يشهد المغرب تحولا ديموغرافيًا لافتًا يتمثل في الارتفاع المتواصل لعدد كبار السن، بعدما بلغ عددهم خلال سنة 2024 حوالي خمسة ملايين شخص، أي ما يعادل 14 % من مجموع السكان، وفق معطيات رسمية للمندوبية السامية للتخطيط، وهذا التحول الناتج عن تراجع الخصوبة وارتفاع متوسط العمر المتوقع، لم يعد مجرد مؤشر اجتماعي، بل أصبح عاملاً بنيويًا مؤثرًا في الاقتصاد الوطني، لما يطرحه من تحديات مرتبطة بسوق الشغل، وأنظمة التقاعد، وكلفة الرعاية الصحية والاجتماعية، وتوازنات المالية العمومية على المديين المتوسط والبعيد.
وفي مقابل هذه المعطيات، تبرز تساؤلات حول مدى جاهزية السياسات العمومية لمواكبة هذا المنحى الديموغرافي الجديد، وقدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص ارتفاع نسبة الاعتماد العمري دون الإضرار بدينامية النمو، كما يطرح النقاش نفسه بشأن ما إذا كان الرهان الحكومي على “اقتصاد الرعاية” والسياسة العمومية للأسرة في أفق 2035 كافيا لتحويل الشيخوخة السكانية من عامل ضغط إلى رافعة اقتصادية واجتماعية، أو أن المغرب مقبل على مرحلة تتطلب مراجعات أعمق في نماذج الحماية الاجتماعية والتنمية البشرية.
المندوبية السامية للتخطيط تكشف واقع الشيخوخة السكانية في المغرب
❖ تحول ديموغرافي
يؤكد أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن المغرب يعيش اليوم تحولاً ديموغرافيًا عميقًا لم يعد من الممكن التعامل معه كمعطى اجتماعي عابر، بل كتحول بنيوي يعيد تشكيل أسس النمو الاقتصادي والتوازنات الاجتماعية.
وأوضح سامي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن عدد السكان البالغين 60 سنة فما فوق وصل خلال سنة 2024 إلى حوالي 5.027 مليون شخص، أي ما يعادل 13.8% من مجموع السكان، مسجلاً نموًا قويًا بلغ +58.7% خلال الفترة الممتدة ما بين 2014 و2024.
المندوبية: 13% من سكان القرى تجاوزوا 60 سنة مقابل انخفاض عدد الأطفال إلى %29.6
وأضاف أن خطورة هذا المعطى لا تكمن فقط في ارتفاع العدد، بل في سرعة الوتيرة، حيث بلغ معدل النمو السنوي لفئة 60+ (60 سنة فما فوق) حوالي 4.73%، مقابل 0.83% فقط بالنسبة لمجموع السكان، مشيرًا إلى أن هذا التفاوت يعكس تحولاً هيكليًا سريعًا يجعل الشيخوخة عاملاً ضاغطًا على الاقتصاد في أفق قريب، وليس مجرد تحدٍ بعيد المدى.
وفيما يخص تبعية الشيخوخة، يبرز المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي؛ أن نسبة (60+/15-59) بلغت حوالي 22.8% سنة 2024، ومن المرتقب أن ترتفع إلى 25.2% في أفق 2030، ثم إلى 39.4% بحلول 2050.
ولفت المتحدث ذاته، إلى أن الوضع سيكون أكثر حِدة في الوسط القروي، حيث قد تصل هذه النسبة إلى 46.6%، ما يعكس هشاشة مجالية واضحة في القدرة على تحمل كلفة الشيخوخة.
❖ النمو الاقتصادي
على مستوى النمو، يوضح أمين سامي أن المغرب يتجه نحو ما يسميه “تضييق قاعدة الإنتاج” مقابل “توسيع الطلب غير المنتج”.
وأبرز أنه مع تراجع كتلة السكان في سن العمل (15–59) إلى 59.7% سنة 2024، وصعود حجم فئة 60+ بوتيرة متسارعة، يصبح تحقيق النمو الاقتصادي أكثر صعوبة، لأن عدد المنتجين والممولين يتناقص نسبيًا، بينما يتزايد عدد المستفيدين من الإنفاق الاجتماعي.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وأكد المستشار الدولي في الاقتصاد، على أن أثر الشيخوخة على النمو لا يقتصر على البعد الميكانيكي المرتبط بانخفاض قوة العمل، بل يمر عبر ثلاث قنوات رئيسية.
وأردف أن أولها يتجلى في الادخار والاستثمار، حيث يؤدي ارتفاع الإنفاق الصحي والرعائي إلى مزاحمة الادخار، ما يضعف الاستثمار الخاص والعام.
واستطرد أن ثانيها يتمثل في الإنتاجية، إذ إن محدودية تشغيل كبار السن، وغياب تكييف وظيفي يستثمر خبرتهم، يؤدي إلى فقدان رصيد مهم من المعرفة المتراكمة داخل المقاولات.
وفيما القناة الثالثة، بحسب أمين سامي، فتتعلق بالطلب المحلي، حيث تميل سلة استهلاك كبار السن نحو الصحة والخدمات الأساسية، ما يعني انتقال الطلب من قطاعات مولدة للقيمة العالية إلى قطاعات “خدمية-رعائية”.
وحذر الخبير في التخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، من أن هذا التحول قد يضغط على النمو ما لم يتم تحويل هذه القطاعات نفسها إلى اقتصاد منتج ومهيكل.
❖ اقتصاد الرعاية
في معرض جوابه عن سؤال ما إذا كان اقتصاد الرعاية يشكل رافعة تشغيل أم مجرد كلفة إضافية، يشدد أمين سامي على أن الرعاية لا تصبح رافعة إلا إذا صممت كسلسلة قيمة متكاملة، وليس كخدمة إحسانية أو عبء اجتماعي.
ويرى المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، أن المعطيات الديموغرافية الحالية تؤكد وجود “سوق مؤكدة” للرعاية في المغرب.
الحكومة تطلق “السياسة العمومية للأسرة 2035″ لمواجهة تراجع الخصوبة بـ”اقتصاد الرعاية”
وأبرز أن نسبة الإعاقة لدى فئة 60+ تبلغ حوالي 18.5%، وترتفع إلى ما يقارب 38% بعد سن 75، ما يعني نموًا مؤكدا في الطلب على الرعاية المنزلية (Aides à domicile)، والمساعدة على الاستقلالية وإعادة التأهيل والنقل الصحي، وتتبع الأمراض المزمنة.
وشدد الخبير في التخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، على أن هذا الطلب يمكن تحويله إلى فرص شغل حقيقية إذا جرى تأطيره مهنيًا.
وحدد سامي ثلاثة محركات تشغيل مباشرة قصيرة الأجل، حيث إن أولها يشمل مهن الرعاية المنزلية بعقود واضحة، وتكوين قصير، واعتماد مهني.
وأردف أن ثانيها يرتبط بمجالات إعادة التأهيل والعلاج الوظيفي (Paramédical)، التي تساهم في تقليص الإعاقة والحد من الإقامات الاستشفائية.
وأشار إلى أن ثالثها يتعلق بخدمات القرب، مثل النقل والمرافقة الاجتماعية والوساطة الرقمية؛ خاصة أن الأمية لدى كبار السن تبلغ حوالي 58%، وترتفع إلى 72.6% لدى النساء.
❖ سلاسل القيمة
إلى جانب المحركات المباشرة، يشير أمين سامي إلى وجود محركين غير مباشرين متوسطي الأجل، حيث يتمثل الأول في تهيئة السكن من حيث الولوجيات والسلامة المنزلية، مؤكدا أن “السكن غير المهيأ” يتحول تلقائيا إلى كلفة صحية إضافية.
ويستشهد المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، في هذا الإطار بالفجوة القروية الحادة، حيث لا تتجاوز نسبة الربط بالتطهير عبر الشبكة 7.7% في القرى مقابل 94% في المدن.
وأما المحرك الثاني وفق سامي؛ فيرتبط بالتكنولوجيا المساعدة (Assistive Technology) وخدمات المتابعة عن بعد، معتبرًا إياها أداة أساسية لتقليص الكلفة الصحية وإغلاق جزء من الفجوة بين القروي والحضري في التغطية الصحية.
البنك الدولي يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المغربي إلى 4.4 %.. هل يكرس ذلك عودة الزخم للاقتصاد الوطني؟
وأبرز الخبير في التخطيط الإستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن الاستثمار في هذه الحلول يساهم في عقلنة الإنفاق وتحسين جودة الرعاية في آن واحد.
ولفت إلى أن شرط النجاح المالي لاقتصاد الرعاية يكمن في خفض الكلفة الإجمالية عبر الوقاية ومنع المرض المتأخر.
وأوضح أنه إذا ظلت السياسة الصحية “مستشفى-متمركزة”، سترتفع الكلفة، أما إذا أصبحت الرعاية المنزلية وإعادة التأهيل جزءًا من المسار العلاجي، فسيجري استبدال كلفة الاستشفاء المتكرر بكلفة متابعة أقل نسبيًا؛ خصوصًا مع ارتفاع التبعية في أفق 2030 وما بعده.
❖ الهوامش الممكنة
فيما يتعلق بقدرة المغرب على تحويل الشيخوخة إلى فرصة، يرى أمين سامي أن الهامش المالي موجود لكنه مشروط، مبرزًا أن الأرقام المتوقعة إلى غاية 2050 تعني أن أي توسع غير مضبوط في الإنفاق سيضغط على الميزانية، غير أن وجود كتلة كبيرة من المسنين دون تغطية كافية سيخلق فاتورة حتمية؛ سواءً تم التخطيط لها أم لا.
وأردف المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الإستراتيجي، أن الفارق يكمن في دفع هذه الفاتورة كاستثمار في الوقاية والرعاية والتهيئة، أو كخسائر ناتجة عن المضاعفات الصحية والإقصاء الاجتماعي.
حكومة أخنوش بين تحديات الواقع وتصعيد المعارضة والنقابات.. قراءة في حيثيات الأزمة السياسية
وأما الهامش المؤسساتي، فيعتبره أمين سامي الحلقة الأهم، موضحًا أن التحدي يتقاطع فيه الصحة، والشغل والتقاعد، والسكن والبنيات التحتية، والتعليم ومحو الأمية، بما فيها مخاطر الإقصاء الرقمي.
وأكد على أن هذا الهامش لا يصبح فعالاً إلا بالانتقال من سياسات قطاعية متفرقة إلى برنامج وطني للرعاية والشيخوخة قائم على الالتقائية، بميزانيات ومؤشرات مشتركة.
وشدد على أن بناء اقتصاد رعاية كقطاع منتج، واعتبار تهيئة السكن سياسة صحية، والوساطة الرقمية حقا في الولوج، يشكل المدخل الأساسي لتحويل الشيخوخة السكانية من عبء ديموغرافي إلى فرصة حقيقية للتشغيل، والتماسك الاجتماعي، والتنمية المستدامة في المغرب.

