يعتبر قطاع الجلود بمثابة القلب الناظم للصناعة التقليدية بالمغرب حيث تساهم الجلود بشكل كبير في إغناء النسيج الاقتصادي والاجتماعي بالمملكة.
وتعد شعيرة عيد الأضحى مناسبة مهمة بالنسبة للصناع التقليديين الذين يعملون في قطاع الجلود، إذ تتيح هذه المناسبة وفرة في هذه المادة .
وفي هذا التقرير سنعرج على ، المراحل التي تمر منها عملية إعادة تدوير الجلود في مدينة فاس، وصولا لمرحلة تصنيع المنتج التقليدي (حذاء، محافظ أو شنط…)، كما سنتوقف على الأضرار البيئية والصحية التي تخلفها جلود الأضاحي في حالة عدم خضوعها لعملية التدوير.
مراحل تدوير الجلود واستغلالها في الصناعة التقليدية
كشف أمين الوزاني، نائب رئيس غرفة الصناعة التقليدية بفاس، أن صناعة الجلد في المغرب تتوقف بالأساس على حرفة الدباغة باعتبارها النشاط الأساسي الذي يمكن من خلالها معالجة مختلف الجلود.
ومن الناحية التقنية، أوضح المتحدث في تصريح لجريدة “شفاف”، أن عملية دباغة الجلد تمر عبر عشرة مراحل، أولها يتمثل في إزالة الصوف، وذلك عبر وضع الجلود الخام في صهاريج صغيرة تعرف ب “المجاير”، حيث يخلط فيها الماء بالجير الطبيعي.
واستطرد الصانع التقليدي، أن الجلود تبقى داخل ” المجاير” مدة معينة وتختلف من جلد حيوان إلى آخر، فجلود الأبقار تحتاج إلى ثلاثين يوما، في حين جلود الماعز إلى عشرين يوما. وبخصوص جلود الأغنام تحتاج حوالي عشرة أيام.
وبعد قضاء المدة المخصصة في المجاير لكل نوع من الجلود، يقول المتحدث ذاته، فالعمال يعملون على نقل الجلود إلى آلة الغسيل لتنظيفها بالماء. وتعاد مرة أخرى إلى ” القصريات”، حيث يتم مزجها بمادة “زق الحمام” لمدة أربعة وعشرون ساعة في فصل الصيف وثلاثة أيام في فصل الشتاء حتى تصبح لينة، لتعاد مرة ثانية إلى آلة الغسيل بالماء من أجل إزالة ما علق بها من مخلفات خلال مدة بقائها في” القصرية .
وتابع بعد عملية الغسل تعاد الجلود إلى نفس “القصريات” حيث يتم خلطها بمادة “النخالة” لمدة يوم واحد في فصل الصيف ومدة خمسة أيام في فصل الشتاء. وبعدها توضع الجلود لمدة أربعة أيام أخرى في” قصريات” تحتوي على مادة “الدبغ”. التي تتم فيها عملية التلوين وذلك بإضافة مواد معينة إن اقتضى الحال ذلك. ثم تنشر تحت أشعة الشمس لتجف بشكل كامل، وبعدها يتم رشها بالماء وتغطى ليلة كاملة بمادة بلاستيكية تعرف بـ “الخنش“.
وتعتمد حرفة دباغة الجلود، حسب أمين الوزاني، على مواد أولية نباتية معينة، وذلك وفق نوعية الجلد، فمثلا دباغة جلد الماعز تعتمد أساسا على مادة “تاكاوت” وقشور الرمان كمادة ملونة للحصول على جلد “الزيواني”، فيما تستعمل مادة الدبغ الحر “ميموزا” لدباغة جلود البقر والغنم.
وفي الأخير وفق المهني، تعالج الجلود داخل شبكة تسمى “الفتيح” حيث يتم إزالة صلابتها، وبعدها يتم معالجتها بواسطة آلة تقليدية تسمى “الصدرية” كمرحلة أخيرة، والنتيجة النهائية تسمى الجلد المدبوغ “البطانة” إذا كان من صنف الغنم و “الزيواني ” إذا كان من صنف جلود الماعز و “النعل” و”المستوكية” إذا كانا من صنف جلد البقر.
واستطرد أمين الوزاني، أن المهنيين يقتنون 80% من جلود الحيوانات (الأبقار والماعز والخرفان) في فترة عيد الأضحى، مبينا، أن ثمنها يكون جد منخفض، حيث يتراوح بين 10و20 درهما مقارنة بالأيام العادية التي تصل إلى 60 درهما.
كما طالب الوزارة الوصية والجماعات المحلية والترابية، إلى العمل على جمع تلك الجلود وعدم تركها معرضة للضياع، وذلك لكونها تغطي القيمة المالية للجلد الصناعي المستورد من الخارج.
حماة المستهلك: خسائر الدولة من عدم تدوير الجلود تفوق 7 ملايير سنتيم
قال شتور علي رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو بالجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن النقاش الدائر حول جلود الأضاحي يتجدد كل سنة وتتعالى التساؤلات عن كيفية تعاطي الحكومة مع الأطنان من الجلود التي يتم استخراجها بعد عملية الذبح، والتي تعد ثروة يساء استخدامها كل عام وتترك معرضة للإتلاف دون الاستفادة منها.
وبسبب عدم المهنية في التعامل مع جلود الأضاحي، كشف عضو بالجامعة المغربية لحقوق المستهلك في تصريح خص به جريدة “شفاف”، أن المملكة تضيع ما يناهز 500مليون درهم في يوم واحد، بالإضافة إلى المئات من مناصب الشغل التي كان سيستفيد منها الشباب المؤهل وغير المؤهل لوم تم استغلالها.
رماد وأكوام وجلود .. مشاهد تفسد رونق الاحتفال بعيد الأضحى وتهدد البيئة، فأين يكمن الخلل ؟
ولأهمية الموضوع في جميع النواحي، طالب عضو الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، الجهات المختصة القيام بحملة وطنية شاملة عبر جميع المنابر الإعلامية وعبر قنواتها الخاصة من أجل التوعية بأهمية جلود أضاحي العيد وعدم إتلافها وبالمحافظة عليها، إذ بتلك الطريقة سيد المغرب حاجياته من هذه المادة وسيستغني عن الاستيراد الذي يقدر بـ7 ملايير سنتيم من الجلود المصنعة سنوياً من فرنسا وإيطاليا.
إعادة التدوير ثقافة مغيبة في المجتمعات الكبيرة
قالت بشرى لمرابطي أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن ثقافة إعادة التدوير عامة وتدوير الجلود أو مخلفات الحيوانات بشكل خاص في هذه المناسبة لا توجد في المناطق التي تعرف كثافة سكانية عالية قديما وحديثا، إذ تترك مخلفات الأضاحي متراكمة في كل مكان خصوصا في اليوم الأول للعيد، الأمر الذي يعطي لتلك المدن منظرا قبيحا.
وتابعت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن ثقافة إعادة تدوير الأشياء إذا بحثنا عنها نجدها في المجتمعات الصغيرة، خصوصا مناطق الجنوب الشرقي حيث نجد أغلب القصور المتواجدة في تلك المناطق تعمل على إعادة تدوير الجلود عبر تحنيطيها أولا بمادة الشبة والملح كي لا تتعفن وبعدها يمكن للعائلة العودة إليها في وقت لاحق من أجل إكمال عملية التدوير.
وأردفت، أن تلك المناطق تعمل كذلك على إعادة تدوير مخلفات الأضاحي غبر تجفيفيها، وفي حالة عدم الحاجة إليها يتم طمرها في تربة الحضيرة (الزريبة)، ولا تجدها متراكمة في أي مكان سواء في الفضاء الأخضر أو أمام القصور.
والصحيح حسب المتحدثة ذاتها، هو العمل على نقل تلك الثقافة إلى المدن الكبرى وترسيخها فيها، كي لانشاهد في كل سنة تلك المناظر التي لاتمس للإنسانية بأي صلة، ولا تعمل على الحفاظ على البيئة أو بالموروث الأخلاقي والثقافي لدى المغاربة.
وحملت المتحدثة ذاتها، المسؤولية إلى الجماعات الترابية والمحلية، إذ هي من عليها أن تتخذ المبادرة في خلق هذا الجو عبر التحسيس بقيمة تلك الجلود وجمعها والعمل على إعادة تدويرها، وليس تركها معرضة للتلف تسبب مشاكل بيئية وصحية للإنسان.
خبير بيئي: رمي جلود الأضاحي يستوجب وضع عقوبات جزرية
اعتبر الدكتور الكيميائي والبيئي شرف الصغير عضو جمعية سواعد النماء بالقنيطرة، رمي جلود الأضاحي في الغابات خصوصا غابة المعمورة، جريمة مكتملة الأركان في حق البيئة والإنسان بحد ذاته.
وكشف شرف الصغير، في تصريح خص به جريدة “شفاف”، أن ذلك السلوك سيتسبب بأضرار كبير للتربة والتنوع الأيكولوجي من نبات وحيوان وحشرات، وهذا الأمر سيؤدي إلى ظهور أمراض وأوبئة تفتك بالإنسان، بالإضافة إلى ذلك الفضاءات الخضراء ستكون مغلقة في وجوهه بسبب الرائحة الكريهة.
وتعد غابة المعمورة، حسب الدكتور الكيميائي والبيئي، موروث تاريخي مشترك يجب الحفاظ عليه، خصوصا في ضل التقلبات المناخية وسنوات الجفاف المتوالية، إذ تعد الرئة التي تتنفس من خلالها مدينة القنيطرة والمدن المجاورة لها.
وبما أن غابة المعمورة كنز وطني ثمين، يؤكد المتحدث ذاته، على ضرورة المحافظة عليها ليس بالمفهوم التقليدي والمعكوس للفضاء العام بكونه متاح للجميع ليفعل فيه ما يشاء، حيث أصبح هذا المعتقد راسخ ومتجدر لدى الكثير من شرائح المجتمع المغربي، وعليه فغابة المعمورة فضاء عام للنزهة والترفيه والاكتشاف والتخلص من الضغط اليومي للحياة وليس التسبب في اتلافها بالسلوكيات المشينة.
وباعتباره ناشط بيئي، أدان المتحدث ذاته، التخريب الذي يطال غابة المعمورة نتيجة رمي مخلفات أضاحي “العيد الكبير” فيها، معتبرا ذلك بمثابة تهديد موضوعي للفضاء الطبيعي الذي تلجأ إليه سكان عدد من المدن من أجل الرياضة والتنزه، خاصة إبان الصيف والعطل ونهاية الأسبوع.
واعتبر الأستاذ الكيميائي والبيئي، سلوك رمي مخلفات الأضاحي في غابة المعمورة، يدل على التهور البشري الذي يؤدي إلى استنزاف هذا الفضاء الإيكولوجي الهام.
ولحل هذه المعضلة، قال عضو جمعية سواعد النماء بالقنيطرة، يجب على الجهات المكلفة بالتدبير البيئي العمل على تحسيس وتوعية الساكنة بأهمية الحفاظ على الغطاء الغابوي من التلوث خلال عيد الأضحى.
وطالب بتثبيت كاميرات مراقبة في الغابات والمناطق الخالية، وتسليط عقوبات ثقيلة على كل من ضبط متلبسا بتلويث الغابة. مبينا، أن فروة الأضاحي تعتبر مادة عضوية، تتحلل بسرعة وتترك روائح كريهة تجعل المرور منها أو الذهاب إليها أمر مستحيل.
ومن الحلول الممكنة حسب المتحدث ذاته، توفير محلات خاصة في الأحياء من أجل جمع مخلفات الأضاحي، عوض رميها في الفضاء الغابوي، ثم الاستفادة من مخلفات أحشاء الخرفان وتحويلها إلى أسمدة عضوية ممتازة. بالإضافة إلى ذلك فرز تلك المخلفات وتسخيرها كغذاء لبعض الحيوانات، وكذا وضع أكياس المخلفات التي تم جمعها في مكانها المناسب والمخصص لها من طرف الجماعات المحلية والترابية.
قطاع الجلود في أرقام
قدّرت الحكومة، في دراسة سابقة لها حول تثمين الجلود بمناسبة عيد الأضحى، أن المغرب يستورد ما يقارب 70 مليون درهم، وبالتالي فقدان ما يناهز 7 ملايير سنتيم سنويا وأزيد من 5100 منصب شغل.
وعدم العناية بجلد الأضحية يضيع المغرب ثروة جلدية مهمة، تقدر بما يفوق 500 مليون درهم
وحقق قطاع الصناعات الجلدية خلال سنة 2019 رقم معاملات خاص بالتصدير بلغت قيمته 4 ملايير درهم، وشغّل أزيد من 17 ألف شخص، وفي إطار مخطط التسريع الصناعي سمح بإحداث 7200 منصب شغل قار بين 2014 و2020، وذلك وفق أرقام قدمتها وزير الصناعة والتجارة.
وسيتم في إطار مخطط الإنعاش الصناعي (2021-2023)، مواكبة 26 مشروعا استثماريا في كافة تخصصات الجلد بقيمة استثمارية توقعية تبلغ نحو 525 مليون درهم، مما سيسمح بإحداث أزيد من 8200 منصب شغل.

