قضت المحكمة ابتدائيا وحضوريا بإدانة المتهمين في قضية الفتاة في وضعية إعاقة ذهنية بمنطقة أغبالا، والحكم على كل واحد منهم بخمس سنوات سجنا نافذا، مع تحميلهم الصائر دون إجبار، وإشعارهم بأجل الاستئناف، في قرار أعاد النقاش حول حماية النساء والفتيات ذوات الإعاقة من مختلف أشكال العنف والانتهاك.
وأصدرت هيئة الحكم قرارها بعد صرف النظر عن المسطرة الغيابية، قبل أن تقضي في الدعوى المدنية التابعة بقبولها شكلا وموضوعا، والحكم على المدانين بأداء تعويض تضامني لفائدة المطالبة بالحق المدني قدره عشرون ألف درهم، مع الصائر والإجبار في الأدنى.
ويأتي هذا الحكم في سياق تزايد المطالب الحقوقية بتشديد الحماية القانونية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، خاصة النساء والفتيات بالمناطق القروية، وسط دعوات إلى تعزيز آليات التكفل والمواكبة النفسية والقانونية، وضمان عدالة تراعي الهشاشة الاجتماعية وظروف الضحايا.
وأثار منطوق الحكم تفاعلا واسعا داخل الأوساط الحقوقية والمدنية، بالنظر إلى طبيعة القضية وحساسيتها، حيث اعتبرت فعاليات مهتمة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن القرار القضائي يشكل خطوة في اتجاه تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، مع التأكيد في المقابل على ضرورة مواكبة الأحكام القضائية بسياسات عمومية وقائية تحول دون تكرار مثل هذه الانتهاكات.
♦الحكم القضائي خطوة أولى
اعتبرت سميرة بختي، رئيسة المنظمة المغربية للنساء في وضعيات إعاقة، أن الحكم الصادر في قضية الفتاة في وضعية إعاقة ذهنية بمنطقة أغبالا يشكل “رسالة قانونية مهمة” في اتجاه تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، بعدما قضت المحكمة ابتدائيا وحضوريا بمؤاخذة المتهمين والحكم على كل واحد منهم بخمس سنوات سجنا نافذا، مع تحميلهم الصائر دون إجبار وإشعارهم بأجل الاستئناف، إلى جانب الحكم بأداء تعويض مدني تضامني لفائدة الضحية قدره عشرون ألف درهم.
وأشادت بختي في تصريح لجريدة “شفاف”، باستقلالية القضاء المغربي في التعاطي مع هذا الملف، معتبرة أن صدور حكم بالإدانة في قضية تمس فتاة في وضعية إعاقة ذهنية يعكس وعيا متزايدا بخطورة الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات ذوات الإعاقة، خاصة حين يتعلق الأمر بضحايا يجدن أنفسهن في مواجهة أوضاع اجتماعية ونفسية وقانونية معقدة.
وأكدت المتحدثة أن المنظمة تابعت منذ بداية القضية مختلف تطوراتها القضائية والحقوقية، بالنظر إلى حساسية الملف وارتباطه بحقوق فئة تواجه أشكالا متعددة من التمييز والعنف، مضيفة أن الحكم، رغم أهميته، لا يمكن اعتباره نهاية للمسار، بل خطوة ضمن مسار أوسع يقتضي تعزيز الحماية القانونية والمؤسساتية للنساء في وضعيات إعاقة.
وأبرزت أن العدالة الجنائية، على أهميتها، تبقى غير كافية إذا لم تواكب بإجراءات وقائية وسياسات عمومية فعالة، قادرة على منع تكرار مثل هذه الاعتداءات، مشيرة إلى أن العقوبات القضائية وحدها لا تستطيع معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل النساء والفتيات ذوات الإعاقة أكثر عرضة للعنف والاستغلال.
♦هشاشة مركبة تتفاقم
لفتت رئيسة المنظمة المغربية للنساء في وضعيات إعاقة، إلى أن ما تعرضت له الضحية بأغبالة يعكس “الهشاشة المركبة” التي تعيشها النساء والفتيات ذوات الإعاقة، خصوصا في المناطق القروية والهامشية، حيث تتداخل عوامل الفقر والعزلة وضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية مع غياب آليات الحماية والتكفل.
وأوضحت أن النساء في وضعيات إعاقة يواجهن صعوبات مضاعفة في التبليغ عن الانتهاكات التي يتعرضن لها، سواء بسبب العراقيل المرتبطة بالتواصل والتنقل أو نتيجة الخوف من الوصم الاجتماعي، فضلا عن غياب مواكبة متخصصة تستجيب لخصوصياتهن النفسية والقانونية والاجتماعية.
وأضافت بختي أن عددا من الضحايا يجدن أنفسهن أمام مساطر معقدة وإجراءات غير مهيأة لاستقبال الأشخاص في وضعية إعاقة، الأمر الذي قد يحول دون وصولهن إلى العدالة بالشكل المطلوب، داعية إلى تبسيط المساطر القضائية والإدارية وتوفير التيسيرات الإجرائية الكفيلة بضمان حقهن في الإنصاف والمتابعة القانونية السليمة.
وشددت على أن المقاربة التقليدية في التعاطي مع قضايا العنف ضد النساء لم تعد كافية، لأن وضعية الإعاقة تفرض اعتماد رؤية أكثر شمولية تراعي التقاطع بين النوع الاجتماعي والإعاقة، وتأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المرتبطة بكل حالة، سواء على مستوى الحماية أو التكفل أو المواكبة القضائية.
ونبهت إلى أن استمرار بعض الصور النمطية المرتبطة بالأشخاص ذوي الإعاقة يساهم بدوره في تعميق الهشاشة، معتبرة أن عددا من الضحايا يتعرضون للتهميش أو لعدم التصديق، وهو ما يفرض تعزيز التوعية المجتمعية بحقوق النساء والفتيات في وضعيات إعاقة وترسيخ ثقافة احترام الكرامة الإنسانية وعدم التمييز.
♦مطالب بحماية شاملة
دعت سميرة بختي إلى إقرار سياسات عمومية مندمجة ومندمجة بشكل فعلي لحماية النساء والفتيات ذوات الإعاقة من مختلف أشكال العنف، سواء الجسدي أو النفسي أو الجنسي، مؤكدة أن المرحلة الحالية تستوجب الانتقال من منطق التفاعل مع الحالات الفردية إلى بناء منظومة حماية مستدامة وقائمة على الوقاية.
وطالبت بتعزيز الولوجيات داخل المؤسسات القضائية والأمنية والصحية، بما يسمح للنساء في وضعيات إعاقة بالاستفادة من الخدمات الأساسية دون عراقيل، مع توفير وسائل التواصل والتأطير الملائمة التي تراعي طبيعة الإعاقة وتضمن لهن معاملة تحفظ الكرامة والخصوصية.
كما شددت على ضرورة توفير المواكبة النفسية والقانونية والاجتماعية للضحايا، معتبرة أن الإنصاف الحقيقي لا يقتصر على إصدار الأحكام القضائية، بل يمتد إلى ضمان إعادة الإدماج والحماية والدعم المستمر، حتى لا تتحول معاناة الضحايا إلى عبء دائم يفاقم أوضاعهن الاجتماعية والنفسية.
وأبرزت أن مسؤولية حماية النساء والفتيات في وضعيات إعاقة لا تقع على عاتق القضاء وحده، بل تشمل مختلف المؤسسات والقطاعات الحكومية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام، داعية إلى تنسيق الجهود من أجل بناء بيئة دامجة وآمنة تحترم الحقوق الأساسية لهذه الفئة.
ورأت المتحدثة أن الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان تفرض اعتماد عدالة منصفة وحساسة لقضايا النوع والإعاقة، بما يضمن المساواة في الولوج إلى الحماية القانونية والخدمات العمومية، ويكرس مبدأ الكرامة الإنسانية كمرتكز أساسي لأي سياسة عمومية.
وجددت بختي تأكيدها على أن قضية أغبالة يجب أن تتحول إلى محطة للتفكير الجدي في سبل حماية النساء والفتيات ذوات الإعاقة من العنف والإقصاء، مشيرة إلى أن بناء مجتمع عادل ودامج يمر عبر ضمان حقوق الفئات الأكثر هشاشة، وتوفير آليات فعلية للإنصاف والحماية وعدم التمييز.

