بقلم : أمين الحميدي
في اللحظات العصيبة التي تختبر فيها الأوطان قوة نسيجها الاجتماعي، لا تُقاس المواقف بكثرة الخطاب، بل بصدق المبادرات. هكذا برزت، في خضم تداعيات الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت عدداً من مناطق المملكة، مبادرة إنسانية وازنة حملت توقيع رئيس المجلس الإداري للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، السيد مولاي إبراهيم العثماني ، لتؤكد أن روح التعاضد ما تزال حية، نابضة بالفعل قبل القول.
فأمام مشاهد الخسائر التي طالت المساكن وموارد العيش، و أمام قلق الأسر التي باغتتها السيول، اختارت التعاضدية أن تنحاز، مرة أخرى، لوظيفتها النبيلة: وظيفة التضامن. حيث تقرر وضع دور الراحة التابعة لها رهن إشارة السلطات المحلية، لاستقبال و إيواء المتضررين، في خطوة اختزلت كثيراً من المعاني الإنسانية العميقة.
لم تكن المبادرة مجرد إجراء إداري عابر، بل بدت أقرب إلى إعلان أخلاقي بأن المؤسسات الاجتماعية لا تنفصل عن محيطها، و لا تنكفئ على أدوارها التقنية الصرفة.
فتحُ فضاءات الراحة في وجه المنكوبين، بما توفره من شروط الكرامة الإنسانية، حمل رسالة واضحة:
أن التعاضد ليس مفهوماً نظرياً، بل ممارسة يومية تتجدد كلما دعت الحاجة.
لقد تحولت تلك الفضاءات، في لحظة استثنائية، من مرافق للاستجمام إلى حضن تضامني دافئ، يخفف وطأة الفقد، و يمنح المتضررين بعض الطمأنينة في زمن الاضطراب.
تعكس هذه الخطوة ملامح الرؤية التي يقود بها مولاي إبراهيم العثماني سفينة التعاضدية، رؤية تمزج بين الحكامة التدبيرية و البعد الإنساني، و تربط الأداء المؤسساتي بنبض المجتمع و انتظاراته.
ففي زمن الأزمات، تحتاج المؤسسات إلى قيادات لا تكتفي بتدبير الملفات، بل تُحسن قراءة اللحظة الوطنية، و تُعبئ الإمكانات حيث يكون الأثر أعمق و الاحتياج أكبر.
و هنا، بدت المبادرة وكأنها ترجمة عملية لفلسفة كاملة في العمل التعاضدي، قوامها أن خدمة المنخرط تمتد، عند الضرورة، إلى خدمة المجتمع بأسره.
تأتي هذه المبادرة في تناغم مع التعبئة الوطنية الشاملة التي تقودها مختلف المؤسسات، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لمواجهة آثار الكوارث الطبيعية و التخفيف من تداعياتها الاجتماعية.
و هي تعبئة لا تكتمل إلا بانخراط الفاعلين الاجتماعيين، و في طليعتهم مؤسسات الحماية الاجتماعية، التي تملك من القرب و المرونة ما يؤهلها للتدخل السريع و الفعّال.
ليست هذه الخطوة معزولة عن تاريخ التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، بل تندرج ضمن مسار طويل من المبادرات ذات البعد الاجتماعي، التي جعلت من المؤسسة فاعلاً مكملاً للدولة في ترسيخ الحماية الاجتماعية.
فالتعاضد، في جوهره، هو إيمان جماعي بأن قوة المجتمع في تماسكه، و أن مواجهة المحن لا تكون إلا بتقاسم الأعباء.
في زمن الفيضانات، حيث تجرف المياه الحجر و الشجر، يبقى التضامن وحده القادر على تثبيت الإنسان.
و في مثل هذه اللحظات، تُولد المعاني الكبيرة من مبادرات تبدو بسيطة في ظاهرها، عظيمة في أثرها.
هكذا اختارت التعاضدية، بقيادة مولاي إبراهيم العثماني، أن تكون حيث يجب أن تكون:
قريبة من الألم… حاضرة بالفعل… شاهدة على أن التعاضد ليس شعاراً يُرفع، بل قيمة تُعاش.
مبادرة كتبت سطورها بلغة إنسانية خالصة، عنوانها الأبرز:
**أن المؤسسات، مثل الأوطان، تُقاس عظمتها بقدرتها على احتضان أبنائها في زمن الشدة.**

