بادر المغرب، كعادته، إلى تقديم دعم فوري وفعّال لإسبانيا إثر أزمة انقطاع الكهرباء التي شهدتها المملكة الإيبيرية، في خطوة لقيت إشادة واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، واعتُبرت دليلاً إضافياً على عمق الشراكة بين البلدين.
وتندرج هذه المبادرة في إطار العلاقات المتينة التي نسجها المغرب مع إسبانيا، والتي تجاوزت حدود التعاون التقليدي لتشمل مجالات الأمن والطاقة والهجرة والتنسيق الدبلوماسي.
وتأتي هذه المبادرة في سياق إقليمي ودولي حساس، تتعاظم فيه أهمية الشراكات القائمة على الثقة والمصالح الاستراتيجية المشتركة، لا سيما بين دولتين تربطهما الجغرافيا والمصير المتقاطع بين الضفتين.
كما أن التحرك المغربي يعكس سياسة خارجية متوازنة قائمة على الالتزام والتضامن، ويعزز صورة المملكة كفاعل موثوق به في محيطه الإقليمي.
وفي الوقت ذاته، يُنظر إليه كرسالة واضحة بأن المغرب يضطلع بدور محوري في استقرار المنطقة الأورو متوسطية، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير أفق الشراكة المغربية الإسبانية نحو مزيد من التكامل الاستراتيجي، لاسيما في أفق التحديات المشتركة التي تواجهها أوروبا وأفريقيا.
♦دعم ثابت ومتجدد
أكد بوبكر أونغير، الفاعل الحقوقي والباحث في العلاقات الدولية، أن التدخل المغربي السريع والفعال لمساعدة إسبانيا خلال أزمة انقطاع الكهرباء الأخيرة، لم يكن سوى امتداداً طبيعياً لمواقف المغرب التاريخية الثابتة في الوقوف إلى جانب أصدقائه وجيرانه، في أوقات الشدة كما في أوقات الرخاء.
وشدد أونغير، في تصريح لجريدة “شفاف”، على أن هذا الموقف المغربي النبيل، الذي جرى تثمينه بشكل واسع من طرف مختلف القوى السياسية والإعلامية الإسبانية، يمثل أكثر من مجرد مبادرة ظرفية، بل هو تجسيد حي لروح التضامن الإقليمي، ولدور المغرب المحوري في أمن واستقرار المنطقة الأورومتوسطية.
وأضاف المتحدث أن المبادرة المغربية، التي جاءت بتعليمات سامية من جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، تكرس موقع المملكة كشريك استراتيجي يُعوّل عليه في الأزمات الكبرى، وتؤكد أن المغرب، بعلاقاته المتوازنة ومصداقيته الدبلوماسية، لا يتأخر أبدًا عن نجدة الشركاء، وأنه يشكل ركيزة أساسية في المعادلات السياسية والأمنية والطاقية في محيطه الجغرافي المباشر.
واعتبر أن الرسالة العلنية التي وجهها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والتي شكر فيها المغرب على دعمه العاجل، تحمل دلالات سياسية كبرى، تعكس من جهة الوعي الإسباني المتزايد بأهمية العلاقات مع المغرب، ومن جهة أخرى تُظهر حسن إدارة الرباط لعلاقاتها مع مدريد في إطار من النضج السياسي والانفتاح المتبادل. مضيفا أنها تكرّس منطق الثقة المؤسساتية، التي باتت تحكم التعاون الثنائي في ملفات شديدة الحساسية.
♦شراكة جيوستراتيجية ناجحة
أشار أونغير إلى أن هذه الواقعة الطاقية العابرة، سلطت الضوء على البعد الاستراتيجي للعلاقات المغربية الإسبانية، والتي تتجاوز الأبعاد التقليدية إلى شراكة متكاملة تشمل الأمن، والاقتصاد، والطاقة، ومكافحة الهجرة، والتنسيق الدبلوماسي، مؤكداً أن هذه الشراكة، في ظل الظرفية الجيوسياسية الإقليمية والدولية الحالية، أصبحت نموذجًا يُحتذى به لتكامل الجوار الجغرافي، خاصة أن المغرب وإسبانيا يحتلان موقعًا مفصليًا يربط بين أوروبا وأفريقيا، وهو ما يجعل من نجاح الشراكة بينهما نقطة ارتكاز أساسية لإنجاح التعاون الأورو-أفريقي.
وشدد المتحدث ذاته على أن الشراكة المغربية الإسبانية، في أبعادها المتعددة، باتت تشكل رهانا جيوسياسياً مهماً لقوى كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تراهن على دور الرباط ومدريد في تقوية الجبهة الأطلسية مع أفريقيا، بما يخدم الأمن الطاقي والغذائي والاقتصادي لكلا الضفتين.
وقال إن اللقاءات الملكية الأخيرة، وعلى رأسها استقبال جلالة الملك محمد السادس لوزراء دول الساحل، تأتي في هذا السياق، مؤكداً أن المغرب، بتوجهاته الملكية الثابتة، يرسخ موقعه كدولة داعمة للاستقرار والتنمية في أفريقيا، وهو ما يصب في صالح أمن واستقرار أوروبا، التي تمثل إسبانيا بوابتها الجنوبية.
♦عراقيل محدودة التأثير
حذّر أونغير من بعض الأصوات المعزولة، التي تنتمي لتيارات سياسية هامشية داخل إسبانيا، وتحظى في بعض الأحيان بدعم خارجي، خاصة من الجزائر، بهدف التشويش على مسار التعاون الثنائي بين الرباط ومدريد. إلا أنه شدد في المقابل على أن هذه الأصوات لا تعكس التوجه العام داخل الدولة الإسبانية، سواء على مستوى النخب السياسية أو على مستوى الرأي العام، الذي بات يُدرك تمامًا أن مصالح بلاده الاستراتيجية مرتبطة بشكل وثيق باستقرار المغرب، وتقدمه، وشراكته المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي.
ولفت إلى أن هذه الأصوات المعادية، التي تنشط أساسًا في بعض الأوساط الجامعية اليسارية، لا تُؤثر عملياً على جوهر العلاقات المغربية الإسبانية، التي تتسم بالقوة والتنوع والبراغماتية، مبرزًا في الآن ذاته أن هذه العلاقات بحاجة إلى تطوير دائم، لتشمل مجالات علمية وثقافية وتقنية واستخباراتية ومجتمعية، مع ضرورة تفعيل أدوات الدبلوماسية الموازية، خصوصاً في أوساط الطلبة والجمعيات، قصد التصدي لمحاولات التشويش وتقوية الروابط بين مكونات المجتمعين المدنيين في البلدين.
وأكد أونغير أن العلاقات بين الرباط ومدريد ينبغي أن تنتقل من منطق “الضرورة الجيوسياسية” إلى منطق “التكامل الاستراتيجي”، موضحاً أن على البلدين أن يعملا على تعزيز تبادل الخبرات في مختلف القطاعات، لا سيما في مجالات الحكامة الترابية، والإدارة المحلية، والإصلاح الإداري، والطاقات المتجددة، والبحث العلمي، والرياضة، والثقافة، لما لذلك من أثر في توسيع رقعة التعاون وتثبيت دعائم الصداقة.
وفي الشق الاقتصادي، أبرز أن للمغرب فرصا واعدة في توسيع استثماراته عبر الاستفادة من الخبرة الإسبانية المتقدمة، خاصة في مجال الطاقة، معتبراً أن تحديث الاتفاقيات التجارية والاقتصادية بين البلدين من شأنه خلق إطار جديد لشراكة مستدامة، تعزز النسيج الاقتصادي في كلا البلدين، وتفتح آفاقًا أمام تعاون أكثر دينامية وفعالية في مواجهة التحديات المشتركة.
وأضاف أن الرأي العام الإسباني، الذي بات أكثر وعيًا بمسؤولية المغرب الأمنية، يدرك أن المملكة تُعتبر حاجزًا أساسياً أمام تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يضع على عاتق المغرب أعباء اقتصادية واجتماعية وحقوقية كبيرة. كما يعرف الإسبان،
يضيف أونغير، أن المغرب شريك موثوق على المستوى الاستخباراتي في مواجهة التهديدات الإرهابية، وأن استقراره الداخلي يصب مباشرة في مصلحة إسبانيا، سواء من حيث الأمن أو الاقتصاد أو حتى من حيث الاستفادة من العمالة المغربية والخيرات الفلاحية القادمة من الجنوب.
♦آفاق تكامل واعدة
وفي هذا السياق، يرى أونغير أن الموقف الإسباني المعلن بدعم مغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي، لم يعد موقفًا ظرفيًا أو مرتبطًا بالحكومة الحالية، بل صار توجهًا يتعزز داخل المؤسسة السياسية الإسبانية ككل، ما يتطلب من الطرفين استثماره وتثبيته عبر مبادرات ملموسة، وتعزيز الشراكة الثلاثية المغربية-الإسبانية-البرتغالية، خاصة في أفق تنظيم كأس العالم 2030.
وأشار إلى أن الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء شكل تحولا عميقًا في التوازنات الجيوسياسية بالمنطقة، وأنه لم يكن قراراً معزولًا أو آنياً، بل توجهًا استراتيجيًا يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها المغرب رقماً صعباً في المعادلات الدولية. وهو ما على إسبانيا أن تستوعبه جيداً، لكيلا تتأخر عن ركب التحولات الكبرى التي يعرفها شمال أفريقيا.
وخلص أونغير تصريحه على أن تعميق العلاقات المغربية الإسبانية، وتحصينها ضد محاولات التشويش، يمر بالضرورة عبر تعزيز الثقة المؤسساتية، وتوسيع قنوات التواصل بين المجتمعين المدنيين، وتقوية الحضور الثقافي المغربي في الساحة الإسبانية، مع الاشتغال على الدبلوماسية الطلابية، ودعم المبادرات الأكاديمية والفكرية المشتركة، لأنها تشكل خط الدفاع الأول عن أي شراكة مستقبلية متوازنة ومستدامة بين ضفتي المتوسط.

