في سياق إقليمي يتسم بتصاعد منسوب التوتر وتبدل معادلات القوة في شمال إفريقيا، يسلط مركز “تحليل الأمن الإفريقي” السويدي (African Security Analysis – ASA) الضوء على مراجعة استراتيجية يجريها المغرب بشأن تحديث سلاح المدرعات وتنويع شركائه في هذا المجال، بوصفه ركيزة أساسية لتعزيز الردع وحماية الجاهزية القتالية على المدى المتوسط والبعيد.
والتقرير لا يتحدث عن صفقة موقعة أو جدول تسليم معلن، بقدر ما يرصد مسار تقييم تقني وصناعي واستراتيجي قد يقود إن نضج؛ إلى واحدة من أوسع عمليات تحديث الدروع في القارة خلال السنوات الأخيرة.
ويضع التقرير هذه المراجعة في إطار أوسع من التحولات الإقليمية، حيث تظل الجزائر نقطة الارتكاز الرئيسية في الحسابات الدفاعية للمملكة، إلى جانب تحديات سلاسل التوريد العالمية بعد 2022، وتزايد كلفة صيانة الأساطيل القديمة، وتنامي الحاجة إلى مرونة أكبر في الشراكات الدفاعية.
وبينما يبرز اسم الدبابة الكورية الجنوبية “K2 بلاك بانثر” كخيار محتمل، يؤكد خبراء “ASA” أن ما يجري يتجاوز مجرد مقارنة مواصفات تقنية، ليصل إلى اختبار نماذج استدامة، ونقل معرفة، وقدرة على الحفاظ على الجاهزية في بيئة مناخية وتشغيلية معقدة.
❖ مراجعة استراتيجية
يشير التقرير إلى أن المغرب يقيم إمكانية اقتناء ما يصل إلى نحو 400 دبابة “K2” من كوريا الجنوبية، في خطوة قد تمثل تحولا بنيويا في هيكلة سلاح المدرعات، لا مجرد تحديث هامشي.
وحتى الآن، لا يتجاوز الأمر مرحلة الدراسة والجدوى، دون أي التزام تعاقدي رسمي، وغير أن حجم الأرقام المتداولة يعكس وفق “ASA” تفكيرًا في إعادة تشكيل “الكتلة الصلبة” للقوة البرية المغربية، بما يسمح بالتخلص التدريجي من منصات تعود إلى حقبة الحرب الباردة، وتوحيد جزء أكبر من الأسطول حول منظومات حديثة قابلة للتطوير.
ويعتبر المركز أن مجرد فتح هذا الملف يرسل إشارة سياسية وعسكرية مزدوجة؛ داخليًا يعكس رغبة في الحفاظ على تفوق نوعي وجاهزية مستدامة؛ وخارجيًا يعزز صورة المغرب كفاعل يسعى إلى تنويع مصادره وعدم الارتهان لمسار توريد واحد في سوق دفاعية عالمية تشهد تنافسًا وضغوطًا متزايدة.
ASA Situation Report™ ???????? Morocco reviews South Korea’s K2 Black Panther tank as part of a broader armoured modernization study. No contract yet – but evaluating up to 400 units would signal supplier diversification, legacy fleet retirement, and calibrated deterrence amid… pic.twitter.com/5BH9G7Jfo3
— African Security Analysis (@ASA_Today) February 1, 2026
❖ مسار الاهتمام
برز الاهتمام المغربي بالمنظومات الكورية الجنوبية إلى العلن خلال زيارة رسمية إلى سيول في أبريل 2025 لوزير الصناعة والتجارة رياض مزور، حيث شملت المحادثات، بحسب تقارير، الدبابات ومنظومات الدفاع الجوي KM-SAM (تشونغونغ)، والمدفعية الذاتية الحركة K9، إضافة إلى منصات بحرية.
وهذا التوسع في النقاشات يعكس، وفق “ASA” مقاربة متعددة المجالات للتحديث العسكري، لا تقتصر على سلاح بعينه، بل تستهدف تكامل البر والجو والبحر في إطار واحد.
ومنذ ذلك الحين، يركز المخططون المغاربة على تقييمات تتعلق بالتكامل التقني، والملاءمة المناخية، وسلاسة الصيانة، وموثوقية المورد على مدى عقود، بدل الاكتفاء بمقارنات أداء قصيرة المدى. فنجاح أي برنامج مدرعات، كما يؤكد التقرير، يقاس بقدرته على الاستمرار، لا فقط بقدراته في يوم التسليم.
❖ أسطول متنوع
يمتلك المغرب بالفعل قوة مدرعات معتبرة ترتكز على دبابات “أبرامز” الأمريكية من طراز “M1A1″، إلى جانب مزيج من دبابات باتون الأمريكية الأقدم (M60/M48)، وأعداد محدودة من منصات ذات أصل سوفييتي/روسي مثل T-72، فضلا عن أنظمة صينية المصدر وفق بعض التقديرات.
وهذا التنوع، رغم ما يوفره من مرونة، يفرض أعباء لوجستية كبيرة، وتجزئة في التدريب، وتفاوتًا في مستويات الجاهزية.
ويرى “ASA” أن الضغوط العالمية على خطوط إنتاج المنصات الغربية الثقيلة منذ 2022، إلى جانب المنافسة على الأولويات الاستراتيجية، جعلت من الصعب الاعتماد على مسار توريد واحد لتوسيع الأساطيل بسرعة.
ومن هنا، لا تُقرأ “K2” كبديل مباشر لـ”أبرامز”، بل كأداة محتملة لإعادة هيكلة الأسطول، وتقليص الاعتماد على منصات متقادمة، وتبسيط مزيج الدروع.
❖ مميزات تقنية
تلفت الدبابة “K2” الأنظار بعدد من الخصائص التي قد تتلاءم مع متطلبات المغرب التشغيلية والتنظيمية، فهي تعتمد على ملقم آلي يسمح بطاقم من ثلاثة أفراد، ما يقلل من متطلبات الموارد البشرية ويسرع دورات التدريب.
وكما تحمل مدفعًا أملس عيار 120 ملم من فئة L/55 مع أنظمة سيطرة نارية متقدمة وقدرة “الصياد القاتل”، إضافة إلى حزم حماية مركبة وخيارات تكييف للتصدير.
وأما على مستوى الحركة، فتستفيد من مجموعة دفع بقدرة تقارب 1500 حصان، تمنحها سرعة وقدرة على المناورة في تضاريس متنوعة، من السهول الساحلية إلى المناطق شبه الصحراوية.
وغير أن التقرير يشدد على أن الاهتمام المغربي لا ينحصر في الأداء الصافي، بل يمتد إلى سهولة التهيئة، وإمكانية التخصيص، وقابلية الاقتناء بأعداد ذات دلالة استراتيجية.
❖ تنويع الموردين
يضع “ASA” هذا التوجه في سياق بيئة دفاعية عالمية ما بعد 2022، حيث باتت سلاسل التوريد عرضة للضغط، وتتعقد قرارات التصدير بعوامل سياسية واستراتيجية.
وفي هذا الإطار، تبرز كوريا الجنوبية كمورد قادر على تقديم أنظمة حديثة بمعدلات إنتاج مرتفعة، مع استعداد لتوفير حزم تدريب وصيانة ودعم مخصصة.
ويشير التقرير إلى أن المغرب يقيم ما إذا كانت هذه الحزم يمكن أن تقلص مخاطر الجاهزية طويلة الأمد عبر خطوط إمداد واضحة لقطع الغيار، ومنظومات تدريب متكاملة، وقدرة على الصيانة في ظروف شمال إفريقيا المناخية.
وحتى الآن، لم يعلن عن أي ترتيبات تعويض صناعي أو توطين، لكن هذا البعد يظل حاضرًا في حسابات صناع القرار.
❖ معادلة الردع
في خلفية هذه المراجعة، تبرز المنافسة التاريخية بين المغرب والجزائر، مع استمرار إغلاق الحدود البرية منذ 1994 وقطع العلاقات الدبلوماسية في 2021، وبقاء ملف الصحراء محورًا للتخطيط الأمني.
وبينما تستثمر الجزائر بكثافة في تحديث سلاح الجو، ويواصل المغرب تطوير منظومة F-16 والبحث في قدرات متقدمة، يرى “ASA” أن القوة البرية تظل عنصرًا حاسمًا في معادلة الردع والاستقرار خلال الأزمات.
ويؤكد خبراء المركز أن اقتناءًا محتملاً بهذا الحجم لا يعني بالضرورة نية مواجهة وشيكة، بل يهدف إلى سد فجوات الإدراك، وإرسال رسالة مفادها أن المغرب قادر على توليد كتلة برية فعالة إذا تطلبت الظروف ذلك.
❖ شراكة أوسع
لا تقف المحادثات المغربية الكورية عند حدود الدبابات، فالتقرير يبرز تنامي الروابط الاقتصادية والصناعية بين الشركات الكورية والمؤسسات المغربية، وهو عامل قد يسهم في تهيئة بيئة مواتية لشراكات دفاعية طويلة الأمد.
ووجود عقود مدنية وصناعية كبرى بحسب” ASA”، يعزز الثقة السياسية ويخفف من الاحتكاكات المحتملة في الصفقات العسكرية المعقدة.
❖ قراءة “ASA”
من منظور خبراء “تحليل الأمن الإفريقي”، تُقرأ مراجعة “K2” باعتبارها تمرينًا في إدارة المخاطر وبناء النفوذ التفاوضي، أكثر من كونها اندفاعًا نحو شراء فوري.
وهي تعكس ثلاث أولويات متقاطعة؛ الحفاظ على الكتلة المدرعة مع تحديثها، وتنويع الموردين في سوق تنافسية، وإرسال إشارات ردع في بيئة إقليمية حساسة.
ويشدد التقرير على أن العامل الحاسم ليس تفوق دبابة على أخرى في المواصفات، بل بنية الاستدامة الصناعية؛ من مسارات التدريب، ومرونة قطع الغيار، وصيانة ملائمة للمناخ، والحماية من صدمات التصدير.
وفي هذا السياق، تنظر المغرب إلى كوريا الجنوبية كمورد متوسط القوة يتمتع بسجل في التسليم القابل للتوسع ونماذج دعم مخصصة.
وسواء انتهت هذه المراجعة بتوقيع عقد أم لا، يرى “ASA” أن المغرب يبعث برسالة واضحة؛ مفادها أن الاستعداد والمرونة والاستقلالية النسبية في القرار الدفاعي، أصبحت عناصر مركزية في استراتيجيته.
وبين رهانات الردع الإقليمي، وتقلبات السوق العالمية، وتحديات الاستدامة، تبدو الدبابة الكورية “K2” رمزًا لمسار أوسع نحو بناء قوة برية حديثة، قادرة على الحفاظ على مصداقيتها العملياتية في عالم سريع التغير.

