في مشهد سيبقى محفورا في ذاكرة الجامعات المغربية، شهدت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين الشق في الدار البيضاء، يوم السبت الماضي، حدثا استثنائيا في مناقشات رسائل الماستر .
فقد ارتقى الطالب الباحث مصطفى جوال، بسلك ماستر القانون الدولي والترافع الدبلوماسي، إلى منصة المناقشة ليقدم رسالة تخرجه، بالجلباب المغربي الأصيل والطربوش الفاسي الأنيق ،هذا الاختيار المفعم بالرمزية شكل سابقة ، أثارت إعجاب ودهشة الحضور، مقدما درسا بليغا في الاعتزاز بالهوية الوطنية.
مشهد ينطق بالشموخ والاعتزاز
بخطوات واثقة، امتزج فيها رصانة الباحث بشموخ الهوية، تقدم مصطفى جوال أمام لجنة المناقشة، حاملا بين طيات رسالته العلمية موضوعا جوهريا هو “مبدأ العقد شريعة المتعاقدين – Pacta Sunt Servanda – في القانون الدولي” لكن ما لفت الأنظار وأسر القلوب كان إطلالته البهية ، فقد ارتدى الطالب جلبابا مغربيا يفوح منه عبق الأصالة، وتوج رأسه بالطربوش الفاسي الذي يرمز إلى عراقة التراث المغربي.
هذا المشهد لم يكن مجرد لفتة عابرة، بل كان بيانا بصريا قويا يؤكد أن الأصالة والتراث يمكن أن يتربعا على عرش الفضاءات الأكاديمية الحديثة، ويضيفا إليها رونقا خاصا من الاعتزاز بالهوية والموروث الثقافي .
ومضة فكر من أستاذ ملهم ومهندس ماستر مبدع
لم تكن هذه الفكرة وليدة الصدفة بل جاءت نتيجة رؤية عميقة و خلاقة من الأستاذ المشرف محمد بودن و تشجيع و تحفيز من منسق الماستر الدكتور عز الدين خمريش ، فقد كشف الطالب مصطفى جوال لجريدة “شفاف” أن الأستاذ بودن، الضليع في الجوانب المتعلقة البروتوكول والإتيكيت والتي يدرسها ضمن وحدة القانون الدبلوماسي والقنصلي، هو من ألهمه هذه المبادرة الفريدة.
ويروي الطالب جوال كيف أن الأستاذ المشرف أكد له أن لا شيء يحول دون التعبير عن الفخر والاعتزاز باللباس التقليدي المغربي خلال المناقشات ، بل على العكس، فهو يضيف قيمة ويؤكد على فخر الانتماء وهذا مايحرص منسق ماستر القانون الدولي والترافع الدبلوماسي الدكتور عز الدين خمريش أيضا على تلقينه للطلبة وهو الذي افتتح مناقشات رسائل الماستر خلال الجمعة الماضية مرتديا نفس الزي التقليدي .

استلهام ملكي يرسخ قيمة التراث
ولتعزيز هذه الرؤية، استلهم الطالب إطلالته من السدة العالية بالله صاحب الجلالة الملك محمد السادس فجلالته يحرص في جل المناسبات الرسمية والدينية، على الظهور بالجلباب المغربي، في دلالة واضحة على سمو هذا الزي وقيمته الرمزية.
واستشهد الطالب بالزيارات المتكررة لصاحب الجلالة لدول أفريقية مختلفة، منذ توليه العرش عام 1999 حيث لم يظهر جلالته في معظم تنقلاته لهذه الدول ببدلة عصرية، بل ظل محافظا على الزي التقليدي وهذا التأسي بالقيادة الملكية يرسخ القناعة بأن الزي التقليدي ليس مجرد لباس، بل هو رمز للهوية، لا يقلل من هيبة المناسبة، بل يضفي عليها مزيدا من الشموخ والعراقة.

تجسيد لروح الجامعة المغربية عبر الأجيال
من جانبه أكد الدكتور محمد بودن المشرف على الرسالة أن هذا الحدث يتجاوز مجرد كونه مناقشة لرسالة ماستر، ليصبح رسالة ثقافية وأكاديمية متكاملة ويشكل فخرا لماستر القانون الدولي والترافع الدبلوماسي .
وبحسب الأستاذ بكلية الحسن الثاني بالدار البيضاء فإن اللحظة لاتخلو من دلالات رمزية حيث أن اللباس يمثل إحدى معالم الهوية و الحضارة في مقدمة ابن خلدون كما أن الزي التقليدي يعتبر إحدى تجليات القوة الناعمة للمملكة المغربية و يشكل الصورة الذهنية حول المغربي.
ويضيف بودن أن الزي التقليدي المغربي هو لباس متعدد الأبعاد من البعد الروحي إلى البعد الدبلوماسي و الرسمي مرورا بالبعدين الثقافي و التراثي.
ويشير رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية أن الزي التقليدي المغربي كان جزءا أصيلا من المشهد الجامعي المغربي منذ تأسيس جامعة محمد الخامس سنة 1957، ليمثل بذلك رابطا حيا بين أصالة الماضي وراهنية الحاضر.
واختتم بودن بالتأكيد على أن هذه المبادرة الجريئة تعيد إحياء هذا الرابط، وتؤكد أن الجامعات المغربية، وهي تنفتح على آفاق العلم والمعرفة الحديثة، تظل وفية لجذورها وهويتها الثقافية وتؤكد على أن التطور لا يعني الانفصال عن الذات، بل هو تكامل بين الأصالة والمعاصرة، وبين العلم والتراث.

