حذر المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة في دراسة سياسية جديدة من تداعيات ما وصفه بـ“زلزال جيوسياسي” في الشرق الأوسط، عقب اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وتناولت الدراسة، المعنونة بـ“الحرب على إيران وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك السياسي”، انعكاسات هذا التصعيد على بنية النظام الدولي، والقانون الدولي، وآليات التفاوض السياسي في المرحلة المقبلة.
وسجّلت الورقة السياسية أن الساعات الأولى من صباح 28 فبراير 2026 شهدت تحولا نوعيا في المشهد الدولي مع اندلاع الحرب، معتبرة أن الأمر لا يتعلق بمجرد تصعيد عسكري عابر، بل بتحول عميق في قواعد الاشتباك السياسي والأمني على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشارت الدراسة إلى أن الهجوم جاء في توقيت حساس، بعد نحو 48 ساعة فقط من اختتام جولة مفاوضات مكثفة في جنيف، أبدت خلالها الأطراف مؤشرات تقدم واستبعدت خيار الحرب، نبرزة أن هذه أن الضربات العسكرية تزامنت مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول منح المفاوضات وقتا إضافيا، وهو ما وصفه مراقبون بـ“الخديعة الدبلوماسية”.
كما لفتت إلى أن الهجوم لم يقتصر على المنشآت النووية، بل استهدف أيضا قيادات عليا، من بينها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، ما رفع مستوى المواجهة إلى درجة غير مسبوقة من الخطورة.
واعتبرت الدراسة أن الحرب تعلن نهاية مرحلة “حروب الوكلاء” التي طبعت الصراعات الإقليمية لسنوات، مع الانتقال إلى نمط المواجهة المباشرة بين القوى المنخرطة في الصراع، مبرزة أن اتساع الدور الأمريكي العملياتي والسياسي، بما وفر غطاءً عسكرياً ودبلوماسياً واضحاً للعمليات الإسرائيلية.
وربطت الورقة السياسية بين التصعيد العسكري وجملة من الدوافع الاقتصادية والتكنولوجية، في مقدمتها أمن الطاقة العالمي، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز موقعها في سوق الطاقة لضمان استقرار إمدادات المراكز الضخمة للبيانات ومشاريع الذكاء الاصطناعي.
كما رأت أن الحرب تشكل أداة ضغط في سياق التنافس الجيو-اقتصادي مع الصين، من خلال التأثير على استقرار إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها الصناعات الصينية بشكل كبير، إضافة إلى المخاوف المرتبطة باضطراب سلاسل التوريد التكنولوجية العالمية، خصوصا في قطاع أشباه الموصلات المرتبط بالاقتصاد الآسيوي.
وتوقفت الدراسة عند ردود الفعل الإقليمية، مشيرة إلى توجه إيران نحو تعزيز قدراتها في مجال الردع السيبراني واستهداف البنى التحتية الحيوية والأنظمة المالية، إلى جانب توسيع نطاق الهجمات لتشمل دولاً خليجية في محاولة لرفع كلفة المواجهة.
كما رصدت امتداد الصراع إلى الساحة اللبنانية، حيث اندلعت مواجهات واسعة بين إسرائيل وحزب الله خلفت مئات الضحايا وتسببت في موجات نزوح.
وذهبت الدراسة كذلك إلى الجدل القانوني الذي أثارته الحرب، بعدما وصفت طهران الهجوم بأنه انتهاك جسيم للقانون الدولي، بينما اعتبر عدد من الخبراء أن الأحداث كشفت هشاشة المنظومة الدولية وقدرة القوى الكبرى على تجاوز القواعد الأممية تحت مبررات “الدفاع الاستباقي”.
خلصت الورقة السياسية إلى أن المواجهة الحالية تضع النظام الدولي القائم على القواعد أمام اختبار تاريخي، مرجحة أن تتجاوز أهداف الحرب الملف النووي الإيراني نحو محاولة الدفع بمرحلة “انتقال قسري” في بنية الحكم داخل إيران، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتوقعات بانكماش الناتج المحلي الإيراني خلال عام 2026.

