يشهد المشهد الدرامي خلال الموسم الرمضاني الحالي نقاشا متجددا حول جودة الإنتاجات الوطنية، ومستوى الأداء التمثيلي، وحدود الكتابة الدرامية بين الإبداع والاقتباس، إلى جانب تحولات ذائقة الجمهور في ظل تعدد المنصات وتنوع العرض.
وبين أعمال تحاول إثبات حضورها وأخرى تثير الجدل، يظل تقييم الحصيلة رهينا بقراءة نقدية توازن بين المنجز والإكراهات. وفي هذا الإطار، حاورت جريدة “شفاف” الناقد احمد سيجلماسي.
س: كيف تقيم حصيلة الإنتاجات الدرامية المغربية خلال رمضان الجاري؟
ج: فيما يتعلق بحصيلة الإنتاجات الدرامية المغربية خلال رمضان الجاري، يظل تقييمها أمرا صعبا، بالنظر إلى تعذر متابعة جميع الأعمال المعروضة على القنوات الوطنية، لا سيما القناة الأولى والقناة الثانية والقناة الأمازيغية.
ومع ذلك، وبناء على ما تيسر لي مشاهدته، يمكن القول إن غالبية هذه الأعمال تتراوح بين المستوى المتوسط ودون المتوسط، مع تسجيل بعض الاستثناءات المحدودة، إذ برزت أعمال قليلة أظهرت نوعا من التطور النسبي، سواء على مستوى الإخراج أو الأداء أو المعالجة الدرامية.
فمن بين الأعمال التي يمكن اعتبارها متميزة نسبيا، مسلسل “عش الطمع”، الذي، رغم ما شابه من بعض التمطيط، يظل عملا متكاملا إلى حد بعيد، بفضل رؤية إخراجية لشاب تلقى تكوينا سينمائيا أكاديميا بالمدرسة العليا للفنون البصرية بمراكش (ESAV)، وهو ما يمكن اعتباره إحدى نقاط الضوء في هذا الموسم.
كما يندرج ضمن الأعمال المحترمة نسبيا مسلسل “شكون كان يقول”، من خلال شخصية “مروة” التي أدتها الممثلة ابتسام العروسي، حيث قدم العمل مستوى مقبولا على أكثر من صعيد، وهو من إخراج صفاء بركة.
أما مسلسل “بنات لالة منانة”، فقد تميز بأداءات متفاوتة الإقناع من طرف بعض الممثلين، في حين لم يكن اختيار طاقم التمثيل موفقا بشكل كامل. بالمقابل، يحسب للعمل سعيه إلى إبراز الجمالية البصرية لمدينة شفشاون، وهو عنصر بصري إيجابي لا يمكن إغفاله، كما برز أيضا فيلم تلفزيوني جديد بعنوان “الحب المر”، تألقت فيه خديجة زروال والمهدي فولان، وهو من إخراج المبدع ياسين فنان.
وفيما يخص الأعمال الكوميدية، التي يفترض أن تؤسس لفرجة قائمة على الإضحاك الذكي، فيبدو أنها ابتعدت عن روح الكوميديا الحقيقية، إذ جاءت في مجملها مفتعلة ومفبركة، تفتقر إلى العمق والمضمون، وغير قادرة على إقناع المتلقي، كما هو الحال في سلسلتي “الثمن” و”المرضي”، اللتين يمكن اعتبارهما نموذجين لأعمال مبتذلة لا تضيف قيمة تذكر للمشهد الكوميدي.
أما على مستوى الأفلام التلفزيونية، فتتوزع بدورها بين أعمال متوسطة وأخرى دون المستوى، مقابل بعض المحاولات المتميزة، ومن بين الأعمال التي تركت انطباعا إيجابيا، فيلم “مامات” للمخرج محمد علي المجبود، والذي تألقت فيه الممثلة القديرة راوية من خلال أداء تلقائي ومختلف عن أدوارها السابقة، إضافة إلى ذلك فموضوع الفيلم يتسم بقدر من الجدة، ما يمنحه بعدا تربويا واضحا، خاصة وأن السيناريو يحمل توقيع الكاتبة المتميزة بشرى مالك.
س: كيف تقيم أداء الممثلين والممثلات في الأعمال الدرامية لهذه السنة؟
ج: بخصوص أداء الممثلين والممثلات، يمكن القول إن أغلبية الأعمال الدرامية لهذه السنة شهدت حضور أسماء موهوبة ومتمكنة من أدواتها الفنية، وقدمت أداءات مقنعة إلى حد بعيد.
فعلى سبيل المثال، برزت مريم الزعيمي في مسلسل “عش الطمع” بأداء لافت، إذ أظهرت قدرة تعبيرية عالية من خلال ملامح وجهها ونظراتها وكلامها وصمتها، فضلا عن حركاتها الجسدية، ما منح أداءها تنوعا واضحا على مستوى التعبير الجسدي والانفعالي.
والحقيقة أن مريم الزعيم دأبت في مختلف الأعمال التي شاركت فيها، على تأكيد مستواها الفني، وهو ما يمكن تفسيره بموهبتها من جهة، وبمسارها الأكاديمي من جهة ثانية، باعتبارها من خريجات المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، الذي يخرج في الغالب طاقات فنية تشكل قيمة مضافة في مجالات التلفزيون والسينما والمسرح.
وإلى جانب مريم الزعيمي، يبرز حضور مجموعة من الممثلين والممثلات في العمل ذاته، ممن قدموا أداءات متميزة بدرجات متفاوتة، من بينهم عادل أباتراب، والسعدية لاديب، وبثينة اليعقوبي، وفاطمة الزهراء الجوهري، ومونية المكيمال، وأمين الناجي، وسعد موفق، حيث بدا أن أغلب طاقم مسلسل “عش الطمع” كان مقنعا في المجمل.
ويمكن إرجاع هذا التفوق إلى عاملين أساسيين، يتمثل الأول في توفر الموهبة والتكوين، والثاني في حسن إدارة المخرج للممثلين، إذ غالبا ما تنعكس جودة الإخراج إيجابا على الأداء التمثيلي، كما ينسحب الأمر ذاته، بدرجة أو بأخرى، على مسلسل “شكون كان يقول”، الذي يعد عملا محترما، حيث أبان ممثلوه وممثلاته عن مستوى جيد، وإن تفاوتت درجات الإقناع بينهم.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الأداء المتميز لابتسام العروسي، إلى جانب محمد كافي، الذي ظهر في حلقة أو حلقتين، فضلا عن سعاد خويي، ومنصور بدري، وفرح الفاسي، وغيرهم، حيث جاء أداؤهم في المجمل مقبولا إلى حد كبير.
كما يمكن إضافة طاقم مسلسل “بنات لالة منانة”، فرغم أن بعض الممثلات، مثل نورة الصقلي، قد تثير لدى المتلقي نوعا من الانزعاج بأسلوبها العصبي أو بنبرة صوتها المرتفعة، فإن قدرتها على إحداث هذا الأثر تعد، في حد ذاتها، دليلا على تميزها التمثيلي.
وإلى جانبها، برزت أسماء أخرى مثل سامية أقريو، وعادل أباتراب، وعبد الله ديدان، والسعدية أزكون، وحسنة طمطاوي، وياسين أحجام وآخرون، وهند السعديدي، وهم ممثلون أثبتوا حضورهم سواء في هذا العمل أو في أعمال سابقة، غير أن الملاحظة الأساسية التي يمكن تسجيلها على هذه الأعمال الدرامية عموما، تتمثل في تكرار ظهور بعض الممثلين والممثلات في أكثر من عمل خلال الفترة نفسها.
فإذا كانت مريم الزعيمي، على سبيل المثال، قد حضرت في عمل واحد فقط إلى حدود الآن، فإن ممثلين آخرين ظهروا في عملين أو ثلاثة، بل وحتى أربعة أعمال، من قبيل حسناء المومني، ومنصور بدري، وبثينة اليعقوبي، وعادل أباتراب، ما يجعل حضورهم متكررا في عدد من المسلسلات، بل وحتى في بعض الأفلام التلفزيونية.
إلا أن الإشكال لا يرتبط فقط بكثرة الظهور، بل أيضا بطبيعة الأدوار المقدمة، إذ يلاحظ أن بعض هؤلاء الممثلين، وليس جميعهم، يؤدون أدوارا نمطية متشابهة، بحيث يظهرون في أكثر من عمل بالشخصية نفسها تقريبا، دون تمايز واضح، مع وجود استثناءات. فمثلا، قدمت بثينة اليعقوبي ثلاثة أدوار مختلفة في أعمال “شكون كان يقول” و”عش الطمع” و”حكايات شامة”، ما يعكس قدرتها على التلون والتكيف مع طبيعة كل دور، وهو ما يعزز حضورها الفني، خاصة مع ملاءمة الأدوار المسندة إليها وحسن توجيهها من طرف المخرج.
والأمر ذاته ينطبق على عادل أباتراب، الذي ظهر بأداء مختلف بين “بنات لالة منانة” و”عش الطمع”، ما يدل على تنوع في أدواته التمثيلية، كما يبرز الأمر نفسه في أداء السعدية لاديب، التي اختلف حضورها بين “عش الطمع” و”بنات لالة منانة”، ما يؤكد أن بعض الممثلين، رغم تعدد مشاركاتهم، يحرصون على التجديد والاجتهاد في كل دور.
كما يمكن التوقف عند الممثلة القديرة راوية، التي لم تحضر في مسلسلات رمضان، لكنها برزت في فيلمين، الأول هو فيلم “مامات”، حيث تألقت في دور البطولة من خلال أداء مميز، يجسد أهمية التعليم وإمكانية التعلم في مختلف مراحل العمر، مع التأكيد على ضرورة تعليم المرأة، وقد جسدت فيه شخصية امرأة شعبية تؤمن بقيمة التعلم وتسعى إلى محاربة الأمية في قريتها.
أما الفيلم الثاني، “مي والباك” للمخرج مراد الخودي، فقد بدا أقل تميزا من حيث البناء الدرامي، نتيجة سيناريو غير محكم وإخراج يتراوح بين المتوسط ودون المتوسط. ومع ذلك، يظل الممثل المتمكن قادرا على تقديم أداء محترم حتى في ظل ضعف بعض العناصر التقنية، وهو ما تحقق مع راوية، التي حافظت على مستوى جيد في هذا العمل أيضا.
وفي المقابل، تبرز ملاحظة سلبية واضحة بخصوص أداء الممثلة سحر الصديقي، الذي اتسم بالتكلف والمبالغة، إلى درجة تنفر المتلقي، خاصة في سلسلة “الثمن”، وكذلك في سلسلة أخرى يغلب عليها التكرار، من قبيل “يوميات محجوبة التبارية” أو ما شابه، التي تشارك فيها دنيا بوطازوت، حيث بدأ العملان، في تقديري، غير مستساغين، كما اتسم أداؤها فيهما بقدر كبير من التصنع.
ففي “الثمن”، بدأ الأداء أقرب إلى الآلة منه إلى العفوية الإنسانية، إذ افتقدت طريقة الإلقاء للسلاسة الطبيعية، ما أضفى على الشخصية طابعا جامدا.وقد انعكس هذا التكلف سلبا على الدور، وربما حتى على صورة بعض أدوارها السابقة، خصوصا في بداياتها، عندما ظهرت في مسلسل سابق وناجح لياسين فنان.
س: هل يحتاج الإنتاج المغربي إلى اقتباس سيناريوهات من أعمال أجنبية، خاصة التركية؟
ج: فيما يتعلق بالسيناريوهات، لا يبدو أن الإنتاج المغربي في حاجة إلى الاقتباس من المسلسلات التركية أو غيرها، خاصة أن هذه المقاربة أثبتت محدوديتها في تجارب أخرى، كما هو الحال في السينما المصرية التي اعتمدت لفترة على ما يعرف ب”الريميك”، أي إعادة إنتاج أفلام أجنبية ناجحة ضمن سياق محلي، وهي تجارب لم تحقق النجاح المرجو في الغالب.
ومن هذا المنطلق، يظل الخيار الأفضل هو الاشتغال على أعمال أصلية، يكتبها سيناريست متمكن، ملم بخصوصيات المجتمع المغربي وثقافته، وقادر على عكس قضاياه الاجتماعية والنفسية، أو استحضار شخصيات كان لها أثر في تاريخه السياسي أو الاجتماعي أو العلمي أو الحضاري.
وبالتالي، فإن الرهان ينبغي أن يكون على الإبداع الأصيل، لا على النقل أو التقليد، مع إمكانية قبول الاقتباس بشروط، أبرزها أن يخضع العمل المقتبس لعملية تكييف عميقة تجعله مندمجا في البيئة المحلية.
ويمكن الاستئناس، في هذا السياق، بتجربة المسرح المغربي، حيث استطاع الطيب العلج أن يقتبس أعمال موليير ويحولها إلى نصوص مغربية خالصة، سواء على مستوى اللغة أو الأزياء أو السياقات الدرامية.
وعليه، يمكن الاستفادة من فكرة أو مضمون عمل أجنبي، سواء كان رواية أو مسرحية أو فيلما، شريطة إعادة صياغته في قالب مغربي، مع إبداع على مستوى الحوارات، والفضاءات، والملابس، والتشخيص، وغيرها من العناصر الفنية.
أما الاكتفاء بنقل عمل تلفزيوني، تركيا كان أو غيره، ومحاولة تقليده بشكل مباشر، فغالبا ما يؤدي إلى نتيجة ضعيفة، لأن النسخة الأصلية تظل، في معظم الحالات، أكثر تماسكا وجودة من النسخة المقلدة.
س: كيف تفسر توجه بعض المتلقين المغاربة نحو متابعة أعمال عربية أو أجنبية بدل الإنتاجات الوطنية؟
ج: بخصوص المتلقي المغربي الذي يفضل أحيانا متابعة مسلسلات عربية أخرى، سواء كانت مصرية أو سورية أو غيرها، ينبغي أولا التأكيد على أن التلفزيون لم يعد الوسيلة الوحيدة التي تتيح للمشاهد متابعة الأفلام والمسلسلات والأعمال الدرامية، إذ أضحت المنصات الرقمية توفر إمكانية مشاهدة الحلقات فور عرضها، كما هو الحال في منصات مثل “يوتيوب” وغيرها.
وبطبيعة الحال، لا يمكن الحديث عن متلق مغربي واحد أو جمهور موحد، فالجمهور متنوع ومتعدد، وتختلف فئاته واهتماماته، حيث يميل كل مشاهد إلى نوع معين من الأعمال وفق ذوقه الخاص.
ومن جهة أخرى، هناك فئة من المتلقين لا تجد ضالتها في بعض المسلسلات المغربية، فرغم الجهود المبذولة على مستوى الدراما التلفزيونية الوطنية، يلاحظ سنويا وجود ثلاثة أو أربعة أعمال فقط يمكن وصفها بالمحترمة والمقبولة.
غير أن ذلك لا ينفي وجود جمهور يفضل متابعة الأعمال الأجنبية، ربما لأنها تقدم له ما لا يجده في الإنتاجات المحلية، خاصة وأن التلفزيون المغربي لم يعد يقتصر على عدد محدود من الأعمال كما كان في السابق، بل أصبح الإنتاج وفيرا، تتداخل فيه الجودة مع الرداءة.
ومع ذلك، لا يزال هناك إقبال على الدراما المصرية وغيرها من الدراما العربية، نظرا لما بلغته بعض هذه الأعمال من تطور ملحوظ، نتيجة تراكم الخبرات لدى صناعها، سواء على مستوى الكتابة الدرامية أو التمثيل أو الإخراج أو التصوير.
وفي الواقع، فإن التوجه نحو الأعمال الأجنبية ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لاهتمام قديم لدى فئات من الجمهور، خاصة تجاه الأعمال التي تتميز بقيمة فنية وفكرية عالية.
وفي المقابل، توجه انتقادات متكررة لبعض الإنتاجات الوطنية، لاسيما الكوميدية منها، التي توصف أحيانا بالسطحية والافتقار إلى الجهد على مستوى الكتابة أو الأداء أو غيرهما من عناصر العمل الفني.
وقد أصبح هذا الوضع محل نقاش سنوي، إلى درجة أن البعض بات يتحدث عن “حموضة” في الأعمال التلفزيونية الرمضانية، خاصة في ظل ما توفره التقنيات الرقمية من حرية واسعة للمشاهد، الذي يمكنه الانتقال بسهولة إلى أعمال أجنبية، سواء كانت أوروبية أو أمريكية أو هندية أو عربية.
وعليه، فإن ميل بعض الفئات إلى متابعة الأعمال الأجنبية يظل أمرا طبيعيا في ظل اختلاف الأذواق الفنية، غير أن ذلك لا يعني غياب جمهور للمنتوج الوطني، إذ إن استمرار الإنتاجات وتزايدها سنويا دليل على وجود قاعدة متابعة قائمة.
غير أن هذه الأعمال تحتاج إلى مراجعة في طرق إنتاجها، إذ لا يكمن الإشكال في الممثلين بقدر ما يرتبط بالجهات المشرفة على الإنتاج وآليات تدبيره، حيث يلاحظ أن عددا محدودا من شركات تنفيذ الإنتاج يهيمن على إنجاز عدد كبير من الأعمال سنة بعد أخرى.
وغالبا ما تركز هذه الشركات على الجانب الاقتصادي وتحقيق الربح، مع الإشارة إلى أن بعضها ينجح أحيانا في تقديم أعمال جيدة، في حين تميل شركات أخرى إلى تغليب الكم على حساب الكيف.
ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في دفاتر التحملات، والعودة إلى صيغ إنتاج كانت معتمدة سابقا، تقوم على التعامل المباشر مع الفنانين. فإذا تقدم فنان بمشروع أو سيناريو، ورغب في إخراجه أو اقتراح مخرج له أو المشاركة فيه، فينبغي فتح المجال أمامه، واعتماد مقاربات إنتاجية متعددة بدل الاكتفاء بشركات التنفيذ فقط.
ففي السابق، كان الفنانون يقدمون مشاريعهم مباشرة إلى التلفزيون، ويتم التعامل معهم بشكل مباشر، مع تخصيص ميزانيات لإنجاز أعمالهم، غير أن هذا النموذج تراجع اليوم، وتم إقصاء عدد من المبدعين، بعضهم غيبه الموت.
لذلك، يظل من الضروري إعادة الاعتبار للفنان المبدع، وفتح المجال أمامه، بدل حصر الإنتاج في دائرة ضيقة من الشركات، بما يحد من تنوع الرؤى والإبداعات.
س: كيف تنظر إلى بعض الانتقادات ذات الطابع الأخلاقي، وإلى معالجة قضايا مثل التطرف في الأعمال الدرامية؟
ج: بخصوص هذا السؤال، لا يمكن مقاربة العمل الفني من زاوية أخلاقية محضة، بل ينبغي نقده بأدوات فنية، ومن داخل بنيته، لا من خارجها.
أما بخصوص مسألة الخمار أو التطرف أو بعض الأدوار المرتبطة بها، فيبدو أن موضوع التطرف قد أقحم ضمن سيناريو الجزء الثالث من مسلسل “بنات لالة منانة”، حيث سعى كتاب السيناريو، ومن بينهم نورا الصقلي وسامية أقريو، إلى إنجاز هذا الجزء بعد سنوات من عرض الجزأين الأول والثاني، غير أن البناء الدرامي لم يكن محكما بما يكفي، مع ملاحظة إقحام عدد كبير من المواضيع بشكل مفرط.
فموضوع الإرهاب، وما يرتبط به من قضايا، بدأ عنصرا غير مندمج دراميا، وكان من الممكن حذفه دون أن يؤثر ذلك على سير الأحداث، ما يوحي بأن الهدف كان بلوغ عدد معين من الحلقات، وهو ما أدى إلى اللجوء إلى التمطيط وإدخال خطوط سردية متعددة بدل الحفاظ على تماسك الخط الدرامي الرئيسي.
ومع ذلك، يظل من الضروري تقييم العمل من زاوية فنية، حيث يجمع بين نقاط قوة وأخرى ضعف، وهو من بين الأعمال التي تحظى بنسبة متابعة مرتفعة، إلى جانب أعمال أخرى محدودة، غير أن هذا الجزء الثالث يبدو أقل إبداعا مقارنة بالجزئين السابقين، نتيجة الإكثار من المواضيع ووجود بعض الهفوات.
ولا ينفي ذلك الجهود المبذولة على مستوى الجوانب التقنية، من تصوير وتشخيص وغيرها، إذ غالبا ما يكمن الخلل في الإنتاجات الوطنية على مستوى النص أو السيناريو، الذي قد يفتقر إلى بناء درامي محكم وتسلسل منطقي للأحداث، حيث يتم أحيانا خلق أحداث بشكل متسارع من حلقة إلى أخرى فقط من أجل إطالة العمل.
والحال أن عدد الحلقات لا ينبغي أن يكون هدفا في حد ذاته، فإذا كانت الفكرة تستوفى في عشر حلقات، فلا مبرر لتمديدها إلى ثلاثين حلقة عبر إقحام أحداث غير مبررة، لما لذلك من أثر سلبي على الجودة الفنية.
وعليه، يمكن القول إن الجزء الثالث من “بنات لالة منانة” كان أقل توفيقا من سابقيه، رغم ما تضمنه من عناصر إيجابية، من بينها أداء عدد من الممثلين والممثلات، وجمالية الفضاءات، خاصة بمدينة شفشاون، إلى جانب جودة التصوير.
كما يسجل للعمل حضور اللهجة الشمالية التي تتحدث بها معظم الشخصيات، لا سيما بنات لالة منانة، مع استثناء شخصية الأم التي تتحدث بلهجة الدار البيضاء، وهو ما قد يخلق نوعا من عدم الانسجام، وإن كان يمكن تبريره دراميا يكون فضاء الأحداث لا يقتصر على منطقة واحدة، بل يضم شخصيات من خلفيات مختلفة.

