يدخل المغرب مرحلة حاسمة في تعزيز قدراته الدفاعية البحرية، مع اقتراب اتخاذ قرار بشأن اقتناء غواصتين عسكريتين، وسط منافسة أوروبية شرسة بين فرنسا التي تقدم “سكوربين” (Scorpène)، وألمانيا من خلال طرح “دولفين” (Dolphin)؛ من أجل نيل هذه الصفقة العسكرية، كما توضع على طاولة الرباط عروض أخرى من دول مثل روسيا والبرتغال واليونان.
وهذا التحرك يعكس طموح الرباط في تحديث ترسانتها البحرية، في ظل موقعها الجيواستراتيجي على واجهتين بحريتين تمتدان لأكثر من 3500 كيلومتر، إلى جانب التنافس الإقليمي المتزايد مع الجزائر، التي تمتلك أسطولًا من الغواصات الروسية، البالغ عددها ثمانية (8)، وهو ما يثير التساؤلات حول إن كان هذا التوجه تحولًا في العقيدة العسكرية المغربية، وعن العوامل الحاسمة في اختيار الرباط لنوعية الغواصات.
منافسة محتدمة بين فرنسا وألمانيا لتزويد المغرب بغواصتين عسكريتين
♦ المعروض على الرباط والغواصات الجزائرية
تسعى البحرية المغربية جاهدة لتعزيز قدراتها من خلال اقتناء غواصتين عسكريتين، مما أشعل منافسة حامية بين كبرى الشركات الأوروبية لتصنيع السفن، حيث تبرز في صدارة هذه المنافسة مجموعة “نافال غروب” (Naval Group) الفرنسية وشركة “تيسن كروب مارين سيستمز” (TKMS) الألمانية، حيث تقدم كل منهما تصاميم غواصات متطورة للفوز بعقد هام مع الرباط، وفق ما أورده موقع “ميليتاري أفريكا” (Military Africa) المتخصص في الشؤون العسكرية بإفريقيا.
وتراهن “نافال غروب” الفرنسية على غواصتين من طراز “سكوربين”، التي توصف بأنها شبه خفية ومستقلة تمامًا، مع تصميم مرن يلبي احتياجات البحرية المغربية، إذ تتميز كلتا الغواصتين بقدرتهما على دمج أحدث التقنيات مثل بطاريات الليثيوم-أيون التي تعزز مدة بقائها تحت الماء، إضافة إلى نظام قتالي فرنسي مدمج ونظام تحكم مركزي آلي يضمن أمان الغوص بطاقم صغير، مما يجعلها مثالية للمياه الساحلية.
وتعزز “نافال غروب” عرضها بمساعيها لإدارة حوض بناء سفن جديد في الدار البيضاء، مستندة إلى علاقتها الوثيقة مع القوات المسلحة الملكية منذ 2021، والتي توجت بتسليم فرقاطة متعددة المهام في 2014.
وفي المقابل، تقدم “تيسين كروب مارين سيستمز” (ThyssenKrupp Marine Systems – TKMS) الألمانية غواصة “دولفين AIP” ونظيرتها من طراز “209/1400mod”، وكلاهما يتميزان بالكفاءة الهندسية العالية.
وتتميز “دولفين” بنظام خلايا وقود يطيل مدة الغوص، ونظام قتالي متطور، وقدرة على إطلاق الطوربيدات والصواريخ والألغام، فيما يبقى طراز “209/1400mod” خيارًا موثوقًا رغم قِدم تصميمه، حيث تسعى برلين من خلال هذا العرض إلى تعزيز حظوظها في المنافسة.
ولم تقتصر خيارات المغرب على فرنسا وألمانيا، إذ اطلع على عروض من روسيا (غواصة “آمور 1650”) واليونان والبرتغال (غواصات مستعملة).
ويأتي هذا الطموح في سياق التنافس الإقليمي مع الجزائر، التي تمتلك 8 غواصات روسية من طراز “كيلو” القديم، بما في ذلك غواصات “877EKM” و”كيلو 636″ المزودة بصواريخ “كلوب-إس” المضادة للسفن، والقادرة على إعادة تحميل الطوربيدات في 15 ثانية فقط، وفقًا لما أورده موقع “ميليتاري أفريكا”.
♦ المغرب وسلاح الغواصات
اعتبر حسن سعود، الخبير الإستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، والباحث في المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية، أن اهتمام المغربي للحصول على هذا النوع من السلاح؛ مرده إلى حرصه على تعزيز ترسانته وتنويعها بما يتناسب وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة المملكة، والاستعداد لأي طارئ أو تهديد قد يلوح في الأفق.
وقال سعود في تصريح لجريدة “شفاف”، إن المغرب لا يسعى من خلال الحصول على سلاح الغواصات المتطورة، سواءً كانت “سكوربين” الفرنسية أو “دولفين” الألمانية؛ إلى الدخول في حرب مع أي طرف، بل يؤكد ذلك على توجه المملكة بالاستمرار في تطوير سلاحها وحماية مصالحها، ويعكس رغبتها في تعزيز أمنها البحري وإمكانياتها العسكرية كقوة إقليمية رائدة.
وأردف أن توفر المغرب على واجهتين بحريتين شاسعتين من ناحية المساحة؛ ألا وهما البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، ووجوده في موقع استراتيجي يطل على مضيق جبل طارق، وكذا إشرافه على مشاريع مهمة، كالمبادرة الملكية الأطلسية، وأنبوب الغاز بين الرباط وأبوجا (عاصمة نيجيريا)، تفرض عليه امتلاك هذا النوع من السلاح لحماية مصالحه البحرية الحيوية.
ولفت الخبير الإستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، إلى أن الدور الرئيسي لهذا السلاح البحري بالنسبة للمغرب، سيتمثل في شيئين رئيسيين؛ وهما القيام بأدوار استخباراتية ومراقباتية، والعمل على الحماية المسبقة والتصدي لأي تهديد مرتقب لمصالح البلاد على مستوى حدودها البحرية.
وذكر أنه في ظل التوازنات الإقليمية المتغيرة، يسعى المغرب إلى تعزيز قدراته البحرية عبر اقتناء غواصات عسكرية متطورة، وهو توجه استراتيجي يعكس حرص المملكة على تأمين سواحلها التي تمتد على أكثر من 3.500 كيلومتر بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
وأكد على أن اقتناء المغرب لغواصات عسكرية ليس مجرد استثمار في العتاد، بل هو جزء من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى ضمان التوازن العسكري في المنطقة، وتأمين المصالح الوطنية، وتعزيز مكانة المغرب كقوة بحرية إقليمية.
♦ الاختيار الأفضل ومستقبل الصناعة
يشير حسن سعود إلى أن استراتيجية المغرب مبنية على تنويع مصادر التسليح، مبرزا أن المملكة تتعامل مع دول مثل فرنسا وألمانيا لتجنب الاحتكار وضمان الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة، مبرزا أنه في صفقاته العسكرية يركز كثيرا على الجودة والكفاءة على غرار الدول الكبرى.
وأوضح أن الغواصات أداة حاسمة للحفاظ على الأمن البحري والسيادة على الوحدات البحرية، مشيرًا إلى أن المغرب يربط صفقاته العسكرية بتطوير الصناعات المحلية، لافتا إلى أن التوجه الاستراتيجي المغربي يهدف إلى الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية البحرية وغيرها.
وذكر أن الرباط تسعى أولا لتلبية احتياجات الوحدات البحرية الوطنية، ثم لاحقًا التصدير إلى العمق الإفريقي، مبرزا أنها كقوة إقليمية، تسعى لبناء منظومة صناعية دفاعية تعتمد على نقل التكنولوجيا واستقطاب الشركات الكبرى للاستثمار في مجال التصنيع العسكري، وذلك بالتعاون مع شركاء مثل فرنسا والبرازيل وبلدان أوروبا وأمريكا.
وأردف أن هذا التوجه خطوة نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات الدفاعية، حيث يهدف المغرب إلى تطوير قدراته الإنتاجية، ليس فقط لتلبية احتياجاته الوطنية، ولكن أيضًا لخلق فرص لتصدير العتاد العسكري نحو الأسواق الإفريقية، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي.
وأكد الباحث في المعهد الملكي للدراسات الإستراتيجية، على أنه مع استمرار تطورات المشهد الأمني الإقليمي، يظل المغرب حريصًا على اتخاذ قراراته وفق نهج يعتمد على الجودة والكفاءة، وليس فقط على العدد، لضمان فعالية قواته المسلحة في أي سيناريو مستقبلي.
وأبرز أن المملكة لا تمتلك حاليًا أي غواصات، في حين أن الجزائر، -الجارة الشرقية-، تمتلك ثماني غواصات روسية قديمة الطراز، موضحا أنه رغم أن هذه الغواصات تمثل قوة بحرية مُعتبرة، إلا أن التكنولوجيا العسكرية في تطور مستمر، وهو ما دفع المغرب لاختيار الجودة والكفاءة على حساب العدد في عملية تسليحه البحري.
ورجح الخبير الإستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، أن يميل المغرب إلى الخيار الفرنسي في اختيار نوع الغواصة التي تلائمه؛ نظرًا للعلاقات التاريخية بين البلدين، والخبرة البحرية الواسعة لفرنسا، التي تمتلك حضورًا قويًا في البحار والمحيطات، مشددا على أن التعاون الدبلوماسي والعسكري بين البلدين يجعل من الشراكة خيارًا استراتيجيًا للرباط.
وزاد قائلا إن الاختيار الفرنسي قد يكون الأكثر ملاءمة نظرًا لتجربة باريس البحرية الواسعة كدولة تمتلك سواحل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من خلال مستعمراتها وقواعدها التي لا تزال في قارتي أمريكا وإفريقيا، فضلاً عن كونها قوة نووية تتمتع بتاريخ طويل في الصناعات البحرية العسكرية.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
واستطرد الخبير الإستراتيجي في الأمن والدفاع العسكري، أنه إضافة لما سبق، فسيكون للعلاقات الدبلوماسية المتميزة بين الرباط وباريس دور رئيسي في اختيار الأخيرة لنيل هذه الصفقة، مبرزا أن العرض الألماني يتميز أيضًا بكفاءة تكنولوجية عالية، لكن فرنسا تتفوق بامتيازها البحري والاستراتيجي.
وشدد على أن المغرب يختار الجودة وليس الكمية، لأن الجودة هي التي تحقق الأداء والكفاءة، لافتا إلى أن الهدف هو تعزيز القدرات وليس إشعال الحروب، بل الحفاظ على التوازن والاستعداد لحماية المصالح الوطنية في ظل موقع جيواستراتيجي يتطلب قوة بحرية حديثة ومؤهلة.

