في خطوة تشريعية لافتة، كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن توجه حكومي لتشديد القوانين المرتبطة بحمل السلاح الأبيض، مؤكدا في جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب أن النصوص الجاري إعدادها ستتضمن مقتضيات أكثر صرامة، خاصة ضد القاصرين الذين يتم ضبطهم وهم يحملون أدوات حادة في الشوارع، على أن تشمل المساءلة الجنائية أولياء أمورهم، ويأتي هذا الإعلان في سياق تنامي حوادث العنف المرتبطة باستعمال السلاح الأبيض، والتي خلفت ضحايا في صفوف المواطنين، من ضمنهم أطفال وموظفو أمن، في مشاهد باتت تقض مضجع المجتمع.
ولكن في ظل هذا التوجه الزجري، تبرز تساؤلات ضمنية حول حدود نجاعة المقاربة القانونية وحدها في التصدي للظاهرة، ومدى واقعية تحميل الأسرة وحدها تبعات سلوك أبنائها، خصوصًا في بيئات اجتماعية تعاني من هشاشة متعددة الأبعاد، وكما يطرح الأمر إشكالات تتعلق بتقاطع القانون مع أدوار المدرسة والإعلام والمجتمع المدني في الوقاية من جنوح الأحداث نحو العنف، وما إذا كانت المقاربة العقابية قادرة فعليًا على معالجة الأسباب البنيوية لهذه الانزلاقات.
مشروع قانون مراجعة المسطرة الجنائية ..هل يحقق العدالة و المساواة؟
♦ نقاش صحي ومطلوب
يرى مراد فوزي، المحامي بهيئة المحامين بالدارالبيضاء، ورئيس جمعية حقوق وعدالة، أن النقاش الجاري حول تشديد العقوبات المرتبطة بحمل السلاح الأبيض، خصوصًا من طرف القاصرين، نقاش صحي وضروري.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”؛ يميّز فوزي بين المسؤولية الجنائية من جهة، التي لا يمكن تحميلها للآباء، وبين المسؤولية الأخلاقية التي تقع عليهم بشكل مباشر، باعتبارهم مسؤولين عن التربية والتقويم والتوجيه.
ومن وجهة نظره، فإن هذا النقاش ينبغي أن يظل في إطاره الصحيح، بحيث لا يتحول إلى مجرد توجه عقابي يهدف إلى الزجر، بل يجب أن يكون مدخلًا لإعادة التفكير في الأدوار التربوية والاجتماعية للأسر تجاه أبنائها، لا سيما في مرحلة الطفولة والمراهقة.
وفيما يتعلق بالمقتضيات القانونية الجاري الحديث عن تشديدها، أشار فوزي إلى أن الفصل 507 من القانون الجنائي يتضمن أصلًا عقوبات ثقيلة قد تصل إلى السجن المؤبد، وهو فصل قديم، وليس وليد المرحلة الحالية.
واعتبر أن ما صرّح به وزير العدل وهبي لا يتعلق فقط بتشديد العقوبات، بل بإعادة تنظيم وتدقيق المقتضيات التشريعية ذات الصلة، وتفعيلها على نحو أوضح وأكثر صرامة، خاصة عندما يكون مرتكب الجريمة قاصرًا.
وأكد أن تحميل الآباء أو أولياء الأمور المسؤولية في مثل هذه الحالات ليس أمرًا جديدًا، بل هو جزء من المنظومة القانونية المدنية، حيث تنص القوانين على أن النائب الشرعي أو الولي يتحمل التعويضات المدنية الناتجة عن الأضرار التي يسببها الطفل القاصر.
العقوبات البديلة.. هل هي طوق النجاة لإصلاح العدالة الجنائية؟
وأشار رئيس جمعية حقوق وعدالة، أن هذا الأمر يعني أن الدولة تسعى لضمان حقوق الضحايا في حال ارتكاب الجريمة، حتى في غياب القدرة المادية أو القانونية للقاصر على تحمل التبعات المدنية لفعل إجرامي.
♦ “مصلحة الضحية أولًا”
يشدد فوزي على أن تحميل الأولياء المسؤولية المدنية يتماشى مع منطق العدالة، خصوصًا من زاوية إنصاف الضحايا الذين قد يتعرضون لأضرار بدنية أو نفسية جسيمة، كما هو الحال في حالات الاعتداء بالسلاح الأبيض.
وأوضح أن القانون يضمن للقاصر ظروف محاكمة عادلة، تأخذ بعين الاعتبار سنّه ووضعه الاجتماعي والنفسي، لكنه في المقابل يفرض على النائب الشرعي تعويض الضحية، وهو ما يخلق توازنًا ضروريا في العملية القضائية.
وأكد على أنه يجب ألا يقتصر النقاش على حماية القاصر، بل لا بد من استحضار الطرف الثاني في المعادلة، أي الضحية التي يجب أن تُعطى نفس الاعتبار في كل السياسات العمومية والقضائية المرتبطة بهذه الظواهر.
♦ “القانون ليس كافيًا”
بخصوص سؤال مدى كفاية المقاربة الزجرية وحدها للتصدي لظاهرة انتشار السلاح الأبيض، يرى فوزي أن القانون يبقى ضروريًا ومهمًا، لكنه غير كاف لوحده.
وأبرز المحامي أن حمل السلاح من طرف القاصرين أو حتى الراشدين، لا يكون بدافع مشروع، وإنما يحمل في طياته نية مبيتة للاعتداء أو السرقة أو تنفيذ فعل إجرامي.
الغضب يتصاعد ضد قانون المسطرة الجنائية وحماة المال العام ينقلون احتجاجاتهم إلى ساحة البرلمان
وأوضح رئيس جمعية حقوق وعدالة، أنه بناءً على ما سبق ذكره، فإن المنع القانوني والتجريم أمر مشروع ومطلوب، لكن الوقاية تبقى الأجدى على المدى البعيد.
ودعا إلى استحضار البعد الأخلاقي والتربوي في مقاربة هذه الظاهرة، من خلال إدماج الفاعلين الإعلاميين والأسرة والمدرسة والمجتمع المدني في حملات توعية وتحسيس.
ولفت الخبير القانوني والناشط الحقوقي، إلى أن الأطفال لا يولدون جانحين، بل يتحولون إلى ذلك بفعل الإهمال أو غياب التوجيه أو تأثرهم بسياقات اجتماعية هشة.
♦ أدوار الإعلام والمدرسة
حسب فوزي، فإن دور الإعلام يعد جوهريا في التصدي ومعالجة هذه الظاهرة؛، من خلال محتوى تلفزيوني وإذاعي يحث على القيم النبيلة ويحذر من عواقب العنف.
وأكد أن التوعية لا يجب أن تقتصر على الرسائل العامة، بل يجب أن تُرافقها تدخلات ميدانية في الأحياء الهشة، عبر الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، ومراكز حماية الطفولة، والتعاون مع الأسر.
“شراء العقوبة السجنية”.. هل يكرس القانون الطبقية والتمييز في أحكام العدالة؟
كما يشدد على ضرورة إشراك المؤسسات التعليمية بشكل أعمق في التصدي لهذه الظواهر، عبر برامج تربوية تراعي الجانب النفسي والسلوكي للمتعلمين.
وتساءل رئيس جمعية حقوق وعدالة، عن أسباب عدم وجود وحدات نفسية داخل المؤسسات التعليمية، وغياب أي مواكبة ومرافقة للأطفال والمراهقين بحضور مختصين نفسيين بشكل دائم في المدارس.
♦ التعليم وتكامل الأدوار
من بين البدائل التي يقترحها فوزي، فرض التعليم الإجباري إلى حدود سن الرشد القانوني، لأنه يرى أن الغالبية العظمى من الأطفال المتورطين في قضايا حمل السلاح الأبيض أو العنف بشكل عام هم من المنقطعين عن الدراسة.
ويرى المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، أن المدرسة حين تُكمل دور الأسرة، تُساهم في تقويم السلوك، وتُوفر بيئة مناسبة لتنشئة متوازنة.
وأبرز رئيس جمعية حقوق وعدالة، أن غياب التمدرس غالبًا ما يترك فراغًا يُملأ بالشارع، بما يحمله من انحرافات، وهو ما يسهل انزلاق الطفل نحو الجريمة.
تصويت المغرب على إيقاف تنفيذ الإعدام في الأمم المتحدة .. قراءة في الدلالات والأبعاد ؟
وأكد أن المقاربة القانونية ضرورية، لكنها تظل جزءًا فقط من الحل، مشددا على أن المطلوب هو تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني والدولة بمؤسساتها والإعلام؛ لضمان بيئة حاضنة وآمنة للأطفال والمراهقين، تًقيهم من الانحراف وتمنحهم فرصًا للتربية والاندماج والنجاح.
ودعا إلى جعل هذا الموضوع ورشًا مجتمعيًا واسعًا لا يختزل فقط في تعديلات قانونية، بل يدمج الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويخضع لتقييم دوري يرصد أثر السياسات المعتمدة على أرض الواقع.

