عقب الإعلان يوم أمس الخميس، عن تعيين الملك محمد السادس، لسميرة سيطايل، سفيرة للمغرب لدى الجمهورية الفرنسية، برز من جديد النقاش المستمر منذ ما يقارب السنتين، عن تأثير هذا العامل الجديد في عودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، خصوصا وأن هذا المنصب ظل شاغرا لزهاء عشرة أشهر بعد إنهاء مهام السفير السابق محمد بنشعبون.
•توتر العلاقات
خلال سنة 2021 بدأ يبرز بين الحليفين التقليديين المغرب وفرنسا نوع من التوتر في علاقاتهما، بسبب توجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو التقارب مع الجزائر على حساب المملكة، إلى جانب عمل باريس عبر إعلامها ومنظماتها غير الرسمية بشن حملات شعواء أشارت فيها إلى تجسس الرباط باستعمال برنامج “بيغاسوس” على شخصيات سياسية وصحفية وحقوقية وغيرها في العالم.
إلى جانب دفع باريس للبرلمان الأوروبي في يناير الماضي، إلى الإقرار بتوصية تنتقد أوضاع حرية التعبير في المغرب، وهو ما تزامن مع إقدام الرباط في 19 يناير المنقضي بإنهاء مهام سفيرها السابق في فرنسا محمد بنشعبون، علما أن هذا الأخير جرى تعيينه في 18 أكتوبر 2022؛ مديرا عاما لصندوق محمد السادس للاستثمار، لكن من دون أن يعلن وقتها إعفاؤه من منصبه كسفير.
واستمر التوتر بعدما طالبت المغرب من فرنسا إبداء موقف أكثر تأييدا للمملكة في ملف الصحراء المغربية، خصوصا بعد اعتراف أمريكا في 2020، ودعم كل من إسبانيا وألمانيا وهولندا والبرتغال وغيرها لمقترح الحكم الذاتي كحل لإنهاء هذا الصراع المفتعل، وهو الأمر الذي لم يتفاعل معه قصر الإليزيه.
ومنتصف شتنبر الماضي، عادت التوترات إلى الواجهة على إثر زلزال الحوز، حيث شن الإعلام الفرنسي والرئيس ماكرون هجوما حادا على المغرب بسبب ما اعتبره “عدم قبول الرباط للمساعدة التي عرضت عليها باريس”، في الوقت الذي أشارت فيه المملكة إلى أن هذه العملية (قبول المساعدات) تأتي بناءً على تقديرها لحاجياتها.
•من هي سيطايل؟
رأت سميرة سيطايل النور في 16 ماي 1964 بمدينة مارسيليا الفرنسية، قبل أن تنتقل إلى ضواحي العاصمة باريس، وتحصل على الإجازة في الإنجليزية؛ تخصص اللغة والحضارة الأمريكية من جامعة باريس ديدرو (باريس 7)، كما نالت ماستر في ”مهن التواصل” وآخر في “تواصل المقاولات والمؤسسات والمخاطر” من معهد سيلسا-سوربون.
وشغلت السيدة سيطايل، منصب مديرة الأخبار (2008-2001)، ثم المديرة العامة المساعدة المكلفة بالأخبار بالقناة التلفزية الثانية (2020-2008)، وذلك بعدما كانت انطلاقتها بـ “دوزيم” كمقدمة تلفزيونية، حيث أشرفت على العديد من البرامج وعدد من الوثائقيات باللغة الفرنسية.
ولسيطايل ارتباط بالمجال الدبلوماسي، حيث شغل زوجها سمير الدهر عددا من المناصب بوزارة الخارجية وكذا المهام الدبلوماسية، إذ يتولى منذ 2019 مهمة السفير الممثل الدائم للمغرب لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
•دلالات الاختيار والتعيين
يرى محمد شقير، المحلل السياسي والباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا التعيين يجب أولا ربطه بسياق العلاقات بين فرنسا والمغرب التي شابها توتر كبير، وأدى إلى دعوة السفير المغربي من باريس واستمرار منصبه شاغرا لعدة شهور، بالرغم من أن باريس عينت في نونبر من العام الماضي، كريستوف لوكورتييه، كسفير لها في الرباط.
وأشار شقير إلى أن السفير الفرنسي الذي حلّ بالمغرب السنة الماضية، لم يتم استقباله من طرف الملك محمد السادس إلا مؤخرا، في إطار قبوله واعتماده في هذه المهام بشكل رسمي، معتبرا أن ذلك له دلالة كبيرة لها ارتباط مباشر بتعيين سيطايل.
وأردف أن منصب سفير المملكة المغربية في باريس دائما كانت له خصوصية متفردة، تتمثل في أن من يتم تعيينهم من قِبل الملك محمد السادس، -المسؤول الحصري والمباشر على الشؤون الدبلوماسية للمملكة-؛ لشغل هذه المهمة يجب أن يكون يحظى بثقة القصر ومقرب منه، مبرزا أن تلك المعايير متوفر في السفيرة سيطايل.
وأوضح الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن تعيين سيطايل له عدة حمولات؛ من بينها أن إيكال هذه المهمة لأول مرة لامرأة، يأتي في سياق دلالي يؤشر على الاهتمام الملكي المتزايد بمبادئ المناصفة، من خلال تعيين النساء في مناصب المسؤولية.
ولفت إلى أن سيطايل معروفة بقربها من دائرة القرار في المغرب، سواءً من خلال تعيينها على رأس الإدارة المكلفة بالأخبار في القناة الثانية (دوزيم) لمدة تزيد عن 20 عاما، وإضافة لتكوينها في مجال الإعلام والاتصال، مبرزا أن هذا الأمر سيساعدها في أداء مهامها بباريس.
وأكد شقير على أنه من النقاط البارزة في سياق هذا التعيين، هو أنه جاء مباشرة بعد الرد القوي لسيطايل عبر الإعلام الفرنسي على محاولة قصر الإليزيه ومن يدور في فلكه استغلال زلزال الحوز سياسيا، حيث ردت بقوة وشددت على أن المغرب دولة ذات سيادة، ولها الحق في اختيار من يساعدها والكيفية التي تريد بها ذلك.
وتابع المحلل السياسي أن ما سبق يُظهر بأنه كان هناك تهيئ مسبق لتعيين هذه الشخصية على رأس سفارة المملكة المغربية في باريس، موضحا أن ثلاثة عوامل ساهمت في ذلك، أولاها يتمثل في الاعتبارات السياسية، وثانيها يتعلق بعامل الثقة، والمسألة الثالثة ترتبط بتمتيع العنصر النسوي بمسؤوليات رفيعة المستوى.
•سفيرة من أبناء المهجر
اعتبر محمد شقير أن العامل الأبرز، أنه تم تعيين سفيرة ازدادت وترعرعت في فرنسا، وهو ما يعطيها امتيازا من الناحية الذهنية فيما يرتبط بآليات التعامل مع مغاربة المهجر، وأيضا مع الساسة والمسؤولين الفرنسيين، بفضل اكتسابها للثقافة السياسية الفرنسية.
وأوضح أن التأخير في تعيين سفير للمغرب بباريس، قد يكون من دواعيه أيضا البحث على شخصية بهاته المواصفات والمعايير المذكورة، ولاسيما فيما يتعلق بأن يكون أكثر قربا من الثقافة الفرنسية والنخبة السياسية الحاكمة بفرنسا.
وأردف الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن تَولي سيطايل لهذا المنصب، فيه رسالة ملكية لنخبة مغاربة المهجر، مفادها أنها تحظى بعناية خاصة، والدليل على ذلك أنه تم تعيين شخصية من بينهم في منصب رفيع ومهم (سفير المغرب لدى فرنسا).
•العلاقات بين البلدين
يشير محمد شقير إلى أن العمل على طي مرحلة التوتر انطلقت منذ مدة من جانب المغرب، وأن تعيين سفيرة للمملكة بباريس تعد استمرارية لذلك، حيث جرى قبل أسابيع مثلا استقبال وفد فرنسي متشكل من مدنيين وعسكريين بمدينة العيون، وبعدها تم استقبال سفير باريس لدى الرباط من طرف الملك وقبول أوراق اعتماده كسفير مفوض فوق العادة لقصر الإليزيه بالمملكة.
واعتبر الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن هاته الخطوات التي تمت خلال الظرفية الأخيرة، مؤشر واضح من جانب المملكة المغربية على وجود رغبة في تطبيع العلاقات بين البلدين وتجاوز مرحلة الجفاء الدبلوماسي الحاصلة منذ مدة، موضحا أن ذلك يتم بشكل تدريجي.
وشدد على أن تعيين سيطايل يشكل دلالة كبيرة على أن صفحة التوتر في طريقها إلى الطي، والبدء في تعامل جديد بين البلدين، مشيرا إلى أن ذلك سيرتبط بشرط أساسي وفق الأرضية التي حددها الملك محمد السادس فيما يتعلق بالعلاقات مع الشركاء التقليديين، ألا وهو إظهار موقف صريح ومساند لمبادرة الرباط بخصوص ملف الصحراء المغربية، على غرار ما قامت به كل من إسبانيا وألمانيا وأمريكا وغيرهم.
وأكد المحلل السياسي على أن إعلان فرنسا على موقف مساند للمغرب فيما يتعلق بالقضية الوطنية الأولى؛ سيكون أمرا حاسما في عودة العلاقات بين الرباط وباريس لسابق عهدها وإعادتها لمستواها الطبيعي.
وأبرز أن التحركات التي تتم حاليا هي مجرد تمهيد فقط لتطبيع العلاقات وخلق المناخ المناسب لإعادتها، مؤكدا على أن ذلك لن يتم إلا وفق الأرضية التي رسمها الملك محمد السادس، والتي اعتبر من خلالها أن ملف الصحراء المغربية النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات.

