انطلق أول أمس الأربعاء عرض العمل السينمائي الجديد “الطابع” لمخرجه رشيد الوالي بالقاعات في المغرب، والذي يتناول قصة مهاجر مغربي علم بإصابته بمرض خطير ولم يتبقى له وفق ما أخبره طبيبه سوى 3 أشهر على مغادرة هذه الحياة، ما يجعل بطل الفيلم وهو العربي يعود لأرض الوطن وتحديدا بفكيك ليموت ويدفن فيها؛ في رحلة سيكون مرفوقا فيها بصديقه الفرنسي اليهودي، حيث ستتخللها العديد من المواقف الدرامية والكوميدية.
ويشهد هذا الفيلم مشاركة عدد من الأسماء الفنية البارزة، مثل مارك صامويل، وغابرييل لازور، وحميد الزوغي (العربي)، وجليلة التلمسي، والراحل محمد عاطفي، ومحمد حافي، وهشام الوالي، وحمزة الطاهري، ومحمد بن يامنة المعروف بـ “بودير”.
وحاورت جريدة “شفاف”؛ المنتج والمخرج والممثل رشيد الوالي، لمعرفة سر اختياره لقصة فيلمه “الطابع” والرسائل الطامح لإيصالها من خلاله، وأسباب تركيزه على الأعمال ذات الطابع الإنساني، ودور الشيخ مصطفى بنحمزة في خروج هذا العمل للجمهور.
♦ ما سر اختيارك لقصة فيلم “الطابع”؟
طمحت من خلال هذا العمل إلى استحضار جزء هام من تاريخ بلادنا، حيث كانت فرنسا تلجأ خلال الاستعمار لاستقدام شباب مغاربة من أجل العمل في مناجم الفحم الحجري في كورسيكا وغيرها، وهو ما تسبب لهم فيما بعد في الإصابة بأمراض خطيرة كالسرطانات، وكان عمي واحد من هؤلاء الأشخاص الذي عاشوا هذه المرحلة.
وحاولت من خلال هذا العمل إيصال رسالة مفادها أن العلاقات الإنسانية هي أهم شيء في هذا الكون، لاسيما تلك التي تجمع بين الأفراد من أديان مختلفة، حيث لا يهم أن تكون مسلما أو تنتمي لديانة أخرى، بقدر ما أن تمارس إنسانيتك في جميع التعاملات؛ من خلال إبراز قيم التسامح.
ومن الرسائل المهمة التي يتضمنها “الطابع” هو ضرورة أن يترك الإنسان أثرا طيبا قبل رحيله، وكما هو معلوم فلابد للإنسان أن يعمل لآخرته، وفي الوقت ذاته ألا ينسى نصيبه من الدنيا، وهي أمور سلط عليها الفيلم الضوء في أغلب مشاهده.
♦ لماذا تهتم بالأعمال ذات الطابع الإنساني؟
أحلم بكتابة رواية أو قصة تحت عنوان “العودة للإنسان”، لأنه أن هذا الاخير (الإنسان) يعتبر هو أساس الحياة والكون بأسره، واهتمامي بهذه التيمة أو الصورة التي تُعنى أكثر بالقيمة الإنسانية نابع من ذلك، وبالنسبة لي أعمال البهرجة والظرفيات الزمنية المعينة التي لا تعيش فنيا كثيرا وسرعان ما يطالها النسيان، على عكس تلك التي تحمل القيم والعبقين التاريخي والحضاري.
ومن المهم صراحة الاشتغال على هاته الأعمال ذات الطابع الإنسانية، حيث نشهد مؤخرا للأسف التشتت داخل العائلة الواحدة، إذ ينغلق كل فرد بها على نفسه، وهو ما أثر في العلاقات الأسرية بصفة عامة، وزاد من نسب الطلاق والمشاكل المرتبطة بذلك داخل مجتمعنا.
وصراحة أشتغل في أعمالي على الجانب الإنساني لإحياء هاته القيم المفقودة، وعودة الدف داخل العائلات والتواصل بين الوالدين والأبناء، إضافة لإعادة آلية انتقال الثقافات والمعارف بين الأجيال التي تغيب عنا يوما بعد آخر، حيث نتجه بشكل متسارع إلى اندثارها، إذ أصبح كل شخص يجالس نفسه ويأكل بمفرده.
ومن خلال سفرياتي ومشاركتي في عديد المهرجانات بمختلف بلدان العالم، فإن العلاقات الوطيدة داخل الأسرة المغربية من المميزات التي تشد انتباه الأجانب إلى المملكة، وتجعلهم يسألون ويتسألون عن سبب هذا الحب لدى المغاربة سواءً مع بعضهم أو تجاه الآخر، وأتخوف من أن تفقد أجيالنا القادمة هذه القيم المتوارثة منذ قرون ببلادنا.
♦ إصرارك على الاشتغال على أعمال كـ”نوح” و”يما” والطابع” والتي قد لا تلقى جماهيرية؛ ألا يعد مغامرة؟
الشخص الذي لا يغامر أو يضحي ليس في الفن؛ بل في الحياة بصفة عامة فإنه لن يحقق شيئا، وهذا الامر يعد قاعدة ثابتة، وشخصيا لا أفكر في اللحظة والربح المادي الآني، ولا تغريني صراحة أفلام “الساندويتش” التي يتم إنجازها بسرعة، دون إيلاء أهمية بالموضوع والسيناريو وما يرتبط بالتشخيص وغير ذلك من الأمور الفنية، ولا يهمني بالبتة الانجرار وراء هذه النوعية من الأعمال بالرغم من أن لها إقبالا جماهيريا خلال الظرفية الحالية.
وأومن منذ بداية مساري الفني بأن الشخص في هذا المجال لا بد من أن يترك بصمته ويساهم في التعريف بحضارة بلاده ومميزات مجتمعه عبر الصوت والصورة، من خلال استغلال ما تزخر به السينما من وسائل وتقنيات تسهل هذه العملية وتساعد في انتشار المعلومات والمعطيات حول قضايا معينة.
وخير مثال على أهمية توثيق الإنسان لتقاليده وعاداته وثقافته هو تأثير ما تركه الفراعنة بمصر على العالم ككل، حيث الكل اليوم يشيد بتاريخ هذه الحضارة العريقة، ولذلك فإن عملي في هذا الجانب يروم تأريخ أهم ما يميز مملكتنا وأبرز الأحداث التي شهدتها حتى تكون الصورة التي نصنعها اليوم وثيقة هامة يمكن الرجوع لها كلما اقتضى الحال ذلك، ولاسيما فيما يتعلق بتعريف الناشئة بتاريخهم.
♦ ذكرت أن الشيخ مصطفى بنحمزة كان أحد أبرز الداعمين لهذا الفيلم، كيف ذلك؟
علاقتي بالشيخ مصطفى بنحمزة جيدة للغاية، وصراحة عندما أبحث عن الراحة أسافر لوجدة وأجالسه لمدة يومين أو ثلاث، وهو رجل دين ذات مصداقية ومعرفة كبيرين، وجهة الشرق ببلادنا تزخر بالعطاء والأناس الطيبون الذين لا تفارق الابتسامة وجوههم، وألسنتهم لا تكف عن الترحيب بالأجانب عن منطقتهم.
وفي إحدى المناسبات عند زيارتي له، تحدث له عن عملي “الطابع” وذلك قبل عملية تنفيذ إنتاجه، فطرح علي الشيخ بن حمزة تصويره بمدينة وجدة والمساهمة عبر معارفه بالمساعدة في ذلك وتسهيل الصعاب التي يمكن أن نلقاها بوجدة وإشراك أبناء المدينة في ذلك، حيث قال لي إنه لا يتم إنتاج الاعمال الفنية بالمنطقة، مما يجعلها دائما خلف الأضواء.
ولما قلت له أن نقل طاقم الفيلم من الدار البيضاء أو الرباط نحو وجدة أو مناطق شرق المملكة يحتاج لإمكانيات مادية كبيرة، عرض علينا المساعدة، وهو ما قام به أيضا والي جهة الشرق معاد الجامعي، الأمر الذي سهل عليا تصوير هذا الفيلم بمدينة فكيك القريبة من الأولى (وجدة).
ولحسن حظنا قُدمت لنا تسهيلات ومساعدات كبيرة سهلت مأمورية تصويرنا للأجزاء الخاصة بهذا الفيلم التي تمت بالمغرب (فكيك)، وصراحة وجدنا أريحية كبيرة أثناء اشتغالنا، وهو ما نفتقده عند عملنا بالمدن الكبرى كالدار البيضاء.
وأشكر كثيرا الشيخ بنحمزة على مجهوداته الكبيرة ومساهمته في نجاح هذا العمل وعلى تفتحه الكبير والمميز على الفن الهادف والبناء، وهو ما يكسر تلك الصورة النمطية المرسومة في ذهن ومخيلة البعض عن علماء الدين.

