شهدت مدينة تيفلت خلال الأيام الأخيرة حالة غضب واسعة، بعد اختطاف قاصر واغتصابها واحتجازها لمدة خمسة أيام في ظروف قاسية، قبل العثور عليها في وضع نفسي وجسدي منهار.
وتدخل السلطات جاء مباشرة بعد تحديد هوية المشتبه فيه، ليتم توقيفه وتقديمه أمام النيابة العامة التي أمرت بإيداعه السجن في انتظار التحقيق.
الحادثة تسلّط الضوء على تنامي العنف الموجه ضد القاصرين، وعلى هشاشة الحماية المخصصة لهم، ما يعيد إلى الواجهة أسئلة ملحّة حول فعالية آليات التبليغ والاستجابة، ودور المؤسسات في منع تكرار مثل هذه الجرائم.
الاعتداء الوحشي على فتاة تازة… هل النصوص القانونية كافية لمواجهة العنف؟
♦جذور الأزمة
يكشف وهناش احمد نجيب. رئيس فرع الخميسات للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، أن استمرار جرائم الاعتداء على الأطفال لا يرتبط فقط بضعف الردع القانوني، بل بواقع اجتماعي مضطرب تتقاطع فيه عدة مسببات خطيرة.
ويؤكد وهناش في تصريح لجريدة “شفاف”, أن القانون وحده لا يوقف موجة الجرائم ما دام المجتمع يعيش حالة “فوضى مجتمعية” حقيقية، تتغذى من انتشار المخدرات، وغياب الشغل، وتراجع الوعي القانوني، وانسداد الأفق أمام فئات واسعة من الشباب.
ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من الجناة يُدفع إلى الجريمة بسبب غياب التعليم الأساسي، وضياع المسار الدراسي، والتعرض للتهميش الاقتصادي والاجتماعي، ما يجعلهم أكثر قابلية للانحراف وتفجير العنف.
ويضيف أن الفقر المادي والمعنوي يضاعف هذا الهشاش، ويخلق جيلاً يعيش خارج أي منظومة قيمية أو قانونية واضحة، وهو ما يجعل الجريمة نتيجة طبيعية لسياق مختل وليس فعلا معزولا.
ويشدد على أن معالجة هذه الأسباب تتطلب رؤية شمولية تتدخل في الجذور، لا في النتائج، إذ الهدر المدرسي، والبطالة، وتأثير المواد المخدرة، ونقص الوعي بالمساطر القانونية، كلها حلقات مترابطة تؤدي في النهاية إلى إنتاج بيئة تكرّر العنف وتعيد إنتاج الجريمة، ومبرزا أنه من دون إصلاح هذه الأسس، سيظل القانون عاجزا عن حماية الأطفال بالشكل المطلوب.
♦ثغرات الحماية
يرصد وهناش ضعفا كبيرا في منظومة حماية الطفولة، انطلاقا من غياب المواكبة النفسية التي يفترض أن تواكب الضحايا منذ اللحظات الأولى.
ويشير إلى أن إحدى القضايا الحديثة التي أثارت الرأي العام كشفت هذا الخلل بشكل واضح، حيث لم يُعتقل الجاني إلا بعد خمسة أيام كاملة، وبعد تدخل الصحافة عبر بث مباشر، في حين كانت والدة الضحية قد قدّمت شكايتها منذ اليوم الأول دون أن تُؤخذ على محمل الجد.
ويلاحظ أيضاً أن الجمعيات العاملة في مجال حقوق الطفل لم تتواصل مع الضحية رغم مرور الأيام، ما يعكس ضعف التنسيق، وبطء ردّ الفعل، وغياب آليات فعّالة للتدخل السريع في الحالات المستعجلة.
المتهمون في ملف “قاصر طاطا” يقدمون روايتهم بخصوص الواقعة ومحاميهم يدفع ببراءتهم من تهمة الاغتصاب
ويرى أن هذا الفراغ المؤسسي يترك الضحية في مواجهة الصدمة وحدها، ويُضاعف الأضرار النفسية التي قد تمتد لسنوات، مؤكدا أن الرعاية النفسية ليست مجرد جانب ثانوي في مسار الإنصاف، بل هي جزء جوهري من الحماية، وأن غيابها يجعل العدالة منقوصة مهما كانت العقوبات.
ويظهر إلى أن المجتمع المدني والسلطات مطالبان بوضع آليات واضحة لضمان المواكبة الفورية، لأن الطفل يحتاج دعماً فورياً وليس فقط متابعة قضائية طويلة.
♦دعوات لإصلاح شامل
يدعو وهناش إلى مراجعة جذرية لطريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع البلاغات المتعلقة بالقاصرين، مؤكدا أن عدم أخذ شكاية والدة الطفلة على محمل الجد منذ البداية مثّل تقصيرا واضحا.
ويرى أن حالات اختفاء الأطفال يجب أن تُعامل بمنطق الاستعجال المطلق، لأن الدقائق الأولى قد تغيّر مسار القضية بالكامل، مطالبا بفتح قنوات تواصل فعّالة بين الأمن والمجتمع المدني المتخصص في حقوق الطفل، بهدف بناء الثقة وضمان سرعة التدخل.
ويجدد في السياق نفسه على ضرورة تحسيس الآباء والأمهات بأهمية مراقبة أبنائهم وحماية مسارهم اليومي، وعدم منح الثقة لأي غريب دون ضوابط، لأن الأسرة تظل خط الدفاع الأول.
الأحكام المخففة في قضايا الاعتداء على الأطفال ..هل يعكس تخفيف العقوبات ضعفًا في تطبيق القانون ؟
ويضيف أن الردع القانوني ضروري، لكنه غير كافٍ إذا لم تُعالَج الأسباب العميقة التي تُنتج الجريمة، مبرزا أن الحل يبدأ بإصلاح شامل يشمل محاربة الهدر المدرسي، وفرض التعليم الإجباري، وضمان تكافؤ الفرص بين الأطفال، ومحاربة البطالة والإدمان والفقر بكل أشكاله.
وخلص الفاعل الحقوقي إلى أن المجتمع المغربي أمام مفترق طرق حول أي نموذج إنسان نريد بناءه للسنوات المقبلة، مبرزا أن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالعقوبات وحدها، بل بإعادة تشكيل البيئة التي تُنتج المواطن، وبقرارات شجاعة تعالج جذور الاضطراب قبل نتائجه.

