تثير كفاءة المربيات بدور الحضانة بالمغرب نقاشا متناميا حول جودة خدمات الطفولة المبكرة ومدى احترام المعايير التربوية والقانونية المؤطرة لهذا القطاع، حيث مع تزايد الإقبال على هذه المؤسسات، يبرز تأهيل الموارد البشرية كعنصر حاسم في ضمان بيئة آمنة تدعم النمو السليم للأطفال.
وتطرح أوضاع بعض دور الحضانة، خاصة غير المرخصة، إشكالات مرتبطة بضعف التكوين وغياب المراقبة المنتظمة، ما ينعكس على مستوى الرعاية المقدمة، كما يسلط ذلك الضوء على أهمية التقيد بشروط الترخيص، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لضمان احترام الضوابط المعمول بها.
ويظل تطوير هذا المجال رهينا بإرساء معايير واضحة للتأهيل المهني، وتوسيع برامج التكوين الأساسي والمستمر، بما يكفل حماية المصلحة الفضلى للطفل ويعزز ثقة الأسر في مؤسسات الحضانة
♦كفاءة المربيات في الحضانة
أكدت فاطمة عريف، رئيسة جمعية صوت الطفل بأكادير، أن إشكالية كفاءة المربيات بدور الحضانة أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه منظومة الطفولة المبكرة بالمغرب، لما لها من ارتباط مباشر بحماية الأطفال وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية.
واعتبرت رئيسة جمعية صوت الطفل بأكادير في تصريح للجريدة “شفاف”، أن أي خلل في تأهيل الموارد البشرية العاملة داخل هذه الفضاءات ينعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية المقدمة، وقد يهدد المصلحة الفضلى للطفل، التي يفترض أن تشكل المرجعية الأساسية لكل السياسات والإجراءات ذات الصلة بالطفولة.
وأوضحت أن عددا مهما من المربيات يزاولن المهنة دون توفرهن على تكوين متخصص في علم نفس الطفل أو بيداغوجيا التعليم الأولي، في وقت تقتصر فيه بعض مسارات التكوين على دورات قصيرة المدى لا ترقى إلى مستوى التأهيل المطلوب للتعامل مع فئة عمرية حساسة تتسم بخصوصيات نفسية وسلوكية دقيقة.
وأبرزت أن مرحلة الطفولة المبكرة تتطلب كفاءات مهنية دقيقة، نظرا لما تشهده من تحولات أساسية في النمو العاطفي والمعرفي والاجتماعي، ما يجعل أي تعامل غير سليم أو غير واعٍ بمبادئ التربية الحديثة عاملا قد ينعكس سلبا على مسار الطفل لاحقاً.
وسجلت أن ضعف التأهيل لا يقتصر فقط على الجوانب البيداغوجية، بل يمتد أيضا إلى غياب الإلمام بقواعد السلامة الصحية وأساليب التدخل في حالات الطوارئ، مما يضاعف من المخاطر المحتملة داخل بعض المؤسسات.
وأبانت أن التعامل مع الأطفال في هذه السن يفرض معرفة دقيقة بخصائصهم النفسية، وطرق احتواء انفعالاتهم، وكيفية بناء علاقة تربوية قائمة على الثقة والأمان، بدل الاقتصار على الحراسة أو الرعاية الشكلية.
♦اختلالات قانونية وتنظيمية
نبهت فاطمة عريف إلى أن جزءا مهما من الإشكال يرتبط بانتشار دور حضانة تشتغل خارج الإطار القانوني، خصوصاً في بعض الأحياء الهامشية والمتوسطة، حيث تغيب شروط الترخيص والمراقبة الدورية.
وأشارت إلى أن هذه المؤسسات غير المرخصة تبقى بعيدة عن أي تفتيش تربوي أو صحي، ما يفتح المجال أمام اختلالات متعددة تتعلق بظروف الاستقبال، وعدد الأطفال مقارنة بعدد المربيات، ومعايير السلامة، وجودة التغذية، وغيرها من الجوانب الأساسية.
وأفادت بأن تتبع الجمعية لعدد من الحالات كشف عن وجود فضاءات تفتقر لأبسط الشروط الوقائية، الأمر الذي يجعل الأطفال عرضة لمخاطر حقيقية، سواء على مستوى السلامة الجسدية أو الحماية من أشكال الاستغلال، معتبرة أن غياب الرقابة المنتظمة يسهم في تفاقم هذه الوضعية، ويضع الأسر أمام خيارات محدودة قد لا تضمن الحد الأدنى من الأمان لأبنائها.
وأكدت أن الإطار القانوني المنظم لدور الحضانة الخاصة، والمتمثل في القانون رقم 40.04، يشكل خطوة مهمة على مستوى التقنين، غير أن تنزيل مقتضياته يواجه صعوبات عملية تتعلق بصرامة شروط التوظيف، واشتراط التوفر على دبلومات تخصصية، فضلاً عن محدودية آليات التتبع والمراقبة.
ولفتت إلى أن التطبيق الفعلي للقانون يظل رهيناً بوجود إرادة مؤسساتية واضحة، وتنسيق فعال بين مختلف القطاعات المعنية، من تعليم وسلطات محلية وقطاعات اجتماعية.
ونبهت إلى أن المنظومة تعاني كذلك من نقص حاد في برامج التكوين الأساسي والمستمر، ما يؤدي إلى استمرار عدد من المربيات في ممارسة المهنة بناء على خبرة ذاتية أو تجارب شخصية، دون تأطير علمي ممنهج.
وذهبت أن هذا الوضع لا يسمح بمواكبة التطورات التي يعرفها مجال التربية الحديثة، ولا يضمن التعامل السليم مع السلوكيات الصعبة أو حالات صعوبات التعلم التي قد تظهر لدى بعض الأطفال في سن مبكرة.
♦مقترحات لتعزيز الكفاءة المهنية
دعت فاطمة عريف إلى إرساء مسطرة واضحة وصارمة قبل منح أي ترخيص لفتح مؤسسة حضانة، تبدأ بتقديم دفتر تحملات مفصل يحدد شروط الاستقبال والتأطير، ويمر عبر معاينة ميدانية من طرف لجنة تقنية مختلطة تضم ممثلين عن مديرية التعليم والسلطات المحلية والمصالح الصحية، قبل إصدار الترخيص النهائي، مضيفة أن تفعيل هذه الآلية بشكل منتظم من شأنه الحد من مظاهر العشوائية، وضمان حد أدنى من الجودة داخل هذه الفضاءات.
واقترحت، من موقعها كرئيسة لجمعية تعنى بحماية حقوق الطفل، اعتماد معايير دقيقة في انتقاء المربيات، تقوم أساسا على التوفر على تكوين متخصص ومعترف به في مجال الطفولة المبكرة، مشددة على أهمية إخضاع العاملات لتكوين مستمر يمكنهن من تحديث معارفهن ومهاراتهن، ومواكبة المستجدات في مجالات التربية وعلم النفس وطرائق التدخل التربوي.
وحثت عريف على ضرورة تمكين المربيات من مهارات تواصل فعالة تتيح لهن بناء علاقة إيجابية مع الطفل، تقوم على الحوار والتشجيع وتفادي الأساليب المحبطة أو العقابية غير الملائمة.
كما أبرزت أهمية امتلاك ثقافة أساسية في علم نفس النمو، بما يساعد على فهم المراحل التي يمر بها الطفل، والتعامل السليم مع نوبات الغضب أو مظاهر القلق أو صعوبات الاندماج.
ورأت أن الأمانة والمسؤولية عنصران أساسيان في ممارسة هذه المهنة، بالنظر إلى حساسية الفئة العمرية المستهدفة، موضحة أن الالتزام بميثاق أخلاقي واضح يحترم كرامة الطفل ويضع مصلحته الفضلى فوق كل اعتبار يجب أن يشكل قاعدة لا يمكن التنازل عنها.
وخلصت إلى أن حماية الطفولة مسؤولية جماعية تقتضي تدخل جميع الفاعلين، كل من موقعه، من أجل ضمان تنزيل فعلي لمبدأ المصلحة الفضلى للطفل داخل دور الحضانة.
وطالبت بتكثيف جهود التحسيس والتوعية بمختلف الاختلالات التي يعرفها هذا القطاع، وإشراك الأسر في مراقبة جودة الخدمات المقدمة، حتى تتحول دور الحضانة إلى فضاءات آمنة وداعمة لنمو الطفل، تساهم في تنشئته في بيئة تحترم حقوقه وتوفر له الأمان الجسدي والنفسي اللازمين لبداية سليمة في مساره التعليمي والحياتي.

