شهدت الساحة المغربية دعوة جديدة للاحتجاج قادتها مبادرة “جيل زد 212” (GenZ 212)، التي أعلنت عن تنظيم مظاهرات سلمية في مختلف المدن، بهدف التعبير عن مطالب اجتماعية أساسية مرتبطة بقطاعات الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وهذه الدعوة أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول قدرة الشباب المغربي على فرض أجندة جديدة في النقاش العمومي؛ خاصة في ظل تصاعد مؤشرات البطالة، وتراجع الثقة في المؤسسات التمثيلية، واحتدام النقاش حول جدوى السياسات العمومية الاجتماعية.
وهذه الدينامية الشبابية تثير في المقابل تساؤلات ضمنية حول مدى استعداد الدولة والأحزاب للتعاطي مع موجة جديدة من المطالب الاجتماعية، وإن كانت ستفتح هذه التعبيرات الشعبية أُفقًا جديدًا نحو إصلاح سياسي ومؤسساتي، أم أنها قد تنزلق إلى مسارات تزيد منسوب الاحتقان، وحول إن كان هذا الحراك امتدادًا لتجارب سابقة مثل حركة “20 فبراير”، أم أنه يعكس ببساطة تعبيرًا مرحليًا عن اختناق اجتماعي عابر، وكذا السيناريوهات التي تلوح أمام هذا الجيل الذي يصر على جعل صوته مسموعًا.
❖ سياق التوقيت
يرى محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، أن مسألة التوقيت تظل من أبرز ملامح احتجاجات “جيل زد 212″، حيث جاءت الدعوة في البداية أيام 27 و28 شتنبر الجاري، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في شكل بدا أقرب إلى نداء افتراضي منه إلى تعبئة ميدانية منظمة.
وقال شقير في تصريح لجريدة “شفاف” إن حجم الاستجابة المفاجئة في مختلف المدن المغربية أثار حيرة السلطات ودفعها إلى اعتماد مقاربة أمنية تمثلت في المنع والاعتقالات، وهو ما يثير بدوره أسئلة عن حجم الاستعداد المؤسساتي لمواجهة دينامية شبابية متجددة.
وأكد أن هذه الدينامية لا يمكن فصلها عن سياقات إقليمية ودولية مشابهة، حيث شهدت دول مثل كينيا وبنغلاديش ونيبال حركات احتجاجية شبابية خلال الأشهر الأخيرة، موضحًا أن هذا البُعد المقارن يجعل من احتجاجات الشباب المغربي جزءًا من موجة عالمية أوسع.
محاولات الهجرة الجماعية.. أحداث تسائل مصير التعهدات الحكومية بخلق مليون فرصة عمل للشباب
وأردف الباحث في العلوم السياسية، أن ما يحدث اليوم يستحضر في الذاكرة المغربية أحداث حركة “20 فبراير” سنة 2011 التي اندرجت بدورها ضمن سياق إقليمي ودولي مضطرب.
وأبرز أن مسألة التوقيت تكشف هشاشة التقدير السياسي لدى مختلف الفاعلين، سواءً الرسميين أو الحزبيين، الذين لم يتوقعوا أن الدعوة الافتراضية ستترجم إلى حضور ميداني واسع النطاق ومتزامن في عدد من المدن.
❖ توظيف الأحزاب
يؤكد شقير أن أحد أبرز ملامح هذا الحراك يتمثل في محاولات بعض الأحزاب السياسية ركوب الموجة وتوظيف الاحتجاجات لصالحها، لافتًا إلى عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، دعا السلطات إلى التعامل بمرونة مع هذه المظاهرات، في خطوة قرأها البعض كتعبير عن رغبة الحزب في استعادة جزء من حضوره المفقود.
واستطرد الباحث في العلوم السياسية، أنه كذلك حاولت بعض مكونات اليسار؛ سواءً حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي أو الحزب الاشتراكي الموحد أو حزب التقدم والاشتراكية؛ الدخول على الخط من خلال تصريحات ومواقف، أبرزها تصريحات نبيلة منيب أو جمال العسري أو فاطمة التامني أو محمد نبيل بنعبد الله.
ولكن المفارقة بحسب شقير؛ تكمن في أن هذه الأحزاب لم تستطع، رغم عقود من العمل، أن تعبئ الشباب أو تدفعه إلى الشارع، لكنها وجدت نفسها اليوم مضطرة لركوب موجة احتجاجية مستقلة عنها بالكامل.
ونبه إلى أن ما يحدث يكشف في العمق عجزًا هيكليًا لدى التنظيمات الحزبية والنقابية عن استقطاب الجيل الجديد أو تقديم عرض سياسي ينسجم مع تطلعاته.
واعتبر أن هذا العجز ليس مجرد صدفة ظرفية، بل هو انعكاس لشرخ عميق بين الشباب والأحزاب، حيث اختار “جيل Z” التعبير عن ذاته بعيدًا عن أي وصاية تنظيمية أو انتماء سياسي تقليدي.
❖ شرخ سياسي
يشير شقير إلى أن التظاهرات الأخيرة أبرزت بشكل جلي الشرخ القائم بين المجتمع السياسي الرسمي؛ أحزابًا ونقابات، وبين فئة واسعة من الشباب، لافتًا إلى أن الذين خرجوا إلى الشارع أكدوا عبر منصاتهم الرقمية أنهم لا يرتبطون بأي حزب ولا يرغبون في أن تُوظف تحركاتهم لصالح أي جهة، وهو ما يعكس مسافة نفسية وسياسية كبيرة بينهم وبين التنظيمات الكلاسيكية.
الحصيلة المرحلية لحكومة أخنوش.. ماذا تحقق وهل فعلا وفت الحكومة بوعودها الانتخابية؟
وأوضح أن هذا الواقع يسلط الضوء على فشل الأحزاب في أداء وظيفتها الدستورية المتمثلة في تأطير المواطنين وصياغة مطالبهم ضمن قنوات مؤسساتية، ويكشف حدود العمل النقابي الذي فقد قدرته التاريخية على تأطير الغضب الاجتماعي، متسائلاً: إذا لم تعد الأحزاب ولا النقابات قادرة على احتضان مطالب الشباب، فمن يتبنى هذه المطالب داخل المؤسسات؟
وشدد الباحث في العلوم السياسية، على أن هذا الشرخ لا يعبر فقط عن عجز تنظيمي، بل عن أزمة ثقة عميقة ومتجذرة تجعل الشباب يعتبرون الشارع والفضاء الرقمي وسيلتين أساسيتين للتعبير، بدل الانخراط في أحزاب فقدت مصداقيتها.
❖ جوهر المطالب
رغم تعدد القراءات والتأويلات، يصر شقير على أن جوهر احتجاجات “جيل Z” يتمحور حول ثلاثة مطالب واضحة؛ ألا وهي إصلاح قطاع الصحة، والنهوض بالتعليم، ومواجهة الفساد.
وأبرز أن هذه المطالب ليست جديدة، بل هي مطالب شعبية قديمة تبناها المغاربة منذ عقود، وكان يفترض أن تتحمل الأحزاب مسؤولية النضال من أجلها داخل المؤسسات المنتخبة.
ولفت إلى أن ضعف التأطير الحزبي وتآكل الثقة جعل الشباب يتبنون هذه القضايا بأنفسهم، معتمدين على قوة الفضاء الرقمي كوسيلة للتعبئة والتنسيق.
الغلوسي: “الفساد والبطالة هما المحرضان الحقيقيان على احتجاجات الشباب”
واعتبر الباحث في العلوم السياسية، أن هذه النقلة تكشف أن الشارع لم يمت كما يُشاع، بل ظل دائمًا خيارًا حاضرًا كلما انسدت قنوات التعبير المؤسساتي.
ونبه إلى أن بعض المؤشرات عززت هذا الاحتجاج، منها الزيارات الميدانية الأخيرة التي قام بها أمين التهراوي، وزير الصحة والحماية الاجتماعية، والتي تحولت إلى فرصة للشباب لتسليط الضوء على اختلالات القطاع وممارسة ضغط مباشر على الحكومة، مبرزًا أنه هكذا يتضح أن المطالب ليست شعارات عامة فقط، بل مرتبطة بواقع يومي ملموس يعيشه المواطن.
❖ مسؤولية الحكومة
في تقدير شقير، لا يمكن تحميل الحكومة الحالية وحدها كامل المسؤولية، لأن أزمات التعليم والصحة والفساد تراكمت عبر عقود وتعاقبت عليها حكومات متعددة دون حلول جذرية.
وأضاف أنه مع ذلك، تبقى الحكومة الحالية في الواجهة، لأنها لم تستطع إلى حدود الساعة تقديم رؤية شاملة للإصلاح أو إجراءات ملموسة تواكب حجم الانتظارات.
وأبرز أن الحكومة اتخذت بعض المبادرات، مثل تقليص سنوات التكوين في كليات الطب، وخفض أسعار بعض الأدوية، وإنشاء الهيئة العليا للصحة وغيرها من الخطوات الهامة التي أقدمت عليها في هذا الجانب خلال الأربع سنوات الماضية، لكن هذه الخطوات تبقى جزئية ومحدودة الأثر أمام مشكلات بنيوية عميقة.
مشروع قانون مالية 2026 بين طموح النمو وتقليص العجز.. هل تنجح الحكومة في تحقيق المعادلة الصعبة؟
وأشار إلى أن المدة المتبقية من عمر الحكومة (أقل من سنة واحدة) لن تسمح بإحداث اختراقات كبرى، لكن الضغط الشعبي قد يدفعها إلى مضاعفة الجهود، وزيادة الميزانيات المخصصة للقطاعات الاجتماعية، وإطلاق مبادرات عاجلة لتحسين ولوج المواطنين إلى الخدمات الأساسية.
❖ آفاق مفتوحة
يعتبر شقير أن احتجاجات “جيل زد 212” تمثل منعطفًا مهمًا في علاقة الشباب بالدولة والمجتمع السياسي، موضحًا أنه من جهة تعبير عن أزمة ثقة عميقة، لكنها من جانب آخر مؤشر على أن المجتمع لا يزال ينبض بالحياة، وأن الشباب مستعد للدفاع عن مطالبه بالوسائل السلمية والحضارية.
والمطلوب اليوم وفق شقير؛ ليس فقط استيعاب هذه الاحتجاجات أمنيًا، بل تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات، مشددًا على أهمية فهم الدولة لهذه الفئة، والعمل على إغلاق هذا الشرخ وتعمق الفجوة الواقع بين الشارع والمشهد السياسي الرسمي.

