أثارت تصريحات النائب البرلماني السابق عمر بلافريج، الذي حل ضيفا أمس على منصة “ديسكور” ضمن فعاليات شباب جيل “زيد”، نقاشا في الأوساط السياسية المغربية حول صعوبة تحقيق الإصلاح من داخل المؤسسات.
ويُلاحظ أن هذا الجيل يميل إلى الابتعاد عن القنوات التقليدية للمشاركة السياسية، مثل الانخراط الحزبي أو التصويت، لكنه يعبر عن وعيه السياسي عبر الاحتجاج، والمقاطعة المنظمة، والمبادرات الرقمية، ما يجعل خطاب بن لافريج يحظى باهتمام خاص لدى هذه الفئة.
وتفتح هذه التصريحات المجال لنقاش أوسع حول قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات الشباب الجديدة، وضرورة مراجعة أساليب التواصل والخطاب السياسي بما يتلاءم مع قيمهم واهتماماتهم المتغيرة، بعيدا عن الاكتفاء بالاعتماد على التجارب التاريخية السابقة.
جيل زد والاحتجاجات العنيفة… هل يعكس التخريب شعورا بالحرمان أم خللا مؤسسيا في التأطير الاجتماعي؟
♦أزمة الثقة بين الدولة والشباب
أكد الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، أن الموقف الذي عبّر عنه النائب البرلماني السابق عمر بن لافريج بشأن “صعوبة الإصلاح من داخل المؤسسات” ليس جديدا في الساحة السياسية المغربية، بل يعكس أحد التوجهات الثلاثة المطروحة ضمن النقاش العمومي حول مسار الإصلاح.
وأوضح العسري، في تصريح لجريدة شفاف، أن هناك من يعتبر أن التغيير لا يمكن أن يتحقق إلا من خارج المؤسسات، مقابل من يرى أن الإصلاح ممكن من داخلها، فيما يتبنى الحزب الاشتراكي الموحد موقفاً ثالثاً يقوم على الجمع بين النضال داخل المؤسسات والعمل الشعبي الميداني.
وأضاف أن التجربة السياسية الوطنية أظهرت أن التحولات الكبرى التي عرفها المغرب لم تكن نتيجة دينامية مؤسساتية بحتة، بل جاءت في الغالب بفعل ضغط الشارع والحركات الاجتماعية، معتبرا أن هذا الواقع يؤكد أن التغيير لا يمكن حصره في العمل البرلماني أو الانتخابي فقط.
وفيما يتعلق بمسألة مشاركة الشباب في الحياة السياسية، شدّد العسري على ضرورة تجاوز مقاربة “نسب التصويت” كمؤشر وحيد، مبرزاً أن المقاطعة تعدّ شكلا من أشكال التعبير السياسي، وليست مجرد عزوف أو لا مبالاة.
“جيل Z 212”.. هل يسعى الشباب لإعادة رسم خريطة التوازنات الاجتماعية والسياسية؟
وأشار إلى أن وزارة الداخلية وبعض الأحزاب تروّج، بحسب تعبيره، لخطاب “العزوف السياسي” لتبرير ضعف المشاركة، في حين يرى أن الشباب يمارسون فعلا سياسيا مختلفا من خلال الاحتجاج، والتعبير، والمقاطعة المنظمة.
وأضاف قائلا إن “ما يقوم به الشباب ليس تعبيرا عن اللامبالاة، بل هو موقف سياسي واضح، يعكس رفضهم الانخراط في مسار لا يحقق النتائج التي ينتظرونها.”
♦دولة تُقصي الشباب عمدا
قال الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، إن السلطات تسهم بشكل مباشر في ضعف مشاركة الشباب السياسية، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ”منظومة إدارية تتسم بالتعقيد وتفتقر إلى الجاذبية”.
وذهب العسري إلى أن عددا من المواطنين يواجهون صعوبات يومية داخل الإدارات العمومية، حيث تتحول بعض المعاملات إلى تجربة تولّد شعورا بعدم الارتياح، ما ينعكس سلبا على علاقتهم بالمؤسسات، متسائلا عن جدوى مطالبة الشباب بالتسجيل في اللوائح الانتخابية في ظل ما يصفه بغياب بيئة إدارية مشجعة.
واعتبر أن الإجراءات البيروقراطية تمثل أحد العوائق أمام انخراط المواطنين في الحياة العامة، مقترحا اعتماد البطاقة الوطنية كآلية تلقائية للتسجيل في اللوائح الانتخابية، باعتبارها أداة قادرة على تبسيط المساطر وضمان المشاركة دون إجراءات إضافية.
“إسقاط” حكومة أخنوش ..هل يضع الخطاب الملكي حداً للتأويلات حول صلاحيات إعفاء رئيس الحكومة ؟
ولفت المتحدث إلى وجود “تباين بين الخطاب والممارسة” فيما يتعلق بدعم الشباب، موضحا أن هناك فجوة بين الدعوات الرسمية لتوسيع مشاركتهم السياسية والواقع العملي الذي، وفق رأيه، لا يتيح لهم الفرص الكافية للتعبير والمشاركة.
وأورد أن المقاطعة أو الاحتجاج يشكلان بدورهما شكلا من أشكال التعبير السياسي، وأن حصر الممارسة السياسية في التصويت فقط لا يعكس حقيقة المشاركة المجتمعية الأوسع.
وفيما يتعلق بعلاقة الأحزاب بالإعلام، يرى العسري أن ضعف حضور بعض الأحزاب في وسائل الإعلام العمومية يؤثر على تواصلها مع فئة الشباب، مشيرا إلى أن هذه الفئة غالبا ما تبني مواقفها استنادا إلى الصورة العامة المتداولة عن الأحزاب السياسية.
وكشف العسري أن حزبه يواجه صعوبات في الوصول إلى المنابر الإعلامية العمومية، مؤكدا أن الصحافة المستقلة تمثل المنفذ الأبرز لنقل مواقفه إلى الرأي العام.
♦إصلاح الخطاب وتجديد الوسائل
اعترف الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، بجرأة على أن الأحزاب التقدمية تتحمل بدورها جزءا من المسؤولية في أزمة الثقة بين المواطن والسياسة، موضحا أن ضعف التواصل مع الأجيال الجديدة يرتبط باستمرار اعتماد أساليب تقليدية وخطاب لم يواكب تحولات العصر.
وبين العسري أن على الأحزاب اليسارية تطوير لغتها السياسية وتجديد أسلوب تواصلها مع المواطنين، معتبرا أن الخطابات التي تركز على مفردات النضال والمعاناة والاعتقال لم تعد تحظى بنفس التفاعل لدى الشباب، الذين يبحثون اليوم عن مشاريع واقعية تفتح آفاقا جديدة وتعزز الأمل في المستقبل.
وأظهر أن التحدي المطروح أمام الأحزاب التقدمية يتمثل في مواكبة التحول الرقمي، سواء في الفكر أو في أدوات العمل، مشيرا إلى أن عددا من هذه الأحزاب ما تزال متأخرة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وتتفاعل مع الفضاء الرقمي بعقلية تعود إلى عقود سابقة.
الاحتجاجات الشبابية في المغرب المطالبة بتحسين الخدمات الأساسية… كيف ستتعاطى الحكومة معها؟
وتابع أن المنصات الرقمية تعرف تحولات متسارعة، إذ تراجع دور فيسبوك في التواصل مع الشباب لصالح تطبيقات جديدة مثل تيك توك وإنستغرام، ما يتطلب، حسب تعبيره، تحديثا جذريا في أدوات التواصل وأساليبه.
وشدد العسري على ضرورة إحداث “ثورة تنظيمية وتكنولوجية داخل الأحزاب”، تشمل تحديث آليات العمل والخطاب السياسي ليصبح أكثر ارتباطاً بالقضايا اليومية للمواطنين، مبينا أن الاعتراف بالأخطاء يمثل خطوة أساسية نحو استعادة الثقة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع.
واعتبر الفاعل السياسي في الأخير أن إعادة بناء هذه الثقة تستدعي جهدا مشتركا، يقوم من جهة على انفتاح الدولة وتوسيع فضاء المشاركة السياسية، ومن جهة أخرى على تجديد الأحزاب لخطابها وأساليب عملها بما يتناسب مع تطلعات الجيل الجديد وروح العصر.

