تشهد منطقة “رمرم” بضواحي مراكش منذ فاتح أكتوبر الجاري انطلاق النسخة الجديدة من تمرين “جبل الصحراء”، الذي تنظمه القوات المسلحة الملكية بشراكة مع نظيرتها البريطانية، في محطة جديدة تجسد عمق التعاون العسكري بين المملكتين، وترسخ روح الشراكة الاستراتيجية الراسخة التي تمتد منذ سنة 1989، وتأتي هذه النسخة في ظرفية إقليمية دقيقة، تُبرز من جهة الاحترافية المغربية المتصاعدة في مجال التدريب والمناورة الميدانية، ومن جهة أخرى الانفتاح المتواصل للرباط على تحالفات دفاعية نوعية مع القوى الغربية، في سياق يتسم بتغيرات أمنية متسارعة في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.
ولكن تزامن هذا التمرين العسكري المغربي-البريطاني مع إعلان الجزائر عن أكبر موازنة في تاريخها للعام 2026، بلغت 131 مليار دولار، منها أزيد من 27 مليارًا مخصصة للدفاع، يثير تساؤلات حول مغزى هذا التصعيد في الإنفاق العسكري، وحدود تأثيره على توازنات القوة بالمنطقة المغاربية، وإن كان يشكل “جبل الصحراء” تجسيدًا لتوجه مغربي نحو تحالفات دفاعية ذكية تقوم على التدريب ونقل الخبرة، أم أنه يندرج ضمن رد استراتيجي ناعم في مواجهة سباق التسلح المتسارع بالجارة الشرقية، وعن الكيفية التي يمكن من خلالها قراءة هذا التوازي بين دينامية التعاون العسكري المغربي-البريطاني والإنفاق العسكري الجزائري المتضخم في ضوء التحولات الأمنية الجارية بالساحل والصحراء.
❖ تمرين يعكس التوازن
يبرز محمد عصام لعروسي، أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، والمدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، والخبير في الشؤون الأمنية، أن تمرين “جبل الصحراء 2025” الذي تنظمه القوات المسلحة الملكية بشراكة مع القوات البريطانية، يحمل دلالات عسكرية وسياسية متعددة، تعكس صعود مكانة المغرب كفاعل إقليمي موثوق، وتعزز موقعه في هندسة التوازنات الأمنية بشمال إفريقيا والساحل.
وأوضح لعروسي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن اختيار بريطانيا كشريك رئيسي في هذا التمرين ليس اعتباطيًا، بالنظر إلى الثقل الجيوسياسي الذي تمثله في المنظومة الدولية، ودورها التقليدي في دعم التحالفات الدفاعية مع القوى الصاعدة.
سباق التسلح المغربي الجزائري.. توازن ردع أم معركة عقائد عسكرية متباينة؟
وأردف أن بريطانيا تُعد قوة فاعلة في صناعة القرار الدولي، وتتمتع بإمكانيات كبرى تجعلها ركيزة محورية في صياغة التوجهات الأمنية الغربية، كما تمثل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة في أكثر من بؤرة توتر حول العالم.
وأضاف أن المغرب باختياره تعميق التعاون العسكري مع لندن، على غرار تمرين “الأسد الإفريقي” مع واشنطن، يرسخ سياسة تنويع الشراكات الدفاعية القائمة على التدريب ونقل الخبرة، بما يعزز الجاهزية القتالية ويكرس صورة القوات المسلحة الملكية كقوة إقليمية احترافية.
واستطرد المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أن هذه الخطوة تحمل رسائل واضحة إلى الجزائر، التي ما فتئت ترفع من ميزانية دفاعها في إطار ما وصفه بـ”السباق العدواني غير المبرر نحو التسلح”.
❖ الردع أم الوهم؟
يرى لعروسي أن الإنفاق العسكري الجزائري المتزايد، الذي بلغ في مشروع موازنة 2026 (قانون المالية) نحو 27.17 مليار دولار، يمثل انعكاسًا لـ”عقلية عدوانية” تحكم تفكير النخبة العسكرية في الجزائر.
وتابع أنه بدل توجيه العائدات النفطية والغازية إلى التنمية، يذهب جزء كبير منها إلى تمويل صفقات التسلح، وهو ما يترجم وهمًا استراتيجيًا مبنيًا على فكرة الردع دون امتلاك مشروع حقيقي للأمن الجماعي.
المغرب يتهيأ لبناء صناعة عسكرية محلية.. فهل اقتربت المملكة من مرحلة الاستقلال العسكري؟
وأضاف أن هذا النهج ليس جديدًا في السلوك الجزائري، إذ غالبًا ما يُستعمل الخطاب الأمني كأداة سياسية داخلية لتوحيد الصفوف أو التغطية على الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، في حين يغيب أي تصور متماسك للأمن الإقليمي المشترك.
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن النخبة العسكرية في الجزائر ما تزال تمسك بمقاليد الحكم الفعلي، وتتعامل مع السياسة الخارجية بمنطق المواجهة، لا بمنطق التوازن أو التكامل.
وشدد المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، على أن السباق نحو التسلح لا يخدم استقرار المنطقة، بل يزيد من هشاشتها الأمنية، لافتًا إلى أن “التهديد الخارجي” الذي تروّج له الجزائر متخيل أكثر مما هو واقعي.
وأبرز الخبير في الشؤون الأمنية، أن المغرب لم يبدِ يومًا أي نية تصعيدية، بل ظل وفيًا لنهج اليد الممدودة، مؤمنًا بأن استقرار الجوار شرط أساسي لتنمية المنطقة بأكملها.
❖ تحالفات ذكية
في قراءته للتعاون المغربي-البريطاني، اعتبر لعروسي أن هذا التحالف يعكس رؤية استراتيجية متكاملة تربط بين البعدين الأمني والاقتصادي، فالعلاقات بين الرباط ولندن لا تنحصر في الجانب العسكري، بل تشمل مشاريع كبرى مثل الطاقات المتجددة، والربط الكهربائي القاري، والاستثمارات في التكنولوجيا النظيفة.
وأبرز أن هذه الشراكة تشكل نموذجًا للتحالفات الذكية التي تراهن على المدى الطويل، إذ يجري بناء الثقة بين البلدين عبر تنسيق عملياتي مستمر وتبادل الخبرات الميدانية، مع تعزيز الروابط في مجالات الصناعة الدفاعية والتخطيط اللوجستي.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأوضح أستاذ العلاقات الدولية وتسوية النزاعات، أن هذه الدينامية تجعل من المغرب نقطة ارتكاز رئيسية لتحركات القوى الغربية في إفريقيا، نظرًا لموقعه الجغرافي المتحكم في الممرات البحرية الأطلسية والمتوسطية.
وأكد على أن هذه المقاربة المغربية تنسجم مع سياسة خارجية متوازنة تتجنب منطق الاصطفاف الحاد، وتعتمد على التعاون الانتقائي مع القوى الكبرى؛ بما يخدم الأمن القومي والمصلحة الوطنية، لافتًا إلى أن ذلك ما يفسر تزايد ثقة الدول الأوروبية والعربية والإفريقية بالمغرب كشريك مستقر وموثوق.
❖ الأمن أولاً
يوضح لعروسي أن مفهوم الأمن في الرؤية المغربية يتجاوز المقاربة العسكرية الضيقة، ليشمل عناصر التنمية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مشيرًا إلى أن المغرب لا ينخرط في سباق تسلح غير محسوب، بل يراكم الخبرة عبر التدريب والجاهزية العملياتية؛ في إطار تخطيط عقلاني يوازن بين الدفاع وردع التهديدات دون استفزاز أو مغامرة.
وتعتبر أن تمرين “جبل الصحراء” يجسد هذه الفلسفة في أوضح صورها، إذ لا يروم التلويح بالقوة بقدر ما يهدف إلى رفع الكفاءة والانسجام بين الوحدات المغربية ونظيرتها البريطانية في مختلف بيئات القتال.
سباق أوروبي على تزويد المغرب بغواصتين عسكريتين.. لماذا تراهن المملكة على هذا النوع من السلاح؟
وأردف المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، أنه من خلال هذه المناورات، يثبت المغرب أنه يبني جيشًا محترفًا قادرًا على حماية السيادة الوطنية، مع الحفاظ على علاقات حسن الجوار.
وأضاف أن القوات المسلحة الملكية اليوم تتوفر على منظومة دفاعية متكاملة تشمل القدرات الجوية والبرية والبحرية والاستخباراتية، مدعومة بتكوين مستمر وتدريب عالي المستوى بإشراف خبراء دوليين.
وأكد الخبير في الشؤون الأمنية، على أنها جاهزية متوازنة، وليست سباقًا نحو التكديس العسكري، مبرزًا أن هذا النموذج يجعل من المغرب فاعلاً رصينًا يسهم في صون الاستقرار الإقليمي بدل تقويضه.
❖ مستقبل المنطقة
يعتبر لعروسي أن مستقبل الأمن في شمال إفريقيا والساحل رهين بقدرة الدول على تجاوز منطق الصدام وبناء رؤية جماعية للأمن والتنمية، موضحًا أن المنطقة تواجه تحديات مركبة من الإرهاب، والهجرة غير النظامية، والانقلابات العسكرية المتكررة، وانهيار مؤسسات بعض الدول المجاورة، وهو ما يستدعي تنسيقًا أكبر بدل الانغلاق على الذات.
وحذر الخبير في الشؤون الأمنية من أن الهوس بالتسلح يُعمق الشرخ المغاربي ويُجهض أي أفق لتكامل اقتصادي أو أمني، مبرزا أنه في المقابل؛ النموذج المغربي-البريطاني يتيح فرصة لتأسيس شراكات واقعية تقوم على تبادل المنافع لا على الاستعراض العسكري.
المناورات البحرية المغربية ـ الأمريكية.. هل تعزز أمن الموانئ أم تعكس تنافسًا إقليميًا متصاعدًا؟
ولفت المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية بالرباط، إلى أن المغرب يسعى إلى بناء توازن دفاعي يحمي حدوده ويمنح المنطقة استقرارًا طويل الأمد، دون الانجرار إلى منطق الرد بالمثل أو الدخول في سباق مكلف.
وشدد على أن الرهان الحقيقي ليس فيمن يملك السلاح الأكثر تطورًا، بل فيمن يمتلك رؤية أوضح للأمن والتنمية، مبرزًا أن تمرين “جبل الصحراء” يمثل في هذا الإطار؛ ترجمة عملية لعقلانية القرار الدفاعي المغربي، في مقابل اندفاع جزائري يغذيه وهم التفوق بدل منطق التوازن والاستقرار.

