شهدت الساحة السياسية نهاية الأسبوع الماضي موجة جديدة من التوتر بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار، بعد تبادل قيادتيهما سلسلة من الانتقادات الحادة خلال لقاءات حزبية متفرقة بكل من فاس ومكناس ووجدة وتاونات، حيث قال رئيس “الأحرار” عزيز أخنوش إن إنجاز مشروع سد “مداز” تأخر أربعة عشر سنة خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين، معتبرًا أن حكومته أنهت الأشغال في ظرف ثمانية أشهر فقط، بينما رد الأمين العام لـ”البيجيدي” عبد الإله بنكيران باتهامات مرتبطة بالفساد وتضارب المصالح، متحدثًا عن فقدان الثقة في الحكومة وتراجع صورة المؤسسات لدى المواطنين.
وتعمق هذا السجال بخطابات إضافية صدرت عن قيادات حزبية أخرى من الفريقين، حيث هاجم القيادي لحسن السعدي أعضاء المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، فيما اعتبر عبد الله بوانو أن الحكومة “سقطت سياسيًا” قبل موعد التقييم الانتخابي، ووسط هذا التفاعل المتسارع، تُطرح أسئلة حول خلفيات إعادة إنتاج هذا الصراع بين قطبين عرفا تنافسًا تاريخيًا، وعما إذا كان يعكس ذلك بداية اصطفاف انتخابي مبكر أم محاولة لإعادة كسب المساحات داخل المشهد الحزبي، في سياق يتسم بضغط اجتماعي واقتصادي يضع الأحزاب أمام تحديات أوسع من تبادل الاتهامات.
❖ سياق التنافس
يضع محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، المشهد الحزبي في سياق يزداد فيه الإيقاع الانتخابي حضورًا كلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، معتبرًا أن التفاعلات الحالية بين الأحزاب ليست معزولة عن منطق الاستعداد المبكر.
وذكر شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، أنه مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات، تصبح المنافسة أكثر وضوحًا، ويتحول الخطاب الحزبي إلى أداة لإعادة التموضع وإعادة تشكيل المشهد السياسي.
وأردف أن التنافس الدائر بين الحزبين الأكبر حضورًا في الجدل العمومي، وهما التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، ينبع أساسًا من رغبة كل طرف في شغل موقع متقدم داخل الخريطة السياسية المقبلة.
إشادة رئاسة الأغلبية بإنجازات حكومة أخنوش.. هل تُخفي فجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي؟
وأشار الباحث في العلوم السياسية، إلى أن العدالة والتنمية يستعيد موقعه كفاعل معارض من خلال تصعيد خطابه تجاه الحزب المتصدر للانتخابات، مدفوعًا برغبة في تكريس صورة الحزب القادر على قيادة المعارضة.
ووفقًا لقراءة شقير، فإن ضعف المعارضة التقليدية وتعدد مكوناتها خلق فراغًا تحاول عدة أحزاب ملأه، ما يجعل مسألة الزعامة داخل المعارضة موضوع تنافس مباشر، مشددًا على أن هذا الوضع يفسر جزءًا من حدة الاصطفاف السياسي الملاحظ خلال الأشهر الأخيرة.
ولفت إلى أن دخول أحزاب أخرى، مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، على خط التنافس يجعل المشهد المعارض أكثر تشتتًا، لكنه في الوقت نفسه يزيد من ديناميته.
واستطرد أن كل حزب يسعى إلى تقديم نفسه كصوت قادر على مواجهة الحكومة وإبراز حِدة مواقفه بهدف استثمار الوضع الانتخابي المرتقب، مبرزًا أن التفاعل بين هذه الأطراف يقود إلى مشهد سياسي مشحون، لكنه أيضًا يعكس حيوية مرتبطة بمواعيد انتخابية قريبة.
❖ زعامة المعارضة
يرى محمد شقير أن صراع الزعامة داخل المعارضة يشكل محورًا أساسيًا في فهم التوتر الحالي بين الأحزاب، مشيرًا إلى أنه مع تراجع فعالية المعارضة التقليدية، يصبح المجال مفتوحًا أمام تنافس جديد حول من يمتلك القدرة على قيادة الجبهة المعارضة للحكومة.
وأبرز أن العدالة والتنمية يعتبر أن استعادة هذا الموقع يمنحه شرعية إضافية، خاصة بعد سنوات من تراجع نتائجه الانتخابية، فيما التجمع الوطني للأحرار، فيسعى إلى الدفاع عن موقعه باعتباره الحزب المتصدر والممسك بالمشهد الحكومي، ما يضعه في مواجهة مباشرة مع “البيجيدي”.
ملتمس الرقابة يوحد المعارضة لأول مرة.. مناورة دستورية أم لحظة اختبار للحكومة؟
ولفت إلى أن تعدد مكونات المعارضة يجعل الصراع على الزعامة أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على حزبين فقط، بل أصبح ساحة يتداخل فيها السياسي بالشخصي، والحزبي بالإعلامي، والتنافسي بالانتخابي، وهو ما يعزز من وجهة نظره؛ دينامية تسمح لكل طرف بتجريب أدوات جديدة للتموقع؛ سواءً عبر التواصل الرقمي أو الأنشطة الميدانية أو الخطاب الرمزي.
وأضاف الباحث في العلوم السياسية، أن هذا التنافس لا ينفصل عن رغبة كل حزب في التحكم فيما يسميه “سردية المعارضة”، أي الخطاب القادر على إقناع الرأي العام بأنه الصوت الأكثر تعبيرًا عن الانتقادات الموجهة للحكومة.
ونبه إلى أنه مع اقتراب الانتخابات، تصبح هذه السردية أكثر حساسية، وهو ما يجعل الخطاب أكثر تصعيدًا وأشد مباشرة، لافتًا إلى أنه هكذا يتحول الصراع على الزعامة إلى جزء مكوّن من مرحلة الإحماء الانتخابي المبكر.
❖ البعد الشخصي
يركز شقير على عامل آخر يصفه بالمؤثر، وهو “الشخصنة” التي تطبع العلاقة بين عبد الإله بنكيران وعزيز أخنوش، إذ بات هذا البعد يضفي على التنافس السياسي نبرة ذات طابع شخصي تتجاوز حدود الاختلاف الحزبي.
ويرى الباحث في العلوم السياسية، أن بنكيران يعتبر أخنوش طرفًا أساسيًا في إبعاده عن رئاسة الحكومة سنة 2017، وهو ما يشحن خطابه تجاه رئيس الحكومة الحالي ويعطيه طابعًا أقرب إلى تصفية الحسابات السياسية ضمنيًا.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
ويشرح أن هذا العامل الشخصي يساهم في تصعيد الخطاب بين الطرفين، ويُكسِب الجدل بُعدًا وجدانيًا يجعل جزءًا من النقاش العام يدور حول علاقة الرجلين أكثر مما يدور حول القضايا المؤسسية، وهو ما يُحوِّل التنافس من صراع برامج ورؤى إلى مواجهة رمزية ذات طابع شعبي، يجد فيها كل طرف جمهورًا يتفاعل مع لغته ومواقفه.
واستطرد أن تضخم البُعد الشخصي لا يخلو من مخاطر، لكنه يؤثر بشكل طبيعي في بناء الاستراتيجيات الانتخابية، إذ تستثمر الأحزاب عادة الرموز الأكثر شهرة وقدرة على خلق التفاعل.
ولفت إلى أنه بذلك، يصبح بنكيران وأخنوش مركزين يستقطبان حولهما جزءًا كبيرًا من المشهد؛ سواءً باعتبارهما زعيمين سياسيين أو باعتبارهما طرفين في صراع له امتداد تاريخي وارتدادات انتخابية.
❖ ارتفاع الحِدة
يرجح شقير أن حدة الصراع ستزداد كلما اقترب موعد الانتخابات، لأن الأحزاب ستعمل على رفع مستوى التعبئة وتحريك قواعدها بشكل أقوى، مشيرًا إلى أن هذه المواجهة ستتخذ أشكالًا متعددة؛ من الحملات الرقمية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى التصريحات المتبادلة، مرورًا بالأنشطة الحزبية الميدانية والملتقيات الجهوية.
واعتبر الباحث في العلوم السياسية، أن هذا التصعيد جزء طبيعي من المراحل التي تسبق الانتخابات، إذ يسعى كل حزب إلى تثبيت حضوره في الواجهة الإعلامية وتوسيع تأثيره الجماهيري.
النظام الجديد لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة.. هل يحقق العدالة المجالية أم يعيد إنتاج الفوارق؟
وشدد على أن التعبئة الحزبية الداخلية ستمثل محركًا إضافيًا للمواجهة، لأن كل تنظيم سياسي سيحاول إظهار تماسكه وقدرته على حشد مناضليه؛ خاصة في لحظة يتزايد فيها الرهان على الموارد البشرية والتنظيمية.
ولفت إلى أن هذا الإعداد المبكر ليس جديدًا، لكنه يبدو أكثر وضوحًا هذه المرة بسبب طبيعة الصراع السياسي الراهن، مضيفًا أن مشاهد المواجهة ستتسع لتشمل المؤتمرات والتجمعات، وهو ما ينعكس على المشهد العام بتزايد حدة الخطاب وارتفاع منسوب الاستقطاب.
وأبرز أن هذا الوضع القائم اليوم بين “البيجيدي” و”الأحرار” رغم سلبياته المحتملة؛ يظل جزءًا من الدينامية الديمقراطية، طالما لم يتجاوز حدود اللياقة السياسية.
❖ تأثير المشهد
في تقييمه لتأثير هذا الجدل على ثقة المواطنين في المؤسسات، يرى شقير أن النقاش السياسي، مهما بلغ مستواه من السجال، يعد ظاهرة صحية إذا بقي داخل الحدود المقبولة.
واعتبر أن الانتقاد والمساءلة والمواجهة جزء من العملية السياسية، بل إنها تمنح المشهد شيئًا من الحيوية التي يحتاجها، مشيرًا إلى أن المشكلة لا تكمن في السجال ذاته، بل في الخطابات التي قد تتجاوز حدود النقاش السياسي نحو الاتهامات أو الأساليب الشعبوية.
ولفت إلى أن أسلوب عبد الإله بنكيران، المعروف بما يسميه “زلات اللسان” واللغة المباشرة والشعبوية الحادة، قد يجعل بعض لحظات هذا الجدل محط انتقاد، لأنها تمنح المواجهة بعدًا أكثر انفعالًا.
“جيل Z 212”.. هل يسعى الشباب لإعادة رسم خريطة التوازنات الاجتماعية والسياسية؟
ونبه الباحث في العلوم السياسية، إلى أن هذا الأسلوب هو ما قد يعطي الانطباع بوجود مشاهد سلبية داخل الخطاب السياسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعًا في الثقة العامة.
وشدد المتحدث ذاته، على أن استمرار المواجهة بين الأحزاب لا يشكل تهديدًا للمشهد الحزبي، بل يعكس التفاعل الطبيعي في مرحلة تسبق لحظة انتخابية مهمة.
ويبقى التحدي وفق شقير؛ في ضمان أن يبقى السجال ضمن حدود المسؤولية التي تسمح بإغناء الحياة السياسية بدل الإضرار بها؛ خاصة في سياق تعددي ينتظر توازنات جديدة مع اقتراب انتخابات 2026.

