خذرت دراسة صادرة عن معهد السياسات العامة MIPA Institute من اتساع الفجوة التنموية بين المجالين الحضري والقروي في المغرب، وهو ما يعزز ما بات يعرف في النقاش العمومي بـ“مغرب السرعتين”.
وترى الدراسة أن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية قد يشكل فرصة لتقليص هذه الفوارق، غير أن المنهجية المعتمدة لتنزيل هذه البرامج قد تثير تحديات مرتبطة بالحكامة الترابية واحترام الهندسة الدستورية لتدبير التنمية.
وأشارت الدراسة إلى أن الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش نبه إلى الطابع التراكمي للفوارق المجالية في المغرب، وما يترتب عنها من آثار اقتصادية واجتماعية.
كما دعا الخطاب إلى إدماج البعد الترابي في السياسات العمومية الهادفة إلى الحد من التفاوتات، مع التركيز على أربع أولويات رئيسية تتمثل في التشغيل، وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية، والتأهيل الترابي، والتدبير المستدام للموارد المائية.
ووأوضحت الدراسة أن المؤشرات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تعكس اتساع الفجوة بين الوسطين الحضري والقروي، حيث يتجه الفقر والهشاشة إلى التركز بشكل أكبر في المناطق القروية.
وأبرزت الدراسة ارتفاع مؤشر الفقر متعدد الأبعاد خلال الفترة بين 2014 و2024 بحوالي 4.6 نقاط، مدفوعا بارتفاع معدلات الفقر في العالم القروي. كما ارتفع معدل الهشاشة في هذه المناطق من 17.8 في المائة إلى 22.4 في المائة خلال الفترة نفسها، في وقت سجلت فيه المدن تراجعا نسبيا في هذا المؤشر.
ولفتت الدراسة إلى أن معدل البطالة في الوسط القروي عرف ارتفاعا ملحوظا، إذ انتقل من 10.5 في المائة سنة 2014 إلى 21.4 في المائة سنة 2024، نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي وضعف جاذبية الاستثمار في هذه المناطق.
وارتبطت هذه الوضعية، بحسب الدراسة، بضعف البنيات التحتية الأساسية، ومحدودية شبكات النقل والتوزيع، فضلا عن غياب منظومات لوجستيكية قادرة على دعم الأنشطة الاقتصادية وتسويق المنتجات المحلية.
وأكدت الدراسة أن هذه الاختلالات تؤدي إلى ما تصفه بـ“العزلة الاقتصادية” التي تعاني منها العديد من المناطق القروية، رغم توفرها على مؤهلات طبيعية وإمكانات تنموية مهمة.
وأشارت الدراسة إلى أن الفجوة بين المجالين الحضري والقروي تتجلى أيضا في قطاع التعليم، حيث يظل العرض التربوي في القرى محدودا مقارنة بالمدن، سواء من حيث البنيات التحتية أو الموارد البشرية.
كما سجلت الدراسة ضعف تزويد المدارس القروية بالتجهيزات الأساسية ومحدودية الربط بشبكة الإنترنت، وهو ما يساهم في تكريس تفاوت واضح بين تعليم حضري يشهد تحسنا تدريجيا وتعليم قروي يوصف في بعض الأحيان بأنه تعليم من الدرجة الثانية.
وترى الدراسة أن بعض السياسات التعليمية ساهمت بشكل غير مباشر في تعميق هذه الفجوة، من خلال تركيز بعض النماذج الإصلاحية الحديثة في الوسط الحضري، من بينها تجربة “المدرسة الرائدة”.
وشددت الدراسة أن التفاوتات المجالية تظهر بحدة أكبر في القطاع الصحي، حيث تعاني المناطق القروية من ضعف كبير في عرض الخدمات الصحية مقارنة بالمدن، حيث يظهر ذلك في محدودية المؤسسات الصحية المتاحة وفي ضعف توزيع الموارد البشرية الطبية.
ولفتت المعطيات إلى أن معدل الكثافة الطبية في بعض المناطق القروية لا يتجاوز طبيبا واحدا لكل عشرة آلاف نسمة، مقابل معدل وطني يقارب 8.7 أطباء.
كما تضطر أكثر من 55 في المائة من الساكنة القروية إلى قطع مسافة تتجاوز خمسة كيلومترات في المتوسط للوصول إلى أقرب مرفق صحي، وهو ما يطرح تحديات حقيقية تتعلق بالولوج الفعلي إلى الحق في الصحة.
وأبانت الدراسة أن الإجهاد المائي والتغيرات المناخية أضعفا أيضا الدور الاقتصادي للمجال القروي، خصوصا في ما يتعلق بتحقيق الأمن الغذائي. وترى أن بعض النماذج الفلاحية المعتمدة ما تزال تعتمد على زراعات كثيفة الاستهلاك للمياه، وهو ما يفاقم الضغط على الموارد المائية في سياق يتسم بتراجع التساقطات.
وذهبت الدراسة إلى أن هذه التحولات تسهم في بروز ما يسمى بالهجرة المناخية، حيث تدفع الظروف البيئية والاقتصادية المتدهورة عددا متزايدا من السكان إلى مغادرة القرى نحو المدن، الأمر الذي يخلق ضغطا إضافيا على البنيات الحضرية.
ولفتت الدراسة الانتباه إلى أن العديد من البرامج الحكومية التي استهدفت تقليص الفوارق المجالية لم تخضع لتقييم شامل رغم الميزانيات الكبيرة التي رصدت لها، مبرزة أن بين هذه البرامج برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في الوسط القروي الذي امتد بين 2017 و2023، والذي خصص له غلاف مالي بلغ حوالي 50 مليار درهم دون صدور تقييم موضوعي شامل لنتائجه.
وحثت الدراسة أن تحديد الأولويات الجديدة للعدالة المجالية يجب أن يرافقه تقييم دقيق للتجارب السابقة بهدف استخلاص الدروس وتفادي تكرار الاختلالات.
وذكرت الدراسة أن المرحلة الجديدة لمحاربة الفوارق المجالية أعقبت الخطاب الملكي بعقد اجتماع استثنائي للحكومة لتحديد أجندة العدالة المجالية. وقد ترأس هذا الاجتماع وزير الداخلية، في خطوة اعتبرتها الدراسة ذات دلالات سياسية وإدارية، خصوصا في سياق التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وسجلت الدراسة أن وزارة الداخلية أصدرت دورية في غشت 2025 تدعو إلى إعداد جيل جديد من برامج التنمية الترابية، مع الاعتماد بشكل أساسي على النموذج التنموي الجديد كمرجعية لتوجيه هذه البرامج.
وأفادت الدراسة بأن العمال أشرفوا خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر ونونبر 2025 على تنظيم لقاءات تشاورية مع الفاعلين الترابيين لتشخيص الحاجيات التنموية على مستوى الأقاليم، مبينة أن هذه اللقاءات اتخذت في كثير من الحالات طابعا تواصليا أكثر منه تشاركيا، بسبب الإيقاع السريع لعملية الإعداد، وهو ما حد من مشاركة المنتخبين في تحديد الأولويات الفعلية للبرامج.
وطرحت الدراسة عددا من الإشكالات المرتبطة بالمنهجية الجديدة لتدبير برامج التنمية الترابية، من بينها احتمال بروز نزعة نحو اعتماد الإقليم كوحدة أساسية لتوزيع المشاريع بدل الجهة، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف المنظور الجهوي الذي أقره دستور 2011.
كما تشير الدراسة إلى أن بعض الترتيبات المؤسساتية قد تؤدي إلى تعزيز دور الإدارة الترابية على حساب المجالس المنتخبة، وهو ما قد يطرح تساؤلات حول التوازن بين اللامركزية واللاتمركز في تدبير التنمية الترابية.
وأظهرت الدراسة أن قانون المالية لسنة 2026 خصص موارد مالية جديدة لتمويل برامج التنمية الترابية المندمجة، من خلال توسيع نفقات الحساب الخصوصي المتعلق بحصة الجماعات الترابية من الضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى تحويل صندوق التنمية القروية والمناطق الجبلية إلى صندوق التنمية الترابية المندمجة، حيث حدد الغلاف المالي لهذا الصندوق في حوالي 20 مليار درهم، منها خمسة مليارات درهم كنفقات مباشرة وخمسة عشر مليار درهم كترخيصات للالتزام.
ولفتت الدراسة إلى أن مسؤولية الآمر بالصرف في هذا الصندوق أصبحت من اختصاص وزير الداخلية بدل رئيس الحكومة، وهو ما أثار نقاشا داخل الحكومة أثناء إعداد قانون المالية، مؤكدة على ضرورة إشراك الجماعات الترابية
وأبانت الدراسة أن الجماعات الترابية مطالبة بالمساهمة ماليا في تمويل البرامج الجديدة، وهو ما يعني أنها ستشارك في التمويل بشكل مزدوج، مظهرة أن هذا الوضع قد يحد من استقلاليتها المالية ويضعف قدرتها على تنفيذ برامجها التنموية الخاصة، ما يجعل إشراكها الفعلي في التخطيط والتدبير أمرا ضروريا.
شددت الدراسة على أهمية تحقيق التقائية بين الاستراتيجيات القطاعية ومخططات الجماعات الترابية، بما يشمل التصاميم الجهوية لإعداد التراب وبرامج التنمية الجهوية وبرامج عمل الجماعات وبرامج تنمية العمالات والأقاليم.
وترى أن تحقيق العدالة المجالية يتطلب صياغة مخططات ترابية تستحضر خصوصيات كل مجال ترابي وحاجياته الفعلية، بدل الاكتفاء بتكييف محدود لسياسات مركزية موحدة، داعية إلى اعتماد التعاقد الترابي
واقترحت الدراسة اعتماد آلية التعاقد الترابي بين الدولة والفاعلين المحليين من خلال عقود جهوية للتنمية تحدد الالتزامات المتبادلة لتنفيذ المشاريع التنموية، كما أوصت بإحداث لجنة وطنية لمواكبة برامج محاربة التفاوتات المجالية تضم ممثلي القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية ورؤساء الجهات، مضيفة أن إحداث لجان جهوية ولجان إقليمية للتنسيق تتولى برمجة المشاريع وتتبع تنفيذها بمشاركة ممثلي الإدارة والمجالس المنتخبة والمؤسسات العمومية.
وأكدت الدراسة على ضرورة اعتماد آليات تقييم تشاركية تركز على قياس الأثر الاجتماعي للمشاريع، من خلال إصدار تقارير دورية على المستوى الوطني وإشراك الفاعلين المحليين والمجتمع المدني في عمليات التتبع والتقييم على المستوى الترابي، مقترحة إحداث منصات رقمية لتلقي الملاحظات وقياس أثر المشاريع اعتمادا على مؤشرات واضحة ومحددة.
وخلصت الدراسة أن المقاربة الجديدة لتجاوز “مغرب السرعتين” قد تفتح آفاقا لتجديد السياسات العمومية في مجال العدالة المجالية، إذا ما تم توظيفها لتعزيز التنسيق بين البرامج القطاعية والمشاريع الترابية.
وحذرت الدراسة في المقابل من أن منح الإدارة الترابية دورا تنفيذيا واسعا في تصميم وتنفيذ البرامج قد يؤدي إلى بروز تدبير ترابي موازٍ يقلص من دور المجالس المنتخبة، وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة تنموية تحترم مبادئ الحكامة الترابية المنصوص عليها دستوريا وتستند إلى إشراك فعلي للفاعلين المحليين في تخطيط وتنفيذ السياسات التنموية.

