سجل تقرير المندوبية السامية للتخطيط بشأن وضعية سوق الشغل خلال الفصل الأول من سنة 2025 تراجعًا طفيفًا في معدل البطالة على المستوى الوطني، منتقلاً من 13,7% إلى 13,3%، ما يعادل انخفاضًا بنحو 15.000 شخص، حيث تم إحداث ما مجموعه 282.000 منصب شغل، بفضل انتعاش التشغيل بالوسط الحضري (+285.000 منصب) مقابل فقدان طفيف بالوسط القروي (-3.000)، فيما ارتفع معدل الشغل من 36,7% إلى 37,2%، مدفوعًا بخلق 319.000 منصب مؤدى عنه، بينما تواصلت خسارة مناصب الشغل غير المؤدى عنه (37.000)، وأظهر التقرير أن أغلب فرص الشغل الجديدة جاءت من قطاع الخدمات (216.000 منصب)، متبوعًا بالصناعة (83.000) والبناء (52.000)، في حين تراجعت مناصب الشغل بقطاع الفلاحة بـ72.000 منصب.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية نسبيًا، كشف التقرير عن معطيات مقلقة بشأن ارتفاع معدل الشغل الناقص من 10,3% إلى 11,8%، خاصة بالوسط القروي الذي بلغ فيه هذا المعدل 14,8%، كما استمر تركز البطالة في صفوف الشباب (37,7%) والنساء (19,9%) وحاملي الشهادات (19,4%)، ما يطرح تساؤلات ضمنية حول جودة المناصب المحدثة، ومدى قدرتها على الاستجابة لتطلعات الفئات النشيطة، وفي ظل استمرار ضعف التغطية الصحية المرتبطة بالشغل (31,1%)، والتفاوت المجالي الصارخ في توزيع فرص العمل، تطرح هذه الأرقام تحديات واضحة أمام صناع القرار؛ لاسيما تعزيز العدالة المجالية، وتحسين ظروف الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وكذا إيفاء هذه المؤشرات بالتزامات النموذج التنموي الجديد في شقه الاجتماعي.
سوق الشغل في المملكة خلال 2025.. تحسّن في التشغيل وتفاقم الشغل الناقص والبطالة بين الشباب
♦ مؤشرات غير مستقرة
يُقلّل عبد الخالق التهامي، الخبير والمحلل الاقتصادي، من دلالة الانخفاض الطفيف في معدل البطالة المُعلن عنه في نتائج الفصل الأول من سنة 2025، معتبرًا أن هذا التراجع ظرفي وموسمي ولا يعكس تغيرًا هيكليًا في واقع سوق الشغل.
وقال التهامي في تصريح لجريدة “شفاف”، إن الأرقام المعلنة ترتبط بفترة شتوية قد تكون فيها بعض القطاعات، مثل الفلاحة أو السياحة، قد شهدت دينامية مؤقتة، مما يفرض الحذر في تفسير هذه المؤشرات.
وأوضح أن أي خط بياني ممتد سيُظهر استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة، مع تذبذبات ظرفية لا تُخفي الجوهر البنيوي للمشكلة.
ومن الظواهر الموازية التي يشير إليها التهامي بقلق، تزايد الشغل الناقص أو الهش، أي حالات التشغيل التي لا تضمن دخلاً كافيًا ولا استقرارًا وظيفيًا.
وأردف أن هذا النوع من العمل يسهم ظاهريًا في خفض معدل البطالة، لكنه في الحقيقة يُفرغ سوق الشغل من معناه الإنتاجي والاجتماعي.
الأسر المغربية في مرمى الضغوط الاقتصادية.. قراءة في مؤشرات تهاوي الادخار والتوقعات السوداوية للأسعار
واستطرد أنه كلما ازداد عدد من يشتغلون في وظائف هشّة، كلما توسعت دائرة ما يسمى بالشغل الناقص، وهي وضعية لا تُنتج استقرارًا ولا تحسّن جودة الحياة.
وأبرز الخبير والمحلل الاقتصادي، أن أي انخفاض في البطالة بهذا الشكل المذكور سلفا؛ يعد في الأخير تحسن رقمي فقط، وليس تحسنًا نوعيًا.
♦ “جودة الشغل غائبة”
في تقييمه لمضمون مناصب الشغل المُحدثة، يعتبر التهامي أن الهشاشة المتزايدة تدل على تدهور جودة الشغل في المغرب، مؤكدًا أن نسبة كبيرة من مناصب الشغل الجديدة تفتقد إلى الاستقرار والتغطية الاجتماعية والأجر اللائق.
ويرى أن هذه الوضعية تطرح إشكالاً مضاعفًا، لأنها لا تحل مشكل البطالة من جهة، وتعيد إنتاج الهشاشة الاجتماعية من جهة أخرى.
وأضاف الخبير والمحلل الاقتصادي، أن الحديث عن جودة التشغيل لا معنى له ما دامت الهشاشة في مجال الشغل لا تظل في توسع مستمر.
مندوبية التخطيط تؤكد تفاقم البطالة إلى 13.6 %.. فهل تبخرت وعود أخنوش بإحداث مليون منصب شغل؟
وشدد على أن تركّز البطالة في صفوف الشباب والنساء وحاملي الشهادات ليس ظاهرة طارئة، بل هو معطى بنيوي يؤشر على عجز مستمر في النموذج الاقتصادي المغربي عن إدماج هذه الفئات.
ولفت إلى أن القطاع الصناعي وقطاع الخدمات يتحفظان من توظيف أصحاب الشهادات العليا، بسبب توقعاتهم لأجور مرتفعة أو مطالبهم بشروط شغل لائقة، مما يؤدي إلى إقصاء هذه الفئات من سوق العمل.
أما فيما يخص النساء، فيشير إلى أن العوائق الثقافية والاجتماعية، إلى جانب غياب فرص الشغل الجيدة، تجعل نسبة مشاركتهن الاقتصادية ضعيفة، وتزيد من معاناتهن مع البطالة أكثر من الرجال.
♦ صدمة الوسط القروي
يتوقف التهامي عند التأثير الخطير لفقدان مناصب الشغل في قطاع الفلاحة، خصوصًا في ظل مواسم الجفاف المتكررة، ويعتبر أن أي تراجع في النشاط الفلاحي يؤدي بشكل مباشر إلى تزايد البطالة في الوسط القروي، الذي يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية.
ويحذر من أن هذا الوضع لا يقتصر على القرى فقط، بل يُساهم في نقل الهشاشة نحو المدن، بسبب هجرة السكان بحثًا عن فرص عمل غير مضمونة.
التضخم ينهك القدرة الشرائية للمغاربة.. هل تنجح التدابير الحكومية في إنعاش السوق والتشغيل؟
وأشار إلى أن النمو الديموغرافي في الأرياف يتجاوز نظيره في المدن، مما يُفاقم الضغط على سوق الشغل القروي ويُفرغ الفلاحة من دورها كمصدر رئيسي للتشغيل.
♦ هشاشة السياسات العمومية
لا يُخفي التهامي تشكيكه في جدوى السياسات الحكومية الجزئية لمواجهة البطالة، قائلاً إن برامج مثل “فرصة” أو “أوراش” قد تخلق مناصب مؤقتة، لكنها لا تصمد في وجه الزمن.
وأبرز الخبير والمحلل الاقتصادي أن ما يناهز 150 ألف منصب شغل على أقصى تقدير قد تُخلق في سنة واحدة مع هذه البرامج ومثيلاتها، ثم تُفقد في السنة التالية.
وشدد على أن الحل ليس في الإجراءات الظرفية، بل في تغيير بنية الاقتصاد ذاته، موضحاً أنه لدينا أكثر من 300 ألف شاب يدخلون سوق الشغل سنويًا، ولكي نمتص هذا العدد نحتاج إلى معدل نمو لا يقل عن 7%.
وأوضح أن نقطة واحدة من النمو تخلق بالكاد 25 إلى 30 ألف منصب شغل، لافتا إلى أن معدل النمو الاقتصادي المتوقع أن يبلغ في المغرب هذه السنة 4.6 %، سيخلق في أحسن تقدير ما بين 100 ألف و140 ألف فرصة عمل.
الحكومة تخطط لزيادة معدل النمو إلى 4.6 % في 2025.. فهل يجد هذا الرقم صدا له على أرض الواقع؟
واعتبر أن مؤشرات التشغيل الموسمية لا تعكس تحسنًا هيكليًا في سوق الشغل، وأن معضلة البطالة بالمغرب تظل بنيوية وتطال بالأساس الشباب والنساء وحاملي الشهادات، بينما البرامج الظرفية غير كافية لمواجهة التحديات المزمنة.
♦ توصيات هيكلية
يدعو التهامي إلى إعادة النظر في موقع الدولة ودورها الاقتصادي، مؤكدًا أن الحلول لن تأتي من التدخلات الفوقية أو من فرض السياسات، بل من تأهيل السوق وتعزيز مرونته وقدرته على خلق مناصب شغل ذات جودة.
ويرى أن التنظير لم يعد هو المشكلة بل التفعيل، مبرزا أن كل التقارير تؤكد ما يجب القيام به، لكن لا يتم تنزيل أي شيء على أرض الواقع.
وشدد الخبير والمحلل الاقتصادي، على أن ما نحتاجه ليس فقط الإرادة السياسية، بل اقتصاد قادر على توليد مناصب شغل دائمة وذات محتوى إنتاجي حقيقي.
وأردف أنه لا يكفي القول إن الحكومة تفتقر إلى الإرادة، فحتى إن توفرت الإرادة، فإن ضعف محرك الاقتصاد الوطني لن يسمح لها بتحقيق أهداف الإدماج المهني والاجتماعي، مؤكدًا أن ما نحتاجه فعلاً هو تغيير في البنية لا في النوايا.

