تبنى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، خلال دورته العادية ال178 المنعقدة بتاريخ 28 يناير الماضي، رأيا استشاريا بالإجماع بشأن مشروع القانون رقم 54.23 المتعلق بتغيير وتتميم نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، في خطوة أسست لإعادة هيكلة شاملة للمنظومة الصحية عبر توحيد أنظمة التأمين وإسناد تدبيرها إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
واستهدف هذا المشروع إحداث إصلاح هيكلي عميق في المنظومة الوطنية للتغطية الصحية، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، من خلال نقل تدبير نظام التأمين الخاص بالقطاع العام من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي إلى CNSS، بما أتاح إرساء هيئة تدبير موحدة قادرة على تحقيق الانسجام وضمان استدامة النظام وتقوية حكامته.
ورصد المجلس مجموعة من التحديات البنيوية التي قد تعرقل التنزيل الأمثل لهذا الورش، وفي مقدمتها العجز المالي البنيوي الذي كان يعاني منه نظام القطاع العام (CNOPS)، والذي بلغ حوالي مليار درهم سنة 2025، مع توقع استنفاد احتياطاته في أفق سنة 2028.
كما سجل وجود تفاوتات في نسب الاشتراك وآليات التعويض بين القطاعين العام والخاص، واستمرار العمل بما يسمى “الحقوق المغلقة”، التي كانت تحرم شريحة واسعة من المواطنين من الولوج الفعلي للعلاجات.
وأوصى المجلس بضرورة إنجاز دراسة اكتوارية شاملة ومستعجلة تغطي أفقا زمنيا لا يقل عن 20 سنة، بهدف ضمان التوازن المالي والاستدامة طويلة الأمد للمنظومة الموحدة، داعيا إلى إلغاء سقف الاشتراكات في القطاع العام، وتحيين التعرفة الوطنية المرجعية التي لم تعرف أي تعديل منذ سنة 2006، مع التشديد على إلزامية التسجيل في النظام بما يضمن ولوجا منصفا وغير مشروط للخدمات الصحية.
واقترح الرأي تعزيز دور قطاع التعاضد في توفير تغطية صحية تكميلية واختيارية، إلى جانب التأمين الخاص، للتخفيف من العبء المالي المباشر على الأسر المغربية، التي كانت لا تزال تتحمل حوالي 50% من نفقات العلاج من مواردها الذاتية، مطالبا بإعادة النظر في نظام التغطية الصحية الخاص بالطلبة، بما يضمن استقلاليتهم في الاستفادة من حقوقهم الصحية بعيدا عن وضعية انخراط أولياء أمورهم.
وشدد المجلس في ختام رأيه على أن نجاح هذا الإصلاح ظل رهينا بتسريع وتيرة الرقمنة، وإرساء حسابات وطنية دقيقة للحماية الاجتماعية لتتبع النفقات واستباق المخاطر المالية، مع التأكيد على ضرورة تأهيل المستشفى العمومي وتحقيق العدالة المجالية في توزيع الخدمات الصحية، بما يعزز السيادة الدوائية الوطنية ويضمن استدامة اجتماعية واقتصادية شاملة.

