يشكل إطلاق مصنع جديد لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات بالمغرب خطوة صناعية لافتة تعكس تحولاً نوعيًا في مسار تطوير قطاع الطيران الوطني، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على استقبال وحدات تجميع، بل بات يرتبط بالاندماج في تصنيع مكونات عالية الحساسية والتعقيد، وهذا التطور يعزز حضور المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية ويؤشر على نضج بيئة صناعية قادرة على استيعاب تكنولوجيا دقيقة وتوليد قيمة مضافة.
ويتزامن هذا المشروع مع دينامية صناعية متسارعة تطرح تساؤلات حول مدى قدرة هذا التحول على إعادة تعريف موقع المغرب في خريطة صناعة الطيران، وما إذا كان يشكل بداية لمرحلة أعمق من نقل التكنولوجيا وبناء السيادة الصناعية، إضافة إلى ما يمكن أن يخلقه من آثار ممتدة على التشغيل والتكوين والتموقع التنافسي في اقتصاد عالمي يعاد تشكيله.
الملك يترأس بالبيضاء حفل تقديم وإطلاق مشروع إنجاز مصنع بالنواصر لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات
❖ التحول الصناعي
يبرز أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن ما جرى في النواصر لا يمكن اختزاله في تدشين وحدة إنتاجية جديدة، بل يمثل كسرًا نسقيًا بمعنى تحول بنيوي شامل (Systemic Break) يعيد ترتيب موقع المغرب داخل هندسة القيمة العالمية.
وأبرز سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المملكة لم تعد تتحرك داخل هامش صناعي قائم على التجميع، بل دخلت منطقة صناعية ذات كثافة تكنولوجية عالية، حيث تصبح طبيعة المنتج مرتبطة مباشرة بالسيادة الصناعية وبقدرة الدولة على التحكم في حلقات حرجة من سلسلة الإنتاج.
وأوضح أن تصنيع أنظمة هبوط الطائرات ينتمي إلى ما يعرف بـ”النظام الحرج” أي المنظومة ذات الحساسية القصوى (Critical System)، حيث لا مجال للخطأ.
وأردف أن هذه الأنظمة تخضع لثقافة صفر عيوب أو ثقافة عدم التسامح مع الخطأ (Zero Defect Culture)، ما يعني انتقال الصناعة من منطق القطعة المفردة إلى منطق المنظومة المركبة؛ هيدروليك وإلكترونيات ومواد خاصة واختبارات اعتماد دقيقة.
ولفت إلى أن هذا التحول يفرض ثقافة صناعية جديدة بالكامل، ويجعل المغرب ليس مجرد حلقة إنتاج، بل مشغلاً لعقدة مركزية داخل الشبكة الصناعية العالمية، أي ما يسميه سامي “مشغل العقدة” (Node Operator).
وأضاف أن هذا المسار يرتبط بهدف استراتيجي أبعد، يتمثل في بناء القدرة على تصنيع طائرة ببصمة وطنية كاملة، مبرزًا أن هنا تصبح السيادة الصناعية مرتبطة بالتصميم والاعتماد وليس فقط بالتصنيع.
تدشين أضخم مركب لصناعة محركات الطائرات.. هل يدخل المغرب عصر السيادة الصناعية؟
وقارن الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي؛ هذا التحول بما رصدته دراسات صادرة عن جامعة الأبحاث البريطانية “London School of Economics”، التي تشير إلى انتقال الصناعة من “صنع في المغرب” إلى “صنع من قبل المغرب” (Made by Morocco)، أي انتقال مركز القيمة من الكلفة إلى المعرفة.
وأكد المتحدث ذاته، على أن قطاع الطيران وفق هذا المنطق، يعيد إنتاج تجربة السيارات التي انطلقت فيها المملكة المغربية منذ سنوات؛ لكن بسرعة أكبر وبمدخل تكنولوجي أعلى.
وأشار إلى أن النمو الكمي لصادرات الطيران؛ من أقل من مليار درهم سنة 2004 إلى أكثر من 26 مليارًا في 2024، يخفي تحولًا نوعيًا عميقًا؛ أساسه الانتقال من مرحلة التجميع إلى مرحلة الأنظمة الحرجة ذات الحواجز العالية لدخول المنافسين، سواء عبر الشهادات أو الخبرة التراكمية.
وأردف أنه ضمن هذا السياق، فإن اختيار شركة “سفران” ( Safran) للمغرب لإنتاج أنظمة الهبوط بالتوازي مع مشاريع المحركات يعني أن المملكة أصبحت منصة صناعية متكاملة داخل الاستراتيجية العالمية للمجموعة، لا مجرد موقع إنتاج هامشي.
❖ سوق الشغل
ينتقل سامي إلى الأثر الاجتماعي والمهني للمشروع، موضحًا أن خلق 500 منصب شغل مباشر لا يجب قراءته بالمنطق الكمي، بل بالمنطق النوعي، مبرزًا أن التحول هنا يتم من “اقتصاد العدد” إلى “اقتصاد المهارة”.
وذكر أن الوظائف المطلوبة تشمل تقنيي الاختبارات غير المتلفة (NDT)، ومبرمجي آلات التحكم الرقمي خماسية المحاور (CNC)، ومهندسي الجودة وفق منهجية “ستة سيغما” (Six Sigma)، ومتخصصي المعالجات الحرارية والسطحية.
وهذه المهن بحسب سامي؛ لم تكن متجذرة في سوق الشغل المغربي قبل عقد من الزمن، وظهورها اليوم يعني نشوء طبقة مهنية عالية التأهيل، يمكن وصفها بـ“الأرستقراطية العمالية”، تتميز برواتب مرتفعة واستقرار وظيفي.
“الناظور غرب المتوسط”.. بوابة جديدة أم رهان إضافي لاقتصاد الموانئ المغربي؟
ولفت الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، إلى أن هذا التحول لا يخلق فرص عمل فقط، بل يعيد تشكيل هيكلة الطلب على التعليم التقني والهندسي، ويدفع مؤسسات التكوين إلى مراجعة برامجها.
وفي هذا الإطار، يتوقع سامي أن يجد معهد مهن الطيران نفسه أمام ضغط لتطوير مسارات تكوينية أكثر تخصصًا، لأن الصناعة الجديدة لا تحتاج إلى عمالة تقليدية، بل إلى مهارات دقيقة قادرة على التعامل مع منظومات حرجة، مبرزًا أن الاستثمار الصناعي سيتحول إلى محفز لإعادة هندسة منظومة التكوين نفسها.
وشدد على أن التأثير غير المباشر سيكون أكبر من المباشر، إذ ستنشأ أنشطة مساندة في التدريب والخدمات الهندسية وسلاسل التوريد، ما يخلق اقتصادًا محليًا قائمًا على المعرفة، لا على الإنتاج منخفض القيمة، موضحًا أنه هنا يتجلى البعد الهيكلي للمشروع باعتباره محركًا لتحول اجتماعي مهني طويل المدى.
❖ نقل التكنولوجيا
يركز سامي على العبارة المفصلية لرئيس المجموعة الصناعية، التي تؤكد أن الإنتاج يتم “مع المغرب” لا “في المغرب”، وهذه الصيغة وفقه؛ تعكس انتقالًا من الاستثمار التقليدي إلى شراكة معرفية.
ويشرح أن نقل التكنولوجيا لا يعني نقل المعدات، بل نقل المعرفة الضمنية أي الخبرة غير المكتوبة (Tacit Knowledge)، والتي لا تنتقل عبر الكتيبات بل عبر التدريب العملي والمرافقة التقنية طويلة الأمد.
واستطرد أن هذا المسار يقتضي إرسال مهندسين وتقنيين مغاربة إلى مراكز الخبرة الدولية، والعمل ضمن بيئات إنتاج متقدمة، ما يسمح بتراكم المعرفة التشغيلية.
ولفت إلى أن نجاح هذا النقل مرتبط أيضًا باعتراف الهيئات الدولية بالشهادات المحلية، مثل اعتماد سلطات الطيران المغربية من طرف ” EASA” وFAA”، وهو ما يمثل اعترافًا فعليًا بالسيادة التقنية للمملكة.
وأبرز أن المرحلة الحاسمة لا تكمن في الاستيعاب فقط، بل في الانتقال إلى التطوير المشترك، أي أن يصبح المغرب مطورًا مشاركًا (Co-Developer) في التكنولوجيا.
وأشار إلى أن هذا يفتح الباب أمام عقود بحث مع مؤسسات هندسية وطنية، وإنشاء مراكز تميز في مجالات المعادن الخاصة والمواد المركبة والهيدروليك، ما يحول الصناعة من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.
واعتبر أن الرهان الحقيقي لهذا المشروع هو بناء نظام صناعي قادر على التعلم الذاتي والتطور المستمر، لافتًا إلى أن كل استثمار تكنولوجي عالي الدقة يجب أن يتحول إلى منصة لتراكم المعرفة المحلية، وإلا سيظل مجرد نشاط إنتاجي.
وأوضح الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أن نجاح المغرب هنا يعني الانتقال من موقع التابع إلى موقع الشريك، ومن دور المصنع إلى دور المساهم في تشكيل مستقبل الصناعة الجوية.

