في سياق الزخم المتواصل الذي يشهده ملف الصحراء المغربية، وما رافقه من دعم دولي متصاعد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تبرز زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية، إلى المغرب والجزائر، كمحطة دبلوماسية تحمل أبعادًا حساسة في لحظة إقليمية دقيقة، إذ إن الزيارة تأتي مباشرة بعد تجديد واشنطن اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه، وتشديدها على أن لا حل خارج إطار الحكم الذاتي، في وقت يشهد فيه الملف تحولات لافتة، سواء على مستوى مواقف الدول أو على صعيد موازين القوى داخل الأمم المتحدة.
غير أن التصريحات الصادرة عن بولس، والتي تحدث فيها عن ضرورة “حلّ توافقي يرضي الطرفين”، تثير تساؤلات حول طبيعة الدور الأمريكي في المرحلة المقبلة، ومدى انسجامه مع الالتزامات المُعلنة، ما يثير تساؤلات حول إن كان يتعلق الأمر بمسعى صادق لتقريب وجهات النظر، أم بمحاولة لإعادة إنتاج مواقف متذبذبة لطالما استغلتها الجزائر في كسب الوقت وتوظيفها دبلوماسيًا، وعما إن كانت تندرج هذه الزيارة ضمن استراتيجية أمريكية أوسع للحد من النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، أم أنها تأتي فقط لتعديل كفة التوازن أمام ضغوط لوبيات مدفوعة بـ”البترودولار الجزائري”، وكما أنه في ظل التقدم المتسارع في ملف الصحراء لصالح الرباط، لا يعرف إذا ما كانت ستنجح هذه المبادرة الدبلوماسية في طي الملف، أم تعيد تدويره داخل دوائر التأجيل والتردد.
مغربية الصحراء تحت المجهر الأمريكي مجددًا.. هل آن أوان الحسم عبر بوابة مجلس الأمن؟
♦ رسائل متعددة الأبعاد
اعتبر بوبكر أنغير، الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن زيارة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى كل من الجزائر والمغرب، تحمل دلالات عميقة تتجاوز الأبعاد البروتوكولية.
وأبرز أنغير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه الخطوة تعكس حرص الإدارة الأمريكية الحالية على إحياء مسار تفاوضي بين الرباط والجزائر حول قضية الصحراء المغربية، دون الإضرار بمصالح المغرب أو المساس بمقترحه القائم على الحكم الذاتي.
وزاد قائلا إن واشنطن ترغب في التوفيق بين تقوية الشراكة الاستراتيجية مع المغرب، بوصفه حليفًا موثوقًا عبر التاريخ في ملفات أمنية حساسة كالتطبيع ومكافحة الإرهاب، وبين الاستفادة من “الفرص الاقتصادية” التي يطرحها النظام الجزائري، خصوصًا من حيث ضخ أموال طائلة في لوبيات أميركية متصلة بقطاعات عسكرية واقتصادية ضخمة.
ولفت الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، إلى أن هذا التوازن الأمريكي الدقيق لا يغيّر من جوهر الموقف الأميركي الثابت، الذي لا يزال يدعم الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي للنزاع المفتعل في الصحراء.
♦ توازن حذر للمصالح
يشير أنغير أن السلوك الأمريكي الجديد في المنطقة يظهر أنه يتسم ببراغماتية لافتة، حيث إن الولايات المتحدة، التي تعرف تمامًا الوزن الجيوستراتيجي للمغرب، تراهن على دوره في نشر التعايش ومحاربة التطرف، كما تعتبره عنصر توازن إقليمي في شمال إفريقيا.
واستطرد أنه في الوقت نفسه، فإن الجزائر المتوجسة من عزلتها الدولية، تقدم عروضًا اقتصادية مغرية للإدارة الأمريكية، في محاولة للانحناء أمام العاصفة وتفادي أي عقوبات قد تطالها بسبب دعمها المباشر لجبهة “البوليساريو” واحتضانها لجماعات “فاغنر” الموالية لروسيا.
وشدد على أن واشنطن تدير علاقاتها مع الطرفين بمنطق المصلحة لا المبادئ، وهي تدرك أن المغرب يقدم نموذجًا متقدمًا في الإصلاح والتنمية، بينما تستنزف الجزائر قدراتها في مناورات عدائية غير منتجة.
وأكد الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أنه مع ذلك، تظل المصالح الاقتصادية سببًا لتأرجح الولايات المتحدة الأمريكية الظاهري، وإنْ كانت في العمق تميل بشكل واضح لصالح المملكة المغربية.
♦ رؤية جيوسياسية موسعة
يرى أنغير أن التحركات الأمريكية في شمال إفريقيا لا تنفصل عن سياق عالمي يتسم بصعود قوى منافسة، موضحا أن أحد الأهداف غير المعلنة من وراء الضغط الأمريكي لتسوية النزاع بين المغرب والجزائر هو منع التمدد الروسي والصيني في القارة الإفريقية.
وأشار الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، إلى أن الصين التي تغلغلت اقتصاديًا، وروسيا التي اخترقت البنية الأمنية لدول الساحل عبر جماعات “فاغنر”، صارتا تمثلان مصدر قلق استراتيجي لواشنطن.
التقارب الجزائري-الفرنسي والأزمة مع ثلاثي الساحل.. قراءة استراتيجية في ظل النفوذ المغربي المتزايد
وتابع أنه في هذا الإطار، تحاول الولايات المتحدة إعادة تشكيل تحالفاتها في المنطقة، عبر بوابة المغرب شمالًا ونيجيريا جنوبًا، بهدف استعادة النفوذ الأمريكي وتقليص هامش المبادرة لدى المحاور المنافسة لها.
وزاد قائلا إن واشنطن في عهد الولاية الثانية للرئيس الأمريكي ترامب، تعود إلى نهج الضغوط المباشرة والدبلوماسية الصلبة، سواءً عبر العقوبات أو التدخل السياسي، من أجل استمالة العواصم الإفريقية.
♦ توقيت يخدم المغرب
يلفت أنغير إلى أن توقيت زيارة مسعد بولس يحمل رمزية قوية لصالح المغرب، لافتا إلى أن الرباط استطاعت خلال السنوات الأخيرة، أن تراكم دعمًا دبلوماسيًا واسعًا لمقترح الحكم الذاتي، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا.
وذكر الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أنه في المقابل، باتت الجزائر تُواجَه بانتقادات دولية صريحة، بعدما تبين بالملموس والقرائن تورطها في عرقلة كل المبادرات الأممية الجادة.
قاعدة عسكرية في جنوب الصحراء.. هل يعيد المغرب رسم خريطة الأمن في الساحل؟
وأكد أن المغرب نجح في إقناع جزء من مكونات “البوليساريو” بجدوى الحكم الذاتي، في حين تواصل الجزائر رفضها لأي حل خارج منطق الانفصال، رغم علمها أن هذا الخيار بات متجاوزًا.
وتابع بأن اللافت هو كون المجتمع الدولي أصبح أكثر وعيًا بالدور التخريبي الذي تلعبه الجزائر، خاصة من خلال استخدام مخيمات تندوف كورقة ضغط، وتحويل جبهة “البوليساريو” إلى أداة للابتزاز السياسي.
♦ تعاطي مغربي مسؤول
يؤكد أنغير أن المغرب يتعامل مع التحركات الأمريكية بحسن نية وثقة كاملة في مشروعية موقفه، مبرزا أن المملكة لم تتوانى يومًا عن تقديم كل الضمانات والتعهدات المطلوبة لإنجاح حل سلمي دائم، يستند إلى الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مشيرا إلى أن هذا الخيار، الذي يحظى بتأييد أممي متزايد، بات يشكل ركيزة لمبادرات واقعية قابلة للتنفيذ.
وتابع الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أنه في المقابل، تظهر الجزائر اليوم كدولة مغلقة ومعزولة، تفتقر إلى أي تصور بديل، ولا تملك من أدوات التأثير سوى المناورات المكشوفة، والشعارات الإيديولوجية المتجاوزة.
ويذهب أنغير إلى اعتبار أن الجزائر باتت تدفع ثمن عقليتها التحكّمية، وأن محاولاتها لفرض رؤيتها على المجتمع الدولي تبوء بالفشل تباعًا، بعدما اتضحت صورة استغلالها لمأساة الصحراويين في تندوف.
♦ أفق الصراع الدولي
ربط بوبكر أنغير التحرك الأمريكي في شمال إفريقيا بموجة إعادة التموقع التي تقودها إدارة ترامب عالميًا، موضحا أنه مع انحسار الدور الأوروبي التقليدي، خاصة في إفريقيا، وجدت كل من روسيا والصين طريقًا سهلًا لبسط نفوذهما.
ولفت الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، إلى أن واشنطن أدركت بشكل جلي مؤخرًا أن تأخرها في التحرك في هذا الجانب؛ سمح لهذه القوى باختراق اقتصاديات كبرى في القارة.
وأردف أن التحرك الأمريكي يندرج في سياق رغبة محمومة في استعادة المبادرة، عبر توظيف أدوات القوة الاقتصادية والدبلوماسية، مع الاعتماد على شركاء موثوقين مثل المغرب، لضمان توازن المصالح الأميركية في الفضاء الإفريقي.
وشدد أنغير على أن هذه المقاربة لن تكون عابرة، بل ستعتبر بشكل أكيد جزءًا من تصور أمريكي متكامل وطويل الأمد يعيد تشكيل خرائط النفوذ في عالم اليوم المتعدد الأقطاب.

