بوضوح.
ونبّه إلى أن عدم قدرة بعض الأسر على توفير الحد الأدنى من اللوازم يؤدي في حالات عديدة إلى انقطاع أبنائها عن الدراسة، وهي ظاهرة لا تزال مستمرة حتى سنة 2025.
وكشف كشاني أن مثل هذه الانقطاعات تمثل مأساة حقيقية، لأنها تحرم الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم، وتدفعهم إلى مواجهة مستقبل غامض بسبب غياب تكافؤ حقيقي للفرص.
♦دعوات لإحياء الدعم العمومي
ألح كشاني على أن معالجة هذا الوضع تتطلب عودة الدولة لتحمل مسؤوليتها المباشرة في دعم الأسر، سواء عبر إعادة تفعيل مشروع “مليون محفظة” أو عبر ابتكار آليات جديدة تضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ورأى أن وقف هذه المبادرة لم يكن مبررا، خاصة وأن هناك أسرا بالكاد تؤمّن قوت يومها، الأمر الذي يجعلها عاجزة أمام احتياجات أبنائها الدراسية خصوصا إذا كان لها أكثر من طفل.
وأوضح أن الحكومة مطالبة بأن تساهم بشكل أكبر في تمويل تكاليف التمدرس، حتى لا يتحول العبء إلى سبب مباشر في حرمان الأطفال من التعليم أو في تعميق الضغط النفسي والاجتماعي على العائلات.
وأضاف أن الاستمرار في تجاهل هذه المطالب يجعل الدخول المدرسي محطة مؤلمة، تعكس هشاشة الوضع الاجتماعي والاقتصادي لفئات واسعة من المغاربة.
وختم كشاني بالقول إن جودة التعليم لا يمكن أن تنفصل عن قدرة الأسر على مواكبة تمدرس أبنائها، وأن أي إصلاح تعليمي يظل ناقصا ما لم يقترن بتخفيف الأعباء المادية عن أولياء الأمور.
واعتبر أن مسؤولية الدولة تكمن في جعل الدخول المدرسي مناسبة لدعم الأسر وتشجيع التمدرس، لا لحظة تتجدد فيها المعاناة عامًا بعد عام.
بالتزامن مع موجة الغلاء ..ارتفاع أسعار المستلزمات الدراسية يثقل كاهل الأسر المغربية

