بعد انتهاء فترة الراحة البيولوجية (دامت لـ45 يوما)، -التي كان من المفترض أن تعيد وفرة السردين إلى الأسواق وفق معهد البحث الوطني في الصيد البحري (INRH)-، يواجه المستهلك المغربي استمرارًا في ارتفاع أسعاره التي وصلت إلى 30 درهمًا للكيلوغرام الواحد، وقلة المعروض من هذا السمك.
ومع اقتراب شهر رمضان، تتزايد الانتظارات حول إمكانية توفير هذا المنتج بالأسواق المغربية بأثمنة مقبولة، كما تتجه الأنظار إلى مبادرة “الحوت بثمن معقول”، التي ستنطلق بشكل رسمي هذا الأسبوع، ليطرح التساؤل عن مدى نجاح جهود الجهات الوصية في توفير السردين وغيره من الأسماك بأسعار مناسبة خلال الشهر الكريم.
♦ عوامل الندرة والغلاء
يرجع بوشعيب شادي، رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أسباب ندرة السردين وغيره من الأسماك السطحية وارتفاع أسعارها حاليا، إلى عاملين رئيسين؛ أولهما يرتبط بالظروف المناخية، حيث إذا كانت الأحوال الجوية ملائمة، تستطيع مراكب الصيد التوجه إلى المناطق المسموح فيها بصيد الأسماك الصحية، لافتا إلى أن هذه الفترة تُعرف بشهور “المنزلة” (سوء الأحوال الجوية بسبب هبوب الرياح القوية)، التي تجعل عمليات الصيد أكثر صعوبة.
وقال رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، في تصريح لجريدة “شفاف”، إن ثاني العوامل يتعلق بدرجة حرارة المياه، حيث إن الدراسات العلمية تشير إلى أنه عندما تكون المياه باردة جدًا، يقل عدد الأسماك السطحية المتوفرة في المصايد المخصصة لذلك.
وأردف أن الواقع يشير إلى أن البحارة، عند خروجهم للصيد، يصطادون في الغالب أسماكًا مثل “الأناناس” و”الكابايلة”، فيما يظل السردين نادرًا، خاصة في العيون والمناطق الشمالية المحاذية لها.
وتابع أن هذه الوضعية تطرح فعلا سؤالًا جوهريًا حول وجود مخزون كافٍ من السردين، وهو أمر لا يمكن الجزم به إلا من خلال البحث العلمي في تقدير وفرة الثروة السمكية، لكن في نهاية المطاف، فإن العطاء الإلهي هو الذي يحدد وفرة الأسماك، وهو العامل الأساسي الذي سيحدد السعر الحقيقي للمنتجات عبر المملكة.
♦ التحديات المطروحة
يشير بوشعيب شادي إلى أن أهم التحديات التي يواجهها القطاع اليوم، تتمثل في وجود نقاش حول السعر المرجعي للبيع الأول الذي جرى تحديده في 3.30 دراهم، وهو ما يثير جدلًا بين المهنيين، لافتا إلى أن المطلوب هو فتح المزاد العلني في وجه صغار ومتوسطي التجار، لأنهم يشكلون عنصرًا أساسيًا في توفير الأسماك بأسعار مناسبة.
واعتبر رئيس الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، أن هؤلاء التجار الصغار والمتوسطين كانوا دائمًا في طليعة من يضمن استمرارية المنتوج داخل أسواق البيع الثانية عبر المملكة، وهم الذين يمكنهم كسر الاحتكار الذي يضر بالمستهلك النهائي.
وتابع أنه إضافة إلى ذلك، فتزويد المصانع بالأسماك هو أمر حيوي لدعم الاقتصاد الوطني، لكن يبقى السؤال المطروح حول إن كانت الأولوية للمستهلك المغربي أم للمصانع التي تحتاج إلى الأسعار المخفضة لتتمكن من المنافسة على الصعيد العالمي.
وزاد قائلا المتحدث ذاته، إن هذه المفاضلة بين المستهلك والمصانع يعد في النهاية تحدٍ يصعب بلوغ التوازن فيه، حيث توفر المصانع الشغل لليد العاملة والعملة الصعبة للبلاد، بينما يحتاج المواطن المغربي إلى منتج وطني بسعر مناسب.
واستطرد أن سوق السردين يشهد حاليا تذبذبًا واضحًا، ففي بعض المناطق انخفض سعر الصندوق إلى أقل من 100 درهم بسبب انعدام الحجم التجاري المطلوب، بينما في مدن أخرى مثل المهدية، بلغ ثمنه ما بين 200 و250 درهمًا، ما أدى إلى خسائر للتجار في البيع الثاني، وللبحارة والمجهزين على حد سواء.
وأكد على أن ما سبق يؤدي إلى حالة من الفوضى في السوق، حيث يمكن العثور على السردين بأسعار متفاوتة تمامًا، تتراوح بين 5 دراهم للكيلو في بعض الأماكن و25 درهمًا في مناطق أخرى، مما يجعل المواطن في حيرة من أمره، مشددا على أن الحل يكمن في ضبط السوق من خلال سياسات واضحة وشفافة.
وأوضح أنه إلى جانب السردين، يواجه المواطن المغربي صعوبة في الوصول إلى أصناف أخرى من الأسماك مثل “الميرنا” و”الكالامار” و”السيبيا”، التي أصبحت أسعارها خيالية وغير متاحة للطبقات المتوسطة.
وتابع أنه على سبيل المثال، فإن الصول وصل سعره إلى 2200 درهم للصندوق، الذي يحتوي على حوالي 18 كيلوغراما؛ مما يجعل سعر الكيلو الواحد منه يصل إلى أزيد من 120 درهمًا بعد إضافة الضرائب والرسوم المختلفة، وهو سعر لا يستطيع المواطن العادي تحمله.
♦ “الحوت بثمن معقول”
يوضح بوشعيب شادي إلى أن مبادرة “الحوت بثمن معقول”، التي ستنطلق هذه السنة في نسختها السابعة، تهدف إلى توفير الأسماك المجمدة بأسعار معقولة، حيث تروم وفق كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، إلى تخصيص أزيد من 3000 طن من هذه المنتجات عبر ربوع المملكة، بأثمنة تتراوح ما بين 17 و100 درهم للكيلوغرام حسب الأصناف.
ولفت إلى هذا النوع من الأسماك، المصطاد من أعالي البحار والمجمد مباشرة على متن السفن المغربية، يتمتع بجودة عالية وسعر مناسب لاسيما بالنسبة للأسماك السطحية التي قد يتراوح سعرها في هذا الجانب ما بين 17 و20 درهمًا للكيلو، وهو ما يمكن أن يوفر خيارًا جيدًا للمواطنين خلال شهر رمضان.
واستطرد قائلا إن التحدي الأكبر هو ضمان أن يكون المنتج مغربيًا خالصًا، لأن أي استيراد لأسماك أجنبية تكون أقل جودة وأرخص ثمنا، قد يطرح مخاطر تتعلق بالجودة والسلامة الصحية، وهو ما يستدعي رقابة صارمة من الجهات المختصة، وفي مقدمتها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
♦ الحلول الجذرية
يلفت بوشعيب شادي إلى أن الكونفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة، طالبت في أكثر من مناسبة بإعادة النظر في آليات تسيير القطاع، من خلال وضع قانون وطني موحد يجمع كافة المتدخلين، وذلك لضمان الشفافية ومنع أي تلاعب أو احتكار.
وأكد على أنه من الضروري كسر الاحتكار والسماح بالبيع بالمزاد العلني، بما يتيح للبحارة الحصول على حقوقهم المشروعة، موضحا أن ما يدفع البحارة والنقابات والهيئات المهنية إلى الاحتجاج هو الأسعار غير المعقولة التي تفرض عليهم.
وأوضح أنه في أكادير، لوحظ أن السردين المتوفر صغير الحجم، مما يفرض على الدولة إما تعديل القوانين أو إعادة النظر في فترات الراحة البيولوجية لضمان استدامة الثروة السمكية، لافتا إلى أن هذا الأمر يزداد أهمية مع اقتراب شهر رمضان، حيث يرتفع الطلب على الأسماك.
وشدد على أن الدولة مطالبة بوضع آليات صارمة للمراقبة داخل الأسواق والموانئ، لضمان الشفافية ومنع عمليات البيع غير القانونية التي تؤثر على الأسعار، إذ يجب أن يتم البيع الأول داخل الموانئ مباشرة، دون المرور بعدة وسطاء، وهو ما سيمكن من ضبط الأسعار.
ولفت إلى أن الوضع الحالي لقطاع الصيد البحري يستدعي تدخلًا سريعًا من الدولة لوضع حلول مستدامة، تضمن التوازن بين تزويد المصانع بالمنتج وبين توفيره للمواطن بأسعار معقولة، من خلال وضع آليات تنظيمية جديدة لمنع الاحتكار وتحقيق التوزيع العادل للثروة السمكية.
واستطرد أن الجهات الوصية على القطاع بحكم خبرتها الميدانية، لا يمكن أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام هذا الوضع الذي يشهد نوعا من الفوضى التدبيرية، والذي يؤثر بشكل أو آخر في أزمة الغلاء وقلة المعروض أحيانا، موضحا أن عليها البحث عن حلول فعالة بالتنسيق مع كافة الشركاء في القطاع.

