في خطوة غير مسبوقة تعكس تحوّلاً استراتيجيًا في الرؤية الاقتصادية للمملكة، تتجه الخطوط الملكية المغربية نحو إبرام صفقة ضخمة مع عملاقي صناعة الطيران العالميين؛ “بوينغ” الأمريكية و”إيرباص” الأوروبية، لاقتناء ما مجموعه 188 طائرة مدنية، بكلفة تقدّر بنحو 25 مليار دولار، وفق ما كشفته مصادر إعلامية متطابقة، حيث تندرج هذه الصفقة، التي تعدّ الأكبر في تاريخ الشركة الوطنية، ضمن البرنامج المشترك بين الحكومة والخطوط الملكية المغربية للفترة 2023-2037، والذي يهدف إلى رفع عدد الطائرات من 52 حاليًا إلى 200 طائرة، لمواكبة الطموحات السياحية للمملكة واستعدادًا للاستحقاقات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030.
والخطوة التي تحظى بمتابعة دولية وإقليمية، لا تقتصر أهميتها على بعدها التجاري أو التقني، بل تطرح في العمق تساؤلات ضمنية بشأن قدرة المغرب على تحويل هذا الاستثمار الجوي الضخم إلى مكسب تنموي وهيكلي يطال مختلف الجهات، كما تثير الصفقة المنتظرة نقاشًا حول الكيفية التي سيتعامل بها المغرب مع توازنات السوق الدولية، ومدى استعداد البنية التحتية الوطنية لمواكبة هذا التوسع، فضلًا عن موقع الرباط في خريطة المنافسة الإفريقية والإقليمية على الريادة في قطاع النقل الجوي والسياحة.
الخطوط الملكية المغربية على وشك إبرام صفقة تاريخية لتعزيز أسطولها الجوي
♦ شراكة بأبعاد متعددة
أبرز زكرياء فيرانو، أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، والخبير والمحلل الاقتصادي أن صفقة اقتناء المغرب لما يقارب 188 طائرة من شركتي “بوينغ” الأمريكية و”إيرباص” الأوروبية تمثل نقلة نوعية في تموقع المملكة ضمن الاقتصاد العالمي.
وقال فيرانو في تصريح لجريدة “شفاف”، إنه رغم الأنباء المتوفرة حتى اللحظة تستند إلى تقارير وكالة “بلومبرغ” و”رويترز”، إلا أن الأرقام المتداولة – خصوصًا رقم 94 طائرة المبدئي، و188 كرقم محتمل بحسب مسؤول في الخطوط الملكية المغربية – تعكس توجها استراتيجيا عميقا، يتجاوز منطق الشراء إلى منطق الشراكة الصناعية والانتقال التكنولوجي.
المغرب يعزز الاستثمارات في شبكة السكك الحديدية.. فما هي المكاسب التي سيجنيها الاقتصاد المغربي؟
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي أن الصفقة، وخصوصا مع الشريك الأمريكي، تعكس حجم المشاريع المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة، والتي تشمل ليس فقط اقتناء الطائرات، بل تصنيع قطع الغيار وصيانة الطائرات داخل المغرب، وهي استثمارات موجهة خصوصًا نحو الأقاليم الجنوبية.
واعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن هذا التوجه فرصة لتعزيز المناولة الصناعية والتكامل بين القطاعين العام والخاص، ما سيساهم في خلق فرص شغل ذات كفاءة وقيمة مضافة عالية.
وأبرز أن هذه المعطيات تؤكد أن الصفقة تتجاوز بُعدها التجاري لتتحول إلى دعامة استراتيجية تمكّن المغرب من ترسيخ موقعه الصناعي على مستوى الطيران، خصوصًا في الصناعات الدقيقة التي اختار الدخول فيها بدلًا من الاستثمار في سلسلة التصنيع الكاملة، وهو ما يعكس وعيًا اقتصاديًا يراهن على الجودة أكثر من الكم.
♦ رهانات سياحية وتنموية
يرى الخبير الاقتصادي أن الصفقة تأتي في سياق استعداد المغرب لتظاهرات دولية كبرى، على رأسها تنظيم نهائيات كأس العالم 2030، والتي ستتطلب تعزيزًا كبيرًا لقدرات النقل الجوي، سواء داخليًا أو خارجيًا.
ويبرز في هذا السياق حسب فيرانو؛ الطموح المغربي لاستقطاب ما يفوق 67 مليون سائح في أفق سنة 2037، وهو رقم يضع المغرب في مصاف الدول السياحية الكبرى، ويتطلب بالموازاة معه تحديثًا جذريًا لأسطول الخطوط الملكية المغربية.
ويشير إلى أن هذا التطور يعزز دور الناقل الجوي الوطني كفاعل مركزي في إنعاش السياحة وتنشيط الاقتصاد الوطني؛ خاصة أن الخطوط الملكية المغربية ستتضاعف قدرتها التشغيلية بأكثر من 70 طائرة.
ويُراهن أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، على أن يصبح المغرب وجهة تنافس قطر أو تركيا أو حتى إسبانيا، من خلال استراتيجية طموحة تدمج بين تحديث الأسطول الجوي واستقطاب السياح.
إضافة إلى البعد السياحي، يوضح الخبير أن الصفقة تكتسي أيضًا بُعدًا تنمويًا على مستوى تقليص الفوارق المجالية، عبر تموقع استراتيجي للأقاليم الجنوبية في خارطة الطيران والصناعة الجوية، ما يُعزز من الدمج الاقتصادي لهذه المناطق.
♦ دلالات سيادية واستراتيجية
أبرز زكرياء فيرانو أن اختيار توطين جزء من استثمارات الصفقة في الأقاليم الجنوبية يحمل دلالات سياسية كبرى، تعكس الدعم الأمريكي المتواصل لمغربية الصحراء، من خلال ترجمة هذا الموقف إلى استثمارات واقعية على الأرض.
ويضيف أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن التموقع الصناعي في هذه الأقاليم يُضفي عليها بُعدًا تنمويًا حقيقيًا، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات الدبلوماسية.
كما يرى فيرانو أن هذا التحول يحمل آثارًا اقتصادية ملموسة، من خلال خلق مناصب شغل عالية الكفاءة، وإدماج المغرب أكثر في سلسلة القيمة العالمية لقطاع الطيران.
استثمارات المونديال.. هل ستضيف أعباءً إضافية على ميزانية الدولة وما أثرها على الاقتصاد الوطني؟
ويتوقع أن تساهم هذه الدينامية في تعزيز مداخيل العملة الصعبة، ورفع نسبة الاندماج الصناعي إلى أكثر من 40%، ما يُمكّن المملكة من ترسيخ موقعها كفاعل صناعي إقليمي.
وتابع أن اختيار المغرب الاستثمار في الصناعات عالية التقنية، كإلكترونيات الطيران وقطع الغيار، يُعد خيارًا استراتيجيًا يعكس وعيًا بالتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وهو ما سيزيد من جاذبية المملكة للمستثمرين الدوليين في مجال الطيران.
♦ تنافس إقليمي محتدم
في معرض تعليقه على إمكانيات المغرب في منافسة شركات الطيران الكبرى مثل القطرية أو الإماراتية أو التركية، أكد فيرانو أن الأمر ليس بعيد المنال، شرط تحقيق عدد من الأهداف المرحلية، وعلى رأسها تطوير البنية التحتية الجوية، وتوسيع شبكة الوجهات، وتجويد الخدمات المقدمة.
وأشار إلى أن المغرب يتجه بخطى واثقة نحو هذا التموقع، خاصة بعد بلوغ عدد الطائرات المتوقع اقتناؤها سقفًا يتجاوز 70 طائرة، وهو ما سيمكن من تعزيز القدرة التشغيلية وتوسيع الحضور الدولي.
وأردف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن انفتاح الخطوط الملكية المغربية على استثمارات ضخمة، بدعم حكومي، يُمهّد الطريق نحو تحسين التنافسية وتقليص كلفة الإنتاج عبر رفع نسبة الاندماج الصناعي.
ويعتبر فيرانو أن المغرب يراهن على نموذج مزدوج؛ يتمثل في منافسة شركات الطيران الكبرى في الرحلات الدولية، وتوفير عرض منخفض التكلفة محليًا يضمن عدالة مجالية وربطًا فعالًا بين مختلف جهات المملكة، وهو ما ينسجم مع تجارب دول آسيوية رائدة.
♦ عدالة مجالية ومنافع داخلية
يؤكد زكرياء فيرانو على أهمية المكون الداخلي للصفقة، خصوصًا ما يتعلق بربط المناطق النائية بمراكز النمو الاقتصادي، مشيرا إلى أن شركات النقل منخفضة التكلفة لعبت دورًا مهمًا في رفع العزلة عن عدد من المناطق المغربية، وأن الخطوط الملكية المغربية مطالبة بتعزيز هذا التوجه.
تعليمات ملكية بإحداث لجنة موسعة لإنجاح المونديال.. فكيف سينعكس تنظيم العرس العالمي على المملكة؟
وأكد أن أي ديمقراطية تنموية أو سياحية لا يمكن أن تُبنى دون تعزيز الولوج إلى وسائل النقل الجوي بأسعار مناسبة، مبرزا أن الرهان يجب أن يتوزع بين الانفتاح الدولي من جهة، وتعزيز العدالة المجالية من جانب ثاني، عبر ربط المناطق النائية بخريطة التنمية الوطنية.
ويرى أن هذا التوجه سيساهم في إعادة توزيع الثروة، وتنشيط السياحة الداخلية، وخلق فرص شغل مستدامة في المناطق المهمشة، وهو ما يجعل من صفقة الطائرات رهانًا وطنيًا بامتياز، يتجاوز أبعاده التقنية نحو إرساء نموذج تنموي جديد أكثر توازنًا وشمولية.

