صادق الكونغرس البيروفي على مذكرة رسمية تقدمت بها النائبة كارمن باتريسيا خواريث غاليغوس، دعت فيها حكومة بلادها إلى تبني موقف واضح يدعم السيادة الكاملة للمملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية، واعتبار مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 أساسًا جديًا وواقعيًا لحل النزاع حول الصحراء.
المذكرة، التي استندت إلى المادة 68 من النظام الداخلي للكونغرس، شددت على عمق العلاقات بين البلدين منذ 1964، وعلى أهمية احترام القانون الدولي في إيجاد حلول للنزاعات الإقليمية. مبرزة أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يحظى بدعم دولي وازن، من ضمنه الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا.
وحذرت الوثيقة من خطورة جبهة البوليساريو، متهمة إياها بالارتباط بتنظيمات متطرفة مثل حزب الله، والانخراط في شبكات الاتجار بالبشر وتهريب السلاح واستغلال الأطفال في مخيمات تندوف.
♦دعم بيروفي لافت
قال مشيج القرقري، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إن مصادقة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البيروفي على مقترح يدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، تمثل محطة بارزة في سياق التحولات التي تعرفها مواقف بلدان أمريكا اللاتينية تجاه قضية الوحدة الترابية للمغرب. معتبرا أن الأمر يعكس تغيرًا عميقًا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن.
وأوضح القرقري، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن حضور المغرب في أمريكا اللاتينية تطور بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية. مشيرا إلى أن هذه الدينامية تعززت بعد الزيارة الملكية لعدد من بلدان المنطقة، والتي أسست لشراكات متعددة الأبعاد، وأسهمت في إعادة رسم خارطة علاقات المغرب مع هذا الامتداد الجغرافي المهم.
وسلط القرقري الضوء على الوضع الخاص بالبيرو، التي وصفها بأنها بلد يعاني من تقلبات سياسية مزمنة، مذكّرًا بأنها من أوائل الدول التي ربطت علاقات دبلوماسية مع المغرب منذ عام 1964، لكنها كانت أيضًا من بين أوائل الدول التي اعترفت بالكيان الانفصالي سنة 1988. ومنذ ذلك الحين، اتسم موقفها بالتردد والتذبذب بين الاعتراف وسحبه.
وأضاف أن القراءة الدقيقة لخريطة الأصوات التي ساندت مقترح لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان البيروفي، تُظهر أن الدعم تجاوز الانتماءات الحزبية، وضم تيارات من اليمين واليسار على حد سواء، وهو ما اعتبره دليلاً على نجاح الدبلوماسية المغربية في اختراق مناطق سياسية وجغرافية كانت حتى وقت قريب محسوبة على الطرح الانفصالي.
♦شراكة واعدة
وشدد القرقري على أن المغرب، بفضل ديناميته الاقتصادية والدبلوماسية، استطاع أن يتموقع بقوة في قلب التحولات الجارية بأمريكا اللاتينية، لا سيما عبر تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية. مستشهدا بافتتاح أحد أكبر الموانئ في أمريكا اللاتينية مؤخرًا في البيرو بتمويل صيني، مبرزًا رمزية توقف الرئيس الصيني خلال مرحلة التدشين في المغرب، حيث استُقبل من قبل ولي العهد.
واعتبر الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية، أن هذه الإشارة تكشف عن تقاطع المصالح الاستراتيجية بين البلدين في إطار مشروع “طريق الحرير”، الذي أصبح يولي أهمية متزايدة للموانئ البحرية.
وفي السياق نفسه، أكد القرقري أن المغرب، الذي يتوفر على بنية تحتية متطورة تشمل ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي المرتقب، يمضي قدمًا في تعميق شراكته مع البيرو، باعتبارهما بلدين يحتضنان موانئ ضخمة على المحيطين الأطلسي والهادئ، ما يمنح للعلاقات الثنائية آفاقًا واعدة تجاريًا واستراتيجيًا.
وأشار إلى أن التحول الذي تعرفه مواقف مختلف الأحزاب السياسية في البيرو، سواء اليمينية أو اليسارية، تجاه قضية الصحراء المغربية، قد يمهد لانضمام هذا البلد خلال السنوات المقبلة إلى قائمة الدول التي تعترف صراحة بمغربية الصحراء، على غرار ما قامت به الإكوادور مؤخرًا. كما لم يستبعد أن تنتقل البيرو من دعم مقترح الحكم الذاتي إلى تبني موقف واضح في تأييد السيادة المغربية الكاملة على أقاليمه الجنوبية.
♦تراجع الانفصال
ويرى القرقري أن التحول الذي تعرفه مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية يعكس تراجعًا ملحوظًا في نفوذ جبهة البوليساريو بالمنطقة، مؤكدًا أن حضورها الذي كان قويًا خلال السنوات الماضية، لا سيما في أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى ومنطقة الكاريبي، بدأ يتلاشى تدريجيًا.
وأبرز أن الجبهة، التي كانت تهيمن لسنوات على جزء واسع من الخطاب السياسي في هذه الفضاءات، لم يعد لها اليوم سوى حضور محدود يقتصر على تعاطف إنساني لا يترجم إلى مواقف سياسية أو دبلوماسية مؤثرة.
وأضاف أن جبهة البوليساريو ظلت تُسوّق نفسها في المنطقة باعتبارها “حركة تحرر”، مستغلة الخلفية التاريخية والسياسية للعديد من القوى التقدمية، إلا أن هذه الصورة بدأت تتهاوى.
وأبان أن الوعي المتزايد بطبيعة هذا الكيان، باعتباره نتاجًا للحرب الباردة وصراعًا جيوسياسيًا تجاوزه الزمن، دفع العديد من الفاعلين في أمريكا اللاتينية إلى مراجعة مواقفهم من النزاع المفتعل.
وأكد القرقري أن المشروع الانفصالي الذي تروج له البوليساريو لم يعد منسجمًا لا مع طبيعة الدولة المغربية الحديثة ولا مع التحولات الجيوسياسية العالمية، معتبرًا أنه مشروع يفتقر لأي أفق عملي، خاصة أمام ما راكمه المغرب من دعم متزايد على الصعيد الدولي، داخل منظمة الأمم المتحدة وخارجها.
♦حضور يلقى دعم دولي
لفت القرقري أن المغرب ينهج مقاربة تراكمية تقوم على تعدد الواجهات الدبلوماسية من أجل استثمار التحول النوعي الذي تعرفه مواقف عدد من الدول، مبرزًا أن المملكة تشتغل بتناغم عبر القنوات الأممية، ومجلس الأمن، والدبلوماسية البرلمانية والحزبية، فضلًا عن الآليات الاقتصادية والثقافية.
وكشف أن هذا الحضور المتعدد الأبعاد يلقى دعمًا دوليًا واسعًا، تجلّى في تبني ثلاثة من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لمبادرة الحكم الذاتي بشكل صريح، إضافة إلى إعلان أكثر من مئة دولة عبر العالم تأييدها لهذا المقترح، وافتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما يعكس عمق الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وخلص إلى أن ما تشهده البيرو اليوم لا يمكن فصله عن الدينامية الدولية المتسارعة التي تحيط بملف الصحراء، مشددًا على أن المغرب يواصل بخطى واثقة ترسيخ شرعية مقترحه السياسي وتعزيز سيادته على كامل ترابه، في وقت يتراجع فيه خطاب الانفصال ويخسر آخر ما تبقى له من مصداقية وداعمين تقليديين.

