تُخلف عملية نحر ملايين الأضاحي خلال عيد الأضحى المبارك عشرات الآلاف الأطنان من النفايات، التي تتراكم بشكل عشوائي وسط شوارع وأزقة المملكة في تهديد صريح للمحيط البيئي .
وتخلف السلوكات اللامسؤولة و التي تصدر عن بعض المواطنين في هذه المناسبة، ضررا بالغا بالبيئة وبنظافة المدن وبالإنسان نفسه.
و علاقة بالموضوع ستحاول جريدة “شفاف” عبر هذا التقرير رصد معاناة عمال النظافة الذين يضطرون للعمل ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة لجمع مخلفات الأضاحي المتناثرة عشوائيا في جنبات الطرق والأزقة ، كما سنعرج على الإجراءات والتدابير التي اتخدتها السلطات المحلية للحفاظ على نظافة المدن خلال يوم العيد ، وسنتناول كذلك رأي المختصين في قضايا البيئة وعلم الاجتماع وجمعيات حماية المستهلك حول ما تخلفه هذه النفايات غير المعالجة من أضرار على التربة والحيوان والإنسان.
عمال النظافة.. ضحية سلوكيات خاطئة في التعامل مع مخلفات أضاحي العيد
قالت فاطمة، عاملة في شركة للنظافة بمدينة بوزنيقة، أن معاناتها وزملائها مع تراكم الأزبال في الأزقة والشوارع كبيرة خلال اليوم الأول للعيد، وذلك لعدم اكتراث المواطن لسلوكياته التي تخلف جبال من النفايات دون أن يعمل على اتخاذ مختلف التدابير الوقائية التي تتطلبها المرحلة عبر جمعها في أكياس بلاستيكية وإغلاقها بإحكام، درئا لأضرارها على المواطن والبيئة.
وأكدت فاطمة في تصريح لجريدة “شفاف”، أن أيام العيد خصوصا أولها، تتراكم فيه الأزبال بشكل كبير وذلك نتيجة لعشرات الآلاف من الأضاحي التي تذبح خلال هذه الشعيرة الدينية، بالإضافة إلى كمية الجلود المتناثرة قرب حاويات الأزبال، وكذا الأكياس الممتلئة بمخلفات الأضاحي غير المغلقة بإحكام.
ويصف محمد، عامل نظافة ، اليوم الأول للعيد بالأسود، وذلك نظرا للأطنان الهائلة من الأزبال التي تتراكم في الأزقة بطريقة عشوائية لا تحترم المنظر العام للمدينة ولا المرافق المشتركة، بالإضافة إلى ذلك فالمواطن لا يراعي مشاعر العمال الذين يسهرون في يوم مهم على نظافتهم ونظافة مدينة بوزنيقة يضيف المتحدث.
ويسنطرد عامل النظافة، في تصريح لجريدة “شفاف”، قائلا “نحن مع ممارسة الشعائر الدينية لعيد الأضحى، ولكن على المواطن أن يعلم بالمقابل أن الدين سلوك ومعاملات، وما يفعله الكثيرون في هذا اليوم من عدم التقيد بعوامل النظافة المتمثلة في رمي مخلفات الأضاحي في الحاويات وتركها في الشوارع دون جمعها أو عدم تنظيف المكان الذي تمت فيه عملية الذبح، وكذا عدم التقيد بالتعليمات التي قدمتها لهم الجماعة المحلية والمتمثلة في جمع المخلفات في أكياس بلاستيكية محكمة الإغلاق كي يسهل على العمال التعامل معها، كل هذا يثقل كاهل من يناوبون في قطاع النظافة في العيد بشكل كبير.
من جهة أخرى وأوضحت فاطمة أن معاناتها رفقة رفقائها في العمل تزداد، بعد القيام بعملية شي رؤوس الأضاحي في الشارع العام مؤكدة أن من يقومون بهذه العملية يتركون الأزقة متسخة وملوثة دون مراعات بأن هذا السلوك يوذي ضريبته المكلفون بالنطافة والذي يبدلون مجهودات شاقة خاصة في ضل الحرارة المرتفعة التي تشهدها المملكة.
وتابعت لو أن المواطنون فكروا بمنطق التكافل في هذا اليوم لحلت الكثير من المشاكل التي نشهدها في عيد الأضحى، وكنا سنرى مدينة تحتفي بشعيرة دينية في جو من النظافة والروحانية والكل سيكون سعيد بهذه المناسبة، ولكن وللأسف الكثير تغيب عنهم هذه الروح ويضن البعض أنه بإخراج الأزبال من البيت وتكديسيها في الشارع بطريقة عشوائية قد فعل ماعليه .
وفي ذات السياق يتابع محمد قائلا “على المواطن أن يعلم أن تراكم الأزبال بشكل عشوائي ومع الحرارة المرتفعة، يعني بالدرجة الأولى انبعاث روائح كريهة و يخلف أمراضا صحية وبيئة مطالبا في الوقت نفسه، من قاطني المدينة بأن يكونوا مسؤولين في تصرفاتهم ومعاملتهم اتجاه عمال النظافة أولا ومدينة بوزنيقة ثانيا والبيئة ثالثا، لكيلا يحدث أي أثر سلبي على الجميع لا قدر الله.
والتمس العاملون في قطاع النظافة من المواطنين بأن يكونوا رحيمين بعمال النظافة، لأنهم يتعبون كثيرا في هذا اليوم من أجل السهر على نظافة مدينة بوزنيقة، وأن لا يثقلوا كاهلهم بعدم الالتزام بتعليمات النظافة المطلوبة في هذا الوضع، وأن يبتعدوا عن تلك الفكرة الدونية التي يعاملون بها العمال، وأن يراعوا كذلك على أنهم لا يعيشون فرحة العيد مثلهم مثل باقي المغاربة في حضن أسرهم.
حماة المستهلك:المواطنون والسلطات شركاء في السهر على نظافة المدن خلال العيد
أكد شتور علي رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو بالجامعة المغربية لحقوق المستهلك، على ضرورة الحفاظ على البيئة والسلامة الصحية للمواطن ونظافة المدن خلال أيام العيد، وفي الوقت نفسه، يجب على الجميع من مواطنين وسلطات محلية وترابية المخول لها تدبير القطاع البيئي الالتزام بنظافة الملك العام المشترك من شوارع وأزقة وغابات.
وقال رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك، في تصريح لجريدة “شفاف”، بما أن يوم عيد الأضحى يعرف ذبح رقم كبير من الأضاحي، فبطبيعة الحال تتضاعف مخلفات الأزبال عن الأيام العادية، مبرزا، أن الأطنان من النفايات تتطلب تدخل سريع من الجهات المخول لها تدبير قطاع النظافة في مختلف المدن المغربية، وأن تسخر كل السبل والوسائل الممكنة من أجل السهر على نظافة المدن والغابات والمجاري المحيطة بها.
وأوضح شتور، بما أن السلطات العمومية ستتحمل مسؤوليتها في الحفاظ على نظافة المدن في المملكة، فإن المواطن مسؤول هو كذلك في هذه العملية، إذ عليه الابتعاد على الأفعال المشينة التي تضر بمنظر المدن وتتسبب في روائح كريهة وأمراض بالإضافة إلى الأضرار البيئية الكبيرة التي ستكلف سنوات من أجل إصلاحها.
وللحفاظ على البيئة، طالب شتور، من الجميع التحلي باليقظة وروح المسؤولية، من أجل المحافظة على نظافة أزقة وشوارع وأحياء مدن المملكة من مخالفات ما يتركه باعة الخرفان ومن جلود وبقايا ذبح الأضاحي وانتشار فضلات وروائح ومخلفات شواء رؤوس الأضاحي التي قد تساعد في انتشار الأوبئة وتخلق معها مشاكل صحية وبيئة الأنسان في غنى عنها لو اتخذ جميع التدابير الوقائية.
السلطات المحلية والترابية مطالبة بإيجاد مطارح تعمل على تدوير نفايات العيد
يقول جلال المعطى، مهتم بالقضايا البيئية والمجالية، أن الكم الهائل من النفايات التي يخلفها الإنسان خلال اليوم الأول للعيد، تعمل على قتل عدد كبير من الكائنات الحية، وتلوث الفرشة المائية والتربة، خصوصا إذا لم يتم معالجتها بالشكل الصحيح وتركت كما هيا معرضة لموجة الحر التي يعرفها المغرب خلال هذه الفترة الموازية للعيد.
وأوضح المهتم بقضايا البيئة والمجالية، أن عدم جمع وتدوير نفايات عيد الأضحى ينتج عنها أمراض وأوبئة تتفشى في التربة وهذا يعني تلوثها وتضرر تنوعها الإيكولوجي نتيجة رمي مخلفات الأضاحي فيها، وبطريقة مباشرة سينتقل التلوث إلى الفرشة المائية وعبرها إلى الحيوان ثم إلى الإنسان.
ولتفادي أي كارثة بيئية أو صحية، يؤكد المتحدث ذاته، على أن الجماعات المحلية والمجتمع المدني وكل الفاعلين الحقوقيين والمدنيين مطالبون بالعمل على تحسيس المواطنين بخطورة الوضع، وكيفية التعامل مع تلك الأزبال، وفي الوقت نفسه، وجب على الجهات المخول لها شق النظافة في المدن قبل عيد الأضحى إيجاد أماكن للمطارح المقننة.
وحسب المتحدث ذاته فإن أن أغلب الجماعات الترابية في المغرب لاتتوفرعلى مطارح بموصفات تراعي الجانب البيئي بل جل هذه المطارح هي مرافق عشوائية محاطة بصور وأسلاك شائكة، ولا تتوافق مع الجيل الجديد من المطارح التي تعمل على إعادة التدوير والتفريق بين النفايات التي تدخل فيما يسمى بالاقتصاد الدائري أو التدوير الذي يجعل المجتمع يستفيد على الأقل من هذه النفايات وتصبح ذات قيمة مضافة.
ويردف المصدر ذاته ” الجميع يريد أن يتخلص من النفايات ولكن دون إعداد وتهيئة مطارح في المستوى، والطامة الكبرى هو القيام بحرقها وبالتالي يتسبب الإنسان في تلوث الهواء، مع العلم أن نفايات المغاربة أغلبها من المواد العضوية التي يصعب حرقها وعليه ندخل في دوامة أخرى تتمثل في تركها نصف محروقة وبهذه الطريقة تتكون الجراثيم ويقتات عليها الحيوانات وبعدها تنتقل إلى الإنسان عبر النبات أو الحيوان ثم إلى الفرشة المائية وبهذا الحال ندخل في دوامة غير منتهية للتلوث”.
وعن تدبير النفايات السائلة، يبرز جلال المعطى، أن الكميات الكبيرة من الدم التي يتم التخلص منها عبر المجاري، يجب أن يتم احتوائها عبر ما يسمى بمحطات تصفية المياه، والمشكل في المغرب رغم توفره على المحطات السالفة الذكر لكن أغلبها لا تشتغل.
وبحسب الدراسات الاقتصادية والتقنية التي أنجزت بخصوص محطات تصفية المياه بالمملكة، يقول المهتم بقضايا البيئية والمجالية، أن جل الجماعات المحلية والترابية غير قادرة على تدبيرها، وبالتالي ما بين 80 إلى 90 في المائة من محطات تصفية المياه لا تقوم بعملها، وبهذا تصب في الأودية أو البحر أو في مكان ما ومع تلك الروائح الكريهة التي تنبعث تجعل الوادي أو المكان الذي صرف فيه تلك المخلفات السائلة غير المعالجة يفقد جماليته.
ويكشف، المختص في قضايا البيئة، أن النفايات السائلة التي تنتشر في الطبيعة تضر الفرشة المائية، ولحل هذا المشكل وجب على الجماعات المحلية والترابية أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في مسائل تدبير مقالع النفايات الصلبة والسائلة لأنه إذا ترك الأمر على ما هو عليه سيتسبب في أضرار على الطبيعة والإنسان.
ومن الحقوق الدستورية للإنسان، حسب المتحدث ذاته، هو أن يعيش في بيئة سليمة وذلك بمحاربة هذه النفايات عبر تدويرها وعدم رميها في الطبيعة التي قد تتسبب في إصابة المواطن بأمراض وحساسيات هو في غنى عنها.
التنشئة المجتمعية وراء عدم اهتمام المواطن بنظافة مدن المملكة وبالحفاظ على البيئة
كشفت بشرى لمرابطي أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي، بأن عيد الأضحى يعتبر مناسبة للتجمع الأسري، وذلك لما لهذه المناسبة الدينية من أهمية تعمل على تقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، ووسيلة لنقل الخبرات بين الأجيال وتعزيز التواصل بينهم بشكل حقيقي وليس افتراضياً وهذا الجانب الإيجابي في الموضوع.
وما يغيب حاليا في مناسبة عيد الأضحى، حسب ما صرحت به، لمرابطي لجريدة “شفاف”، هو ثقافة الحفاظ على الملك العام المشترك من أزقة وغابات وغيرها من الفضاءات التي تتطلب أن تكون نظيفة ومكان يلجأ إليه المواطن من أجل الترويح عن النفس، تجدها في هذه الأيام مطارح لنفايات العيد و مخلفات الأضاحي .
وفي اليوم الأول من العيد، حسب المتحدثة ذاتها، الطبيعي في سلوك المواطن هو أن يترك المكان الذي تمت فيه عملية الذبح وشواء رؤوس الأضاحي نظيفا وفي الوقت نفسه مساعدة عمال النظافة في ذلك بناء على مبدأ التكافل المشترك لكن للأسف العكس هو الذي يحصل .
ومع تأثر التنشئة الاجتماعية للمجتمع المغربي بالتطورات التي تحصل في جميع المجالات، تؤكد المتحدث ذاتها، أن مجموعة من المعتقدات السليمة في مجتمعنا اختفت وتغيرت وأصبحت المصلحة الفردية تعلوا عن المصلحة العامة وهذا ما يجعلنا نشاهد مثل تلك السلوكيات في العيد.
وتقول المتخصصة، أن التغيير الحاصل في ثقافة المغاربة، هي التي جعلتنا اليوم نرى مواطن يعتبر ترك الأزبال في الشارع ورميها في غير مكانها أمر عادي، كما أن ثقافة الذنب والمراقبة الذاتية التي اختفت اليوم في أي شيء، جعلت السلوكيات غير العادية مقبولة، وما نراه اليوم محصلة لمجموعة من التراكمات السابقة.
كما أن النظرة الدونية التي أعطيت لعامل النظافة في المغرب، وفق المتحدثة، سبب مهم في تلك الخروقات التي نشهدها في أيام العيد في حق مدن المملكة والبيئة والغابات وحتى الإنسان بنفسه.

