جددت زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، اليوم الأربعاء إلى الرباط، الحديث عن عمق وتطور العلاقات بين مدريد والرباط، ومستقبل هذه الصداقة والشراكة بين البلدين الجارين، لاسيما مع انطلاقة عديد المشاريع والبرامج المحددة في خارطة الطريق التي جرى توقيعها بين البلدين في 2022، إضافة لاستعدادهما للتنظيم المشترك برفقة البرتغال لكأس العالم 2030.
وتأتي هذه الخطوة في سياق شهد إلغاء وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس لزيارته إلى الجزائر الأسبوع الماضي في اللحظات الأخيرة، بسبب فشل الجزائر في إقناعه إعلان موقف صريح مخالف لموقف مدريد الحالي الذي يدعم سيادة المغرب على صحرائه عبر مقترح الحكم الذاتي.
♦ الاهتمام الإسباني بإفريقيا يعزز العلاقات بين مدريد والرباط
أبرز عبد الفتاح الفاتيحي، الخبير والمحلل السياسي، ومدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، في تصريح لجريدة “شفاف” أنه أصبح لدى إسبانيا خلال السنوات الاخيرة اهتمام متزايد بالقارة الإفريقية، مشيرا إلى أن سانشيز قبل حلوله اليوم بالرباط، زار مرفوقا برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في 8 فبراير الجاري دولة موريتانيا.
وقال الفاتيحي إن هذه الزيارة تأتي في سياق انعقاد القمة الأخيرة للاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتي تبين فيها أن رؤية المملكة المغربية كانت استراتيجية بعد تحيكم المعادلة الثلاثية بهذه المنظمة، والمتمثلة في السلم والأمن والتنمية خلافا لما كان يخوض فيه الاتحاد من إشكاليات سياسية تتعلق بالنزاعات الحدودية وغيرها.
وأبرز أن طرح مثل تلك المشكلات السياسية كانت تخلق حزازات بين الدول الأعضاء بالاتحاد الإفريقي، حيث كان يشكل ذلك تدخل سافرا في الشؤون الداخلية لبلدان القارة، مبرزا أنه بعد عودة المملكة المغربية لهذه المنظمة بات التركيز فيها ينجلي على الجوانب التنموية والاقتصادية والاستثمارية، وهو ما يتزامن مع المشاريع الجيوستراتيجية التي طرحتها الرباط خلال المرحلة الأخيرة.
وأضاف أنه مع طرح المغرب للمبادرة الملكية لتنمية الواجهة الأطلسية للقارة الإفريقية، يظهر جليا أن التحالف الرائد في هذه المبادرة هما القطب المشكل من الرباط ونواكشوط، لما لهما من إمكانيات على مستوى البنية التحتية البحرية، والتي يكمن جزء أساسي منها في كونها آلية للربط القاري وتمكين دول الساحل من تعزيز العملية التجارية عبر تسهيل ولوجها للمحيط الأطلسي.
وأوضح مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن إسبانيا اليوم في إطار تعزيز نفوذها الاقتصادي والتنموي داخل القارة الإفريقية، فهي تريد الاعتماد في ذلك على شريكين أساسيين، اللذين هما المملكة المغربية وموريتانيا أملا في الوصول لمنطقة غرب إفريقيا وباقي بلدان القارة، مع مرور الوقت.
♦ سياقات زيارة سانشيز إلى المغرب
يرى الفاتيحي أنه على المستوى الثنائي بين مدريد والرباط، فإن الأمر يرتبط بسياقين، أولاهما عودة الأسباب المؤدية إلى ارتفاع وتيرة الهجرة السرية عبر قوارب الموت، انطلاقا من السواحل الإفريقية تجاه المناطق الإسبانية، لافتا إلى أن مواجهة ذلك يتطلب تعاونا عاليا بين البلدين.
واشار الخبير والمحلل السياسي إلى أن حلول سانشيز بالمملكة اليوم الأربعاء، سبقته زيارة لوزير داخليته فرناندو غراندي مارلاسكا في يناير الماضي حيث ناقش مع نظيره المغربي عبد الوافي لفتيت موضوع الهجرة غير النظامية وكذا الترتيبات الأمنية المتعلقة بذلك.
وتابع مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أن الجانب الأمني في اجتماعات المسؤولين بالبلدين حاضرة وبقوة دائما؛ خاصة على مستوى مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة السرية والاتجار في البشر، وغيرها من القضايا والمواضيع المرتبطة بالأمن المشترك للرباط ومدريد.
واعتبر أن زيارة سانشيز تأتي أيضا في إطار مجموعة من المشاريع المشتركة بين مدريد والرباط، مثلما هو الأمر مع تنظيم كأس العالم 2030، وكذا تنفيذ البرامج الثنائية المرتبطة بحل مشكلة المعابر الحدودية في كل من سبتة ومليلية التي تحتاج عديد المناقشات بين الجانبين، إلى جانب القضايا الحدودية البحرية المهمة.
وواصل أنه منذ زيارة سانشيز الأولى بعد طي صفحة الخلاف بين البلدين، بات أمرًا ضروريا القيام بمثل هذه الزيارات بشكل سنوي لتقييم مدى تطور تنفيذ أشغال خارطة الطريق الموقعة في 7 أبريل 2022 بين الجانبين، والتي جاءت عقب حل الأزمة الدبلوماسية بين مدريد والرباط، مشددًا على أن هذه الزيارة تشكل تقييما لمستوى تطور العلاقات بين المغرب وإسبانيا.
♦ دلالات حضور ألباريس للمغرب بعد إلغاء زيارته للجزائر
يوضح الفاتيحي أن مشاركة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس ضمن الوفد الذي يقوده سانشيز في زيارته للمغرب، بعدما ألغى الأول زيارته الأسبوع الماضي للجزائر بسبب ما أشير له بأنه رفض مدريد تراجع عن مواقفها بخصوص قضية الصحراء المغربية وغيرها من الأمور المرتبطة بالمملكة، يعد تعقيبا من إسبانيا تبرز من خلاله الفرق بين الدول التي لها مصداقية وتلك التي تفتقد لهذه الأخيرة.
وأردف أن لإسبانيا تقييمات إيجابية وجيدة تجاه المغرب، ما يجعلها حاليا ترفض أي ضغوطات لتعديل موقفها بخصوص دعم المقترح المغربي للحكم الذاتي، مبرزا أن مدريد تؤمن اليوم بأن التوجه دائما يجب أن يكون نحو المستقبل، وبأن حيثيات تفعيل خارطة الطريق في كافة المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجب أن تستمر مع الدولة الجاهزة لقناعات جديدة أكثر براغماتية ولها تفهم للتحديات المطروحة في الفضائين الإقليمي والدولي.
الحسيني: النظام الجزائري يحاول ليّ ذراع إسبانيا ومدريد أقرب للمغرب من أي وقت مضى
ولفت إلى أن التقييم الذي قامت به إسبانيا؛ أوصلها لقناعة أن المملكة المغربية حليف استراتيجي وضروري ولا محيد عنه، وأن له أولوية كبيرة، مبرزا أن عمق العلاقات التي تأسست وفقه العلاقة المغربية الإسبانية يجعل مدريد لا تقبل بتأجيل خططها الاستراتيجية مع الرباط، لافتا إلى أن خيار تطوير وتعزيز الشراكة بين الجانبين لن يخضع لأي عرض آخر غير جاهز أو غير ناضج.
وأشار إلى أن إشادة سانشيز عقب لقائه رئيس الحكومة أخنوش بنموذج الجوار البناء بين إسبانيا والمغرب، المبني على الثقة والاحترام المتبادل، يعد رسالة مباشرة إلى الجهة التي تنتظر أن يكون هناك تعديل أو انعطاف في المواقف الإسبانية التي تم التأكيد عليها بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكة، حيث شددت مدريد في أكثر من مناسبة عن دعمها التام لمقترح الحكم الذاتي كحل للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

