في سياق التحركات الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء المغربية، عبر كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، عن تفاؤل واشنطن بشأن التوصل إلى حل نهائي لقضية الصحراء المغربية، مؤكدا أن حل هذا النزاع سيسهم في تجاوز الخلاف بين المغرب والجزائر.
وأشار بولس إلى أن مجلس الأمن سيشهد في 30 أكتوبر استحقاقا مهما يخص الملف، مبرزا أن الولايات المتحدة تواصل العمل مع المغرب والجزائر وباقي الشركاء لإقرار صيغة قرار توافقي.
كما شدد على أن موقف واشنطن ثابت بشأن الاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، معتبرا مقترح الحكم الذاتي أفضل طرح للحل، ومؤكدا أن المغرب منفتح على الأفكار البناءة وأن الجزائر تبدي استعدادًا للنقاش.
تقرير غوتيريش يجدد الدعوة إلى حل سياسي واقعي للنزاع حول الصحراء المغربية… فهل تقترب لحظة الحسم؟
وأوضح بولس أن الجهود الأميركية تنصب على تقريب وجهات النظر داخل مجلس الأمن، بما في ذلك بحث تمديد ولاية بعثة المينورسو، معربا عن تفاؤله ببلوغ تسوية نهائية، بالنظر إلى الإرادة السياسية الواضحة التي عبّر عنها الملك محمد السادس.
♦الثبات الأمريكي المعلن
قال الغالي الغيلاني، الأستاذ بجامعة منظمة الأمم المتحدة للسلم، وأستاذ التعليم العالي بجامعة القاضي عياض، ورئيس المركز الدبلوماسي الدولي، إن تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، التي بثت على قناة “عربي Sky News”، تندرج في سياق دقيق يتزامن مع مناقشة ملف الصحراء المغربية بمجلس الأمن، في أفق صدور قرار جديد خلال الأسبوع الجاري.
وأوضح رئيس المركز الدبلوماسي الدولي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الموقف الأميركي يعكس دعما واضحا لوحدة المغرب الترابية، واعترافا بمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد لهذا النزاع الإقليمي المفتعل، مؤكدا أن هذا الموقف ثابت وغير قابل للتراجع، باعتباره موقفا رسميا للولايات المتحدة، وليس مجرّد توجّه ظرفي داخل الإدارة الأميركية.
وشدد المتحدث على أن واشنطن تساند المسار الأممي الذي يشرف عليه مجلس الأمن في إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، بما يعني اعتماد مقاربة سلمية لتسوية النزاعات.
كما لفت إلى أن الإدارة الأميركية تبدي تفاؤلا غير مسبوق بشأن التوصل إلى تسوية نهائية، خصوصا مع مرور خمسين سنة على بداية هذا النزاع الذي بات في حاجة إلى حل واقعي ومستدام.
واشنطن تؤكد جدية الحكم الذاتي… ما انعكاسات فتح قنصلية على النزاع في الصحراء المغربية؟
وأبرز أن التفاؤل الأميركي يمتد أيضا إلى العلاقات المغربية الجزائرية، إذ يرى الموقف الأميركي أن انفتاح الجزائر على النقاش البنّاء حول مبادرة الحكم الذاتي يمكن أن يمهّد لمرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن قرار مجلس الأمن رقم 2756 أشار خمس مرات إلى الجزائر باعتبارها طرفا رئيسيا في هذا النزاع، ما يكرّس مسؤوليتها المباشرة في مسار الحل.
♦الدلالات والضغوط الإقليمية
اعتبر الغيلاني أن توقيت التصريح الأميركي يعكس رغبة واشنطن في توظيف الزخم الدبلوماسي الذي أطلقه الملك محمد السادس لحسم هذا الملف ووضع حد لحالة الجمود التي طالت.
وأبان أن تصريحات بولس تتماهى مع الخط الملكي الداعي إلى “طي صفحة الماضي وفتح أفق جديد مع الجزائر”، في إطار رؤية مغربية ترتكز على حسن الجوار وتسوية الخلافات بالطرق السلمية ونبذ العنف.
بعد سحب الاعتراف.. الإكوادور تؤكد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية
وذهب إلى أن هذا التوجه يعبّر أيضا عن ضغط أميركي موجّه إلى النظام الجزائري للاستجابة لنداء الحوار وإعادة العلاقات الثنائية بعد القرار الأحادي بقطعها، والمشاركة من جديد في صيغة الطاولة المستديرة التي انسحب منها سابقًا.
وتابع إلى أن التطورات الحالية لا تقتصر على البعد الثنائي بين الرباط والجزائر، بل تمتد إلى البعد الإقليمي، بالنظر إلى التوترات التي تعرفها الجزائر مع دول الساحل، مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، معتبرا أن الضغط الأميركي يأتي في إطار رؤية أشمل لتفادي تفكك استقرار المنطقة وإعادة إحياء الاتحاد المغاربي.
♦التوقعات والتداعيات المنتظرة
توقف الغيلاني عند القرار المرتقب لمجلس الأمن، موضحًا أنه سيكون مبنيًا على التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، الذي أشار إلى استمرار خرق جبهة “البوليساريو” لاتفاق وقف إطلاق النار، وإلى الوضع الحقوقي المقلق في مخيمات تندوف، فضلًا عن انعكاسات التوتر المغربي الجزائري على مسار التسوية.
وكشف أستاذ التعليم العالي أن مضمون التقرير يعكس إدراكا أمميا متزايدا بضرورة إنهاء هذا النزاع وفتح صفحة جديدة من التعاون بين البلدين بما يخدم الاستقرار الإقليمي.
وأورد أن واشنطن، بصفتها “حاملة القلم” داخل مجلس الأمن وعضوا في مجموعة أصدقاء الصحراء إلى جانب فرنسا وإسبانيا وروسيا وبريطانيا، تميل إلى تبني موقف ينسجم مع الطرح المغربي، القائم على أن أي حل لا يمكن أن يكون خارج السيادة المغربية ولا خارج مبادرة الحكم الذاتي.
ولمح إلى أن أي قرار في هذا الاتجاه سيشكل انتصارا للدبلوماسية المغربية ويضع الجزائر أمام مسؤولياتها الدولية، موضحا أن بقاء الوضع على ما هو عليه لم يعد خيارا ممكنا، خاصة مع تزايد القناعة الدولية بأن الحل يكمن في احترام التزامات الأطراف ووقف جميع الخروقات.
وفي قراءته لتداعيات القرار على استقرار المنطقة، أشار إلى أن احتمال تبني مجلس الأمن موقفا داعما للحكم الذاتي قد يدفع الجزائر والبوليساريو إلى تصعيد إعلامي أو سياسي محدود، لكن دون القدرة على تغيير الاتجاه العام للمجتمع الدولي الذي حسم خياره نحو الواقعية والبراغماتية.
♦الآفاق والمصالح الجيوسياسية
وفي تحليله للخلفيات الجيوسياسية للموقف الأميركي، أوضح الغيلاني أن دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي لا ينفصل عن صراع النفوذ في المنطقة، سواء مع روسيا أو الصين، أو عن الحسابات الأمنية والاقتصادية المتعلقة باستقرار شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، مشيرا إلى أن مبادرة الحكم الذاتي تجاوزت الإطار الوطني لتصبح مبادرة ذات بعد دولي، بعد أن اعترفت بها أكثر من 122 دولة، أي ما يمثل نحو 60% من أعضاء الأمم المتحدة، معتبرين إياها إطارا جديا وواقعيا لإنهاء النزاع.
وأبرز أن دولا كبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة ذهبت أبعد من ذلك، بإعلان اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، مشيرا إلى أن محاولة تجاوز هذا المكتسب الدبلوماسي أو تشجيع خرق اتفاق وقف إطلاق النار يشكل تهديدا مباشرا للسلم والأمن الإقليميين، وانتهاكا لقرارات مجلس الأمن.
واعتبر الغيلاني أن الجزائر و“البوليساريو” باتتا في وضع صعب بعد أن تمكّنت الدبلوماسية الأميركية من محاصرتهما سياسيًا دون قطع قنوات التواصل، مراهنة على الحل ضمن رؤية “لا غالب ولا مغلوب”، مؤكدا على أن مبادرة الحكم الذاتي ليست مجرد نقطة انطلاق بل هي نقطة وصول نحو حل سياسي نهائي، يضمن للمغرب سيادته ووحدته الترابية، ويفتح المجال أمام إدارة ديمقراطية للشأن المحلي في الأقاليم الجنوبية.
إغلاق مكتب البوليساريو بدمشق..هل يشكل نقطة تحول في الموقف العربي من الصحراء المغربية؟
وخلص إلى أن المجتمع الدولي بات مقتنعا بأن المغرب أصبح ركيزة أساسية في معادلة الأمن والتنمية بإفريقيا، من خلال المشاريع المهيكلة التي أطلقها الملك محمد السادس والتي نالت إشادة واسعة في التقرير الأممي الأخير، ومؤكدا أن مشروع الحكم الذاتي يشكل اليوم ضمانة لاستقرار جيوسياسي واقتصادي في منطقة الساحل والصحراء، التي أصبحت مسرحًا للتنافس الدولي، وأن مبادرة المغرب تقدم نموذجا دبلوماسيا للحلول السلمية الواقعية، وتفتح أفقا جديدا أمام توازن إقليمي يقوم على التعاون بدل الصراع.

