يسعى المغرب إلى ترسيخ مكانته كقوة إقليمية في الصناعة البحرية، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط
وترتكز الاستراتيجية الوطنية على تطوير الموانئ وأحواض بناء السفن، وتحديث أسطول الصيد التقليدي باستخدام مواد متقدمة مثل البوليستر والألومنيوم.
كما تهدف المبادرات الحديثة إلى تعزيز الاستدامة البيئية، من اعتماد الطاقة النظيفة إلى إنشاء موانئ إيكولوجية، بما يعكس رؤية الاقتصاد الأزرق.
ورغم التقدم المحقق، يواجه القطاع تحديات أبرزها نقص الكفاءات وقلة المقاولات المتخصصة، ما يجعل الاستثمار المستمر وتبني استراتيجيات متكاملة ضرورة لتعزيز تنافسيته. وبالتالي، كيف يمكن للمغرب تطوير قدراته البحرية لمواكبة التحولات التكنولوجية والبيئية وضمان استدامة نموه الاقتصادي؟
♦الصناعة البحرية خيار استراتيجي وضرورة وطنية
أكد بدر الدين الرواص، أستاذ باحث متخصص في الجغرافية المينائية، أن المغرب جعل من الصناعة البحرية خيارا استراتيجيا وضرورة وطنية، بعد إدراكه العميق لدور هذا القطاع في دعم الأمن الاقتصادي وتمكينه من موقع ريادي داخل المنتظم الإقليمي والدولي.
وأوضح الأستاذ الباحث المتخصص في الجغرافية المينائية في تصريح لجريدة “شفاف”، أن العودة إلى الصناعة البحرية لم تكن خيارا عابرا، بل جاءت نتيجة وعي رسمي وشعبي بأهمية الموقع الجيوستراتيجي للمملكة، وضرورة استثمار مؤهلاتها البحرية الهائلة.
وأشار إلى أن الخطاب الملكي في 6 نونبر 2023 مثل منعطفا حاسما، جعَل الصناعة البحرية أحد الأوراش الكبرى ذات الأولوية لدى السلطات العمومية.
ونوّه بأن السعي إلى ولوج الأسواق العالمية، وتعزيز الحضور الإقليمي، وضمان الأمن في الإمدادات الوطنية، مرتبط بتنمية شاملة للصناعة البحرية.
وأضاف أن هذا القطاع يمتد ليشمل النقل البحري والصيد البحري وصناعة الحوضيات وإعادة تأهيل الأساطيل الوطنية، بما يتماشى مع رؤية الاقتصاد الأزرق.
♦أوراش وتوجهات عملية واضحة المعالم
بيّن الباحث أن المغرب شرع في حزمة من الإجراءات الملموسة تعكس التوجه الجاد لإعادة الاعتبار للصناعة البحرية، من خلال وضع المخطط المديري لتطوير البنية التحتية المينائية (2016–2030)، بهدف جعل المملكة مركزا صناعيا في مجال صناعة السفن على مستوى المنطقة.
وتطرّق الرواص إلى أبرز أهداف المخطط، مثل إعادة تهيئة أحواض إصلاح السفن بأكادير وطانطان، وإنشاء أحواض جديدة في مواقع استراتيجية مثل الجرف الأصفر، الدار البيضاء، آسفي، الناظور، القنيطرة والداخلة.
وأبان أن هذه الاستراتيجية تتوازى مع مبادرات موازية، أبرزها تفعيل الاستراتيجية المستقبلية للاقتصاد الأزرق، التي تربط بين البعد البيئي والتنمية المستدامة.
وكشف أن المغرب يركز على صناعة متنوعة تشمل السفن المدنية والعسكرية، مع اهتمام خاص بالسفن الصغيرة التي لا يتجاوز طولها 20 مترا، وهو مجال يمكن أن يشكل إضافة نوعية للاقتصاد الوطني.
وأفصح عن برامج “إبحار 1″ و”إبحار 2” (2008–2016) التي ساعدت على تحديث أسطول الصيد التقليدي، من خلال التحول من القوارب الخشبية إلى هياكل مصنوعة من البوليستر أو الألومنيوم، بما يحسن مردودية الصيد ويحمي البيئة ويعزز ظروف عمل الصيادين.
وأكد أن المغرب يسعى أيضا لتعزيز استقلاليته في صيانة الأسطول الوطني محليا، مع استقطاب جزء من السوق الدولية لإصلاح السفن وتقديم الخدمات البحرية لدول أوروبية وإفريقية، لتعزيز مكانته كفاعل محوري في الاقتصاد البحري الإقليمي.
♦تحديات ورهانات مستقبلية مستمرة
رصد الرواص أن القطاع البحري في المغرب يواجه تحديات مفصلية، رغم حجم المبادرات، إذ تبقى مساهمته في النشاط الصناعي الوطني محدودة، لا تتجاوز 17% من القيمة المضافة الصناعية، و0.16% من الناتج الداخلي الخام، بمداخيل سنوية لا تتجاوز 500 مليون درهم.
وأظهر أن الهدف يتمثل في رفع مساهمة القطاع إلى 2.27 مليار درهم، وزيادة مناصب الشغل من 5500 إلى نحو 7930 منصبا بحلول 2030، مع إحداث نحو 700 منصب سنويا بين 2013 و2023 لتحسين الدينامية الاجتماعية، منبها إلى أن تراجع عدد المقاولات العاملة في صناعة السفن من 40 سنة 2000 إلى 10 سنة 2024 يمثل تحديا إضافيا.
ولفت إلى أن توسيع الأوراش المينائية شرط أساسي لتدارك هذا التراجع، خاصة مع وجود ثلاثة أوراش رئيسية فقط، ضمن مشروع الموانئ الإيكولوجية لتعزيز موقع المغرب كرائد إقليمي في الممارسات المستدامة.
♦صناعة إيكولوجية ورؤية مستقبلية
نوّه الرواص بأن المغرب سبّاق في إحداث الميناء الإيكولوجي، ونجح في إدراج مركب طنجة المتوسط ضمن شبكة الموانئ العالمية الصديقة للبيئة، مع اعتماد الطاقة النظيفة خلال فترات رسو السفن بدل الفيول الملوِّث.
وأشار إلى المشروع المستقبلي لشركة “باليريا”، الذي يعتزم إطلاق سفينتين تعملان بالطاقة الكهربائية بين ميناء طنجة وميناء طاريفَة الإسباني ابتداء من 2027، كخطوة استباقية في النقل البحري منخفض الكربون وإنشاء ممرات خضراء عبر البحر الأبيض المتوسط.
وأوضح أن هذه المبادرة ستساهم في تطوير البنية التحتية بميناء طنجة المدينة، من خلال محطة شحن سريع وبطاريات تصل قدرتها إلى 8 ميغاوات في الساعة، لتعزيز صورة المغرب كوجهة بحرية عصرية ومستدامة.
وأكد أن المشاريع البحرية الجديدة تجسد إرادة المغرب في بناء صناعة بحرية متطورة، تتجاوز البعد الاقتصادي لتشمل الأمن الغذائي والطاقي، وتعتبر محركا رئيسيا لخلق القيمة المضافة وتوفير فرص عمل، مع التزام بحماية البيئة ومواكبة المبادرات الأطلسية لتنمية إفريقيا والانفتاح على الأسواق الدولية.
♦نحو ترسيخ موقع المغرب كمرجع إقليمي
خلص الرواص إلى أن الرهان أمام المغرب يتمثل في تثبيت موقعه كمرجع إقليمي في الصناعة البحرية، من خلال تطوير البنيات التحتية المينائية وتعزيز الخيارات البيئية المستدامة.
وأبرز أن الموقع الجيوستراتيجي وانفتاح المملكة على الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط يمنحها مؤهلات تجعلها لاعبا رئيسيا في الاقتصاد البحري الدولي.
وشدد أن الطريق طويل، لكن الانطلاقة قوية والإرادة السياسية واضحة، ما يجعل تحقيق الرهان ممكنا، مع التحول من السفن الخشبية إلى استخدام البوليستر والصلب والألومنيوم بنسبة 90%، وإطلاق مشاريع كبرى مثل الربط الكهربائي مع الضفة الشمالية، لتعزيز صناعة بحرية حديثة قادرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.

