يُواصل المغرب تعزيز موقعه الدبلوماسي داخل القارة الإفريقية عبر تحركات مدروسة تستهدف بناء تقاطعات استراتيجية مع دول مؤثرة، وفي مقدمتها جنوب إفريقيا، التي تُعد من أبرز القوى الإقليمية الداعمة تقليديًا للطرح الانفصالي.
وهذا الانفتاح الجديد، الذي تعكسه مؤشرات سياسية ودبلوماسية متصاعدة، يعكس نجاعة المقاربة المغربية في كسب مواقف إقليمية كانت تُصنَّف ضمن خانة الخصوم.
كما أن التقارب المغربي الجنوب إفريقي، إن تكرّس سياسيًا، سيكون تحولًا نوعيًا في مسار الملف، ويؤشر إلى تراجع خطاب الانفصال داخل القارة، في مقابل صعود خطاب الشرعية والواقعية، الذي يقوده المغرب بثقة متزايدة وبدينامية دبلوماسية لافتة.
♦اختراق دبلوماسي نوعي
اعتبر المحلل السياسي والأستاذ الجامعي عباس الوردي أن المغرب بصدد تحقيق مكسب دبلوماسي غير مسبوق في علاقته مع جنوب إفريقيا، واصفاً هذا التحول المحتمل بالاستراتيجي والتاريخي، في حال نجح المغرب في إقناع هذا البلد بمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها لحل النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
وأكد الوردي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، يراكم إنجازات دبلوماسية نوعية بفضل الرؤية الملكية الحكيمة، وفعالية الدبلوماسية الملكية، التي تواكبها تحركات ميدانية مكثفة تقودها وزارة الشؤون الخارجية، وعلى رأسها الوزير ناصر بوريطة، عبر جولات متواصلة في بلدان القارة الإفريقية.
وشدد على أن هذه الجولات تستند إلى مقاربة تواصلية مدروسة تهدف إلى شرح مضامين الحكم الذاتي وتوضيح أسسه القانونية والسياسية، بما يخدم مصلحة المغرب ويقنع الشركاء بجدية المقترح المغربي.
♦تحول استراتيجي في ملف الصحراء
وأوضح الوردي أن نجاح المغرب في إقناع جنوب إفريقيا، الدولة المحورية ذات الثقل السياسي والاقتصادي داخل القارة، من شأنه أن يشكل أقوى اختراق دبلوماسي في العقدين الأخيرين، خصوصاً بعد أن تمكّن المغرب من استقطاب دعم عدد من القوى الدولية الكبرى لمبادرة الحكم الذاتي، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.
واعتبر أن انضمام جنوب إفريقيا إلى قائمة الدول الداعمة للمقترح المغربي سيكون بمثابة انتصار نوعي في ملف الصحراء، ومؤشراً على تراجع الخطاب الانفصالي الذي تروجه الجزائر وبعض الأطراف المعادية للوحدة الترابية للمملكة.
وأبرز المتحدث أن المغرب يمتلك من الوسائل والقدرات ما يمكّنه من استثمار هذا التحول لصالحه، عبر تفعيل شراكات استراتيجية جديدة مع دولة جنوب إفريقيا، سواء على المستوى الاقتصادي أو الحزبي أو الثقافي.
ولفت إلى أن الرباط ستعمل خلال السنوات المقبلة على تعميق علاقاتها مع جميع الأحزاب السياسية الجنوب إفريقية، بدءاً من حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي يقوده الرئيس السابق جاكوب زوما، مروراً بالأحزاب اليسارية والمؤثرة الأخرى، مؤكداً أن للمغرب رؤية تنموية واقتصادية أثبتت نجاعتها في عدة دول إفريقية، ما يجعله شريكاً موثوقاً وجديراً بالتعاون.
♦دبلوماسية واقعية بثقة متصاعدة
ورأى الوردي أن لقاء الملك محمد السادس بالرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما ليس حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل يشكل محطة مفصلية تنبني على أسس دبلوماسية راقية، وتؤكد مرجعية المغرب في تحكيم القانون الدولي والشرعية، وتعزيز العلاقات بين الدول على قاعدة الاحترام المتبادل والتعاون البناء.
وقال إن الرسائل الرمزية والسياسية لهذا اللقاء واضحة: المغرب يسير في المسار الصحيح، وخطابه يستند إلى الشرعية الدولية، ومقاربته تتفوق على خطابات التفرقة والأوهام التي تتبناها بعض الأطراف.
وأضاف أن هذا التطور يُعدّ بمثابة انتكاسة لخصوم الوحدة الترابية، خصوصاً الجزائر، التي كانت تراهن لسنوات على الدعم الجنوب إفريقي للطرح الانفصالي.
وأشار إلى أن التحول في الموقف الجنوب إفريقي – إن تحقق – يمثل ضربة موجعة لمحور الوهم والتضليل، ويجسّد في المقابل نجاح الحكمة والرزانة المغربية في إدارة هذا النزاع المفتعل، وفق مقاربة مبنية على الحوار، لا الإقصاء؛ وعلى الانفتاح، لا القطيعة.
وشدد الوردي على أن المغرب لم يكن يوماً في موقع العداء مع من يعارضه في ملف الصحراء، بل حرص باستمرار على مد جسور التواصل، حتى مع من تبنوا مواقف عدائية سابقاً، معربا أن هذا ما يميز الدبلوماسية المغربية، التي تتبنى منطق عدم إغلاق الأبواب في وجه أي طرف، مهما كان موقفه، انطلاقاً من إيمانها بقوة الحجة وتفوق الشرعية.
♦ثوابت المغرب الاستراتيجية
وفي السياق ذاته، ذكّر الوردي بأن المغرب لطالما أكد على ثوابت سيادته ووحدته الترابية، مدعوماً بمبادراته الواقعية ومساعيه في تعزيز الاستقرار والتعاون الإقليمي، سواء في إطار الاتحاد الإفريقي، أو من خلال مساهماته داخل مجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة، أو عبر تحالفاته الدولية لمواجهة التطرف والإرهاب والانفصال المسلح.
كما لفت إلى أن المسيرة الخضراء، التي تُعدّ رمزاً تاريخياً ورافعة دائمة لقضية الصحراء المغربية، ظلت حاضرة في وجدان الدولة والمجتمع المغربي على حد سواء، ومستمرة كمرجعية دبلوماسية وأخلاقية في التعاطي مع هذا الملف.
واعتبر أن زيارة الرئيس الجنوب إفريقي السابق، في هذا السياق، تُعدّ خطوة نوعية تُعيد ضبط البوصلة في علاقات المغرب مع جنوب إفريقيا، وتفتح آفاقاً جديدة للتقارب السياسي والاقتصادي والثقافي بين البلدين.
وخلص الوردي إلى أن المغرب لا يراهن فقط على المكاسب الظرفية، بل يشتغل وفق استراتيجية طويلة المدى تستهدف بناء تحالفات متوازنة ومستدامة داخل القارة، تعزز من موقعه الجيوسياسي وتدعم مشروعه التنموي، وتحصّن وحدته الترابية من أي محاولة للمساس بها.
وقال إن ما تحقّق إلى اليوم ليس سوى بداية لمسار جديد، يتأسس على ثقة في الذات، وإرادة ملكية راسخة، ودبلوماسية ذكية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

