أثار قرار ولاية جهة الدار البيضاء-سطات القاضي باعتماد شروط جديدة لاستبدال رخص الثقة الورقية برخص بيومترية موجة من الجدل داخل أوساط مهنيي سيارات الأجرة بالعاصمة الاقتصادية؛ خاصة في ظل اشتراط المزاولة الفعلية المنتظمة خلال السنة السابقة لإيداع الطلب، وهو ما اعتبره فاعلون مهنيون خطوة قد تعمق الفجوة بين السائقين وأصحاب المأذونيات وتعيد إلى الواجهة إشكالات قديمة مرتبطة بنظام “التنقيط” وإثبات الاشتغال داخل قطاع يتسم أصلا بعدم الاستقرار المهني وتفاوت أنماط العمل.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه السلطات أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار تحديثي يهدف إلى تنظيم القطاع وضمان الأهلية المهنية والسلوكية للسائقين، تتزايد مخاوف من أن تتحول الشروط الجديدة إلى آلية إقصاء غير مباشر لفئات واسعة من المهنيين الذين يشتغلون بشكل متقطع أو بالتناوب بين عدة عربات، ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة المعايير المعتمدة لواقع الممارسة اليومية، وقدرة هذه المقاربة على تحقيق التوازن بين متطلبات الحكامة الإدارية والحفاظ على السلم المهني وجودة خدمات النقل الحضري.
❖ خلفية تنظيمية
يرى مصطفى الكيحل، الكاتب العام للنقابة الديمقراطية لمهنيي النقل والأمين العام للاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، أن آلية “التنقيط” المعتمدة في قطاع سيارات الأجرة ليست إجراءً مستحدثًا أو وليد اللحظة، بل تعود جذورها إلى قرارات تنظيمية صادرة عن السلطات المحلية والأجهزة الأمنية في عدد من المدن المغربية، وعلى رأسها الدار البيضاء.
وأوضح الكيحل في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذا الإجراء يستند إلى قرارات عاملية تمنح الصلاحية للسلطات المحلية من أجل تنظيم شروط مزاولة سياقة سيارات الأجرة داخل المجال الحضري، بما يضمن مراقبة العربات والسائقين والتأكد من أن المزاولين للنشاط يتوفرون فعليًا على رخص الثقة القانونية.
وأضاف أن “التنقيط” من حيث المبدأ، يندرج ضمن منظومة رقابية تهدف إلى ضبط حركة سيارات الأجرة داخل المدن الكبرى، والتأكد من أن السائقين العاملين في هذا القطاع يمارسون مهنتهم وفقًا للضوابط المعتمدة، وتحت إشراف الأجهزة المختصة.
امتعاض وغضب في صفوف المواطنين بسبب ممارسات سائقي “طاكسيات” الوازيس
وهذه العملية حسب تعبيره؛ تشكل جسرًا تنظيميًا بين السلطات المحلية والأمنية من جهة، والمهنيين من جانب ثاني، لضمان حد أدنى من النظام في قطاع يعرف كثافة في الطلب وتداخلاً في أنماط الاشتغال.
وشدد في المقابل على ضرورة عدم منح آلية “التنقيط” حجمًا قانونيًا أكبر من حجمها الحقيقي، موضحًا أنها لا يمكن أن تتحول إلى سند قانوني وحيد لمزاولة المهنة أو شرط حاسم في استمرار السائق داخل القطاع.
وأبرز أن الترخيص في جوهره، يستند إلى قواعد قانونية وتنظيمية أوسع، تضبط العلاقة بين أصحاب المأذونيات والسائقين المهنيين، ولا تختزل فقط في عملية إدارية دورية.
❖ الأساس القانوني
ينطلق الكيحل في قراءته للموضوع من التأكيد على أن الإطار القانوني المنظم لقطاع سيارات الأجرة يرتكز أساسًا على مجموعة من الدوريات الوزارية والنصوص التنظيمية التي صدرت منذ عقود.
وأردف أن في مقدمتها الدورية الوزارية رقم 444؛ الصادرة في سنة 2022، والتي استندت بدورها إلى الظهير الشريف رقم 1.63.260، باعتباره أحد الأسس القانونية التي تخول للسلطات المحلية صلاحية تنظيم شروط استغلال سيارات الأجرة ومنح التراخيص المرتبطة بها.
وأشار إلى أن الدورية الوزارية رقم 122، التي صدرت في ثمانينيات القرن الماضي، تشكل بدورها إحدى اللبنات الأولى في تنظيم القطاع، حيث وضعت الشروط العامة للاستغلال والحصول على الترخيص ومزاولة سياقة سيارات الأجرة.
تقنين النقل عبر التطبيقات بالمغرب.. تحديث ضروري أم تهديد لمهنيي “الطاكسيات”؟
واستطرد أنه منذ ذلك الحين، توالت الدوريات والقرارات العاملية التي حاولت تحيين الإطار التنظيمي، دون أن ترقى إلى مستوى قانون شامل يضع حدًا للاجتهادات المتباينة بين مدينة وأخرى.
واعتبر أن الدورية 444؛ خاصة في مادتها السابعة، كانت واضحة في دعوتها إلى تجديد رخص الثقة وضبط لوائح السائقين المزاولين، مع التأكيد على الانتقال إلى النظام البيومتري ابتداءً من سنة 2022.
وغير أن هذا التوجه بحسبه؛ لم يفعل بالشكل المطلوب، حيث استمرت السلطات المحلية في عدد من المناطق في اعتماد الصيغة الورقية، ما أدى إلى تراكم اختلالات إدارية وتأجيل معالجة إشكالات جوهرية داخل القطاع.
❖ “قرارات مثيرة”
يتوقف الكيحل مطولاً عند الدورية الوزارية رقم 249، الصادرة خلال السنة الماضية، والتي جاءت لتحيين المساطر المتعلقة بتجديد رخص الثقة الورقية وتعويضها بنسخ بيومترية.
ولفت إلى أن هذه الدورية أفرزت، على مستوى الدار البيضاء، القرار العاملي رقم 75، الذي حدد شروط وإجراءات جديدة لتجديد الرخص، الأمر الذي فجر حسب تعبيره، موجة من الجدل والارتباك في أوساط السائقين المهنيين.
وأكد أن الإشكال الأساسي لا يكمن فقط في مضمون القرار، بل في طريقة إصداره، حيث غاب بحسبه، أي تشاور مسبق مع التمثيليات النقابية أو الفاعلين المهنيين في القطاع.
وأضاف أن النقابات تفاجأت بخروج دورية وزارية وقرار عاملي دون عقد اجتماعات أو فتح نقاش حول الانعكاسات المحتملة لهذه الإجراءات على واقع السائقين اليومي.
واستحضر في هذا السياق تجربة سنة 2024، حين تم تجديد عدد من رخص الثقة التي تجاوزت مدة صلاحيتها ثلاث سنوات، وذلك في إطار بلاغ صادر عن وزير النقل واللوجستيك بشأن البطاقة المهنية.
وشرح أن هذا البلاغ ربط بين تجديد البطاقة المهنية وضرورة توفر السائق على رخصة ثقة سارية المفعول، ما أدى إلى إطلاق عملية واسعة لتجديد الرخص، كشفت في نظره، عن حجم الاختلالات الإدارية المتراكمة داخل القطاع.
❖ اختلالات ميدانية
من أبرز الإشكالات التي يثيرها الكيحل ما يتعلق بوضعية السائقين الذين تغيرت أماكن إقامتهم داخل المجال الترابي لجهة الدار البيضاء–سطات.
وحسب قوله، هناك مهنيون كانوا يقطنون بمدينة الدار البيضاء حين حصلوا على رخص الثقة، لكنهم انتقلوا لاحقًا إلى أقاليم مجاورة مثل مديونة أو النواصر أو المحمدية.
بالتزامن مع عيد المولد النبوي.. أزمة النقل تقض مضجع البيضاويين
وهؤلاء وفق الكاتب العام للنقابة الديمقراطية لمهنيي النقل؛ يجدون أنفسهم اليوم أمام وضعية قانونية معقدة، لأن القرار العاملي لم يأخذ بعين الاعتبار هذه التحولات الجغرافية والاجتماعية.
وأضاف أن طبيعة العمل في قطاع سيارات الأجرة تقوم في كثير من الأحيان على عدم الاستقرار، حيث لا يوجد “شغل قار” بالمعنى التقليدي.
وأبرز أن السائق قد يعمل أسبوعًا مع سيارة معينة، ثم ينتقل إلى أخرى في الأسبوع الموالي، وفقًا لظروف العرض والطلب أو لطبيعة العلاقة مع صاحب المأذونية.
واستطرد المتحدث ذاته؛ قائلاً إن هذا الواقع يجعل من الصعب، اعتماد التنقيط السنوي المتعلق بالسائقين كمعيار وحيد لإثبات المزاولة المنتظمة للمهنيين.
وأشار إلى أن دفتر التنقيط لا يكون بحوزة السائق المهني، بل يبقى داخل السيارة نفسها؛ وبالتالي فإن مطالبة السائق بالبحث عن دفتر تنقيطه السنوي لإثبات اشتغاله تطرح، حسب تعبيره، إشكالاً عمليًا كبيرًا.
وأوضح الكاتب العام للنقابة الديمقراطية لمهنيي النقل، أن السائق قد يكون عمل مع عدة سيارات خلال السنة الواحدة، دون أن يحتفظ بأي وثيقة تثبت ذلك بشكل مباشر.
❖ بدائل مقترحة
في معرض حديثه عن الحلول الممكنة، يشدد الكيحل على أن معالجة هذه الإشكالات لا يمكن أن تتم عبر دوريات وزارية متفرقة أو قرارات عاملية ظرفية، بل تتطلب إطارًا تشريعيًا متكاملاً في شكل قانون ينظم القطاع برمته.
واعتبر أن وزارة الداخلية مطالبة بإعداد مشروع قانون متكامل يعرض على الأمانة العامة للحكومة، ثم يناقش داخل المؤسسة التشريعية، مع فتح باب التشاور الواسع مع التمثيليات النقابية.
صراع الطاكسيات والنقل عبر التطبيقات.. إلى متى تستمر الأزمة ويغيب معها تدخل الدولة؟
وأكد أن إشراك النقابات والمهنيين في صياغة هذا الإطار القانوني من شأنه أن يضمن واقعية النصوص المقترحة، وأن يعكس حقيقة الممارسة اليومية داخل القطاع.
ودعا إلى إقرار “دفتر تحملات” واضح، على غرار ما هو معمول به في قطاعات أخرى، يحدد الحقوق والواجبات، ويضع معايير شفافة للاستفادة من الرخص ومزاولة المهنة.
ويرى الكيحل أن هذا التوجه سيمكن من إنصاف السائقين المهنيين أولاً، ووضع حد نهائي لإشكالية “الكريمات” أو المأذونيات بصيغتها الحالية، التي يعتبرها سببًا رئيسيًا في ازدواجية الأطراف داخل القطاع.
وحسب رأيه، وجود صاحب مأذونية يستفيد من العائد المالي دون أن يكون له ارتباط مباشر بالممارسة المهنية يخلق اختلالاً بنيويًا في هيكلة القطاع.
❖ رؤية مستقبلية
يؤكد الكيحل على أن تأهيل قطاع سيارات الأجرة يمر حتمًا عبر توحيد الأطراف الفاعلة داخله، بحيث يصبح هناك “طرف واحد” مسؤول عن الممارسة المهنية، بدل استمرار الثنائية القائمة بين صاحب المأذونية والسائق المهني.
وأردف أن هذا التحول من شأنه أن يفتح الباب أمام تحديث حقيقي للقطاع؛ قائم على العدالة المهنية والاستقرار الاجتماعي، وليس فقط على الإجراءات الإدارية.
واعتبر أن أي مقاربة إصلاحية لا تضع السائق المهني في قلب المعادلة ستظل قاصرة عن تحقيق أهدافها، مهما بلغت درجة تطورها التقني أو التنظيمي.
ولفت إلى أن التحديث لا يقاس فقط بالانتقال إلى الرخص البيومترية أو الرقمية، بل بمدى قدرة المنظومة الجديدة على ضمان كرامة المهنيين، واستقرارهم الوظيفي، وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
قطاع سيارات الأجرة.. بين إصلاحات الدوريات الوزارية وتحديات التنفيذ
وبينما يستمر الجدل حول شروط تجديد رخص الثقة وآلية التنقيط، يراهن الكيحل على أن يفضي هذا النقاش إلى فتح ورش تشريعي شامل يعيد ترتيب البيت الداخلي للقطاع، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الدولة والمهنيين، قوامها الوضوح القانوني، والتشاور المؤسساتي، والعدالة الاجتماعية.
وشدد الكاتب العام للنقابة الديمقراطية لمهنيي النقل، على أنه بهذه الصيغة فقط، يمكن لقطاع سيارات الأجرة بالمغرب أن ينتقل من منطق التدبير الظرفي إلى أفق الإصلاح الهيكلي المستدام.

