أعلنت شركة “تسلا” الأمريكية، الرائدة في السيارات الكهربائية، عن افتتاح فرعها الرسمي “تسلا المغرب” في برج كريستال بمنطقة مارينا بالدار البيضاء، برأسمال يزيد عن 27 مليون درهم. وتعد هذه الخطوة استراتيجية لتعزيز حضور تسلا في السوق المغربية ودعم التحول نحو الطاقة النظيفة.
ويركز الفرع على استيراد وبيع وصيانة السيارات الكهربائية، مع توفير خدمات داعمة تشمل سيارات بديلة. كما تخطط تسلا لتطوير مشاريع في الطاقة المتجددة، مثل أنظمة تخزين الطاقة والطاقة الشمسية، وإنشاء شبكة محطات شحن سريع تغطي المغرب.
♦تسلا المغرب
أكد المحلل الاقتصادي علي الغنبوري أن إعلان شركة تسلا عن إنشاء فرع لها في المغرب، تحت اسم “تسلا المغرب”، يشكل حدثاً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، يعكس الطموح الكبير للمملكة المغربية في ترسيخ مكانتها كمنصة صناعية رائدة على المستويين الإقليمي والدولي في قطاع السيارات الكهربائية والطاقات المتجددة.
وفي تصريح لجريدة “شفاف”، أوضح الغنبوري أن هذه الخطوة ليست وليدة الصدفة، بل تأتي كنتيجة طبيعية للدينامية الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلته فاعلاً رئيسياً في سلاسل القيمة الصناعية، خاصة في صناعة السيارات وتكنولوجيا السيارات الكهربائية. مبرزا أن المغرب ينتج حالياً أكثر من 50 ألف سيارة كهربائية سنوياً، مع خطط طموحة لمضاعفة هذا الرقم خلال السنوات القادمة.
ويعتمد هذا الطموح، بحسب الغنبوري، على معطيات واقعية تشمل مناخ الأعمال المشجع، الذي يتميز بالاستقرار السياسي والاقتصادي، وتوفر يد عاملة مؤهلة بكفاءات عالية وبأجور تنافسية، إلى جانب بنية تحتية متطورة تشمل موانئ عالمية المستوى، مثل ميناء طنجة المتوسط، وشبكة طرق وسكك حديدية متكاملة.
وأشار إلى أن المناطق الصناعية المغربية، مثل تلك الموجودة في القنيطرة وطنجة، تم تهيئتها بمعايير عالمية لتلبية متطلبات الشركات الكبرى، مما يجعل المغرب وجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع الصناعي. ومضيفا أن البرامج الوطنية التي يطورها المغرب في مجال الطاقات المتجددة تشكل ركيزة أساسية في جذب الاستثمارات النوعية، لا سيما تلك المرتبطة بالصناعات الخضراء وتكنولوجيا المستقبل.
♦المغرب والطاقة المستقبلية
وفي هذا السياق، لفت الغنبوري إلى أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في أن تشكل الطاقات المتجددة 52% من المزيج الطاقي الوطني بحلول عام 2030، وهو هدف يدعم التحول الطاقي ويقلص البصمة الكربونية. معتبرا أن استثمار تسلا في المغرب ينسجم تماماً مع هذه الرؤية، حيث يسهم في تعزيز الاقتصاد الأخضر وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
واستند الغنبوري إلى أن هذا الاستثمار لا يقتصر على البُعد الصناعي فقط، بل يرتقي ليكون جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد للمغرب، تشمل تعزيز السيادة الطاقية عبر تطوير صناعات محلية معتمدة على مصادر نظيفة، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، مع خلق فرص شغل جديدة ذات قيمة مضافة عالية؛ مبرزا أن الميزة الجغرافية للمغرب كبوابة بين إفريقيا وأوروبا، هي التي عززت مكانته كمركز لوجستي واقتصادي يربط الأسواق العالمية.
وأوضح الغنبوري أن التوجه الأوروبي نحو تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2040 يضع ضغوطاً كبيرة على معايير الإنتاج واستخدام الطاقة البديلة، ويبرز الحاجة لتعديل الصناعات الوطنية لمواكبة المتطلبات الدولية، لاسيما وأن أوروبا تُعدّ الشريك الاقتصادي الأول للمغرب،
وأكد أن المملكة تبذل جهوداً مضاعفة عبر الاستثمار المباشر في محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح واستقطاب رؤوس أموال أجنبية في الصناعات النظيفة، مشيراً إلى قرار “تسلا” بإنشاء فرع ومصنع في المغرب باعتباره دليلًا ملموسًا على نجاح هذه الاستراتيجية.
وشدد المتحدث، على أن تموقع تسلا في المغرب يعكس تحول المملكة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاندماج الكامل في سلاسل الإمداد والصناعات العالمية. مستدلا بذلك على إنتاج المغرب السنوي الذي يتجاوز 750 ألف سيارة، منها 50 ألف سيارة كهربائية، مما يعزز مكانته كقاعدة إنتاج دولية.
وأرجع هذا الإنجاز إلى رؤية استراتيجية واضحة اعتمدها المغرب على مدى عقود، شملت تطوير بيئة استثمارية جاذبة من خلال تحسين البنية التحتية، وتبني قوانين محفزة، وإنشاء مناطق صناعية مجهزة، إلى جانب الاستثمار في التكوين المهني لتأهيل يد عاملة قادرة على تلبية متطلبات الصناعات المتقدمة.
وأفاد الغنبوري أن النقطة المحورية التي تجعل المغرب وجهة مفضلة للمستثمرين العالميين تكمن في ثرواته المعدنية الاستراتيجية، وعلى رأسها الفوسفاط، الذي يُعدُّ عنصرًا أساسيًا في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية—حيث يملك المغرب نحو 70% من احتياطياته العالمية.
كما أظهر أهمية المعادن الأخرى مثل التيتانيوم والألومنيوم، المستخدمة في تصنيع مكونات السيارات الحديثة، مؤكّدًا أن الفوسفاط يمثل “رأس الحربة” في هذه الصناعة، ما يمنح المملكة ميزة تنافسية كبيرة في الأسواق العالمية متنامية الطلب على البطاريات الكهربائية.
♦المغرب وجهة الاستثمار
صرح الغنبوري بأن دخول «تيسلا» رسميًا إلى السوق المغربي عبر تأسيس فرع محلي يشكل مؤشرًا قويًا على أن شركات عالمية أخرى مرشحة للدخول، خاصة في ظل المنافسة الشرسة بين الولايات المتحدة والصين على سوق السيارات الكهربائية. مؤكدا أن الصين كانت الرائدة عندما أنشأت أكبر مصنع لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية في المغرب عبر شركة “Gotion High Tech” باستثمار يصل إلى 1.3 مليار دولار، وهو ما يبرز استراتيجية بكين الرامية إلى توسيع حضورها العالمي انطلاقًا من المملكة. ومضيفا أن هذه الدينامية تُبرهن على أن المغرب أصبح مركز جذب للصناعات المستقبلية بفضل موقعه الاستراتيجي ومزاياه التنافسية المتعددة.
وأوضح الغنبوري أن المغرب يقدم مزيجاً فريداً من الحوافز التي يصعب توفرها مجتمعة في دول أخرى، تشمل الاستقرار السياسي، الانفتاح الاقتصادي، شبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة مع أسواق عالمية كبرى، يد عاملة مدربة، حوافز ضريبية مغرية، وبنية تحتية متطورة. ومؤكدا أن الإرادة السياسية القوية التي تقود هذه الاستراتيجية، والتي تجسدت في رؤية القيادة المغربية، كانت عاملاً حاسماً في تحويل المغرب إلى “أرض خصبة” للاستثمارات في الصناعات النظيفة.
وأبان أن نجاح المغرب في استقطاب شركات عالمية بحجم تسلا يعكس مساراً إصلاحياً طويل الأمد، استند إلى استراتيجية محكمة أثبتت فعاليتها. مشيرا إلى أن هذا النجاح لم يقتصر على القطاع الصناعي، بل امتد ليشمل قطاعات أخرى مثل الطاقة المتجددة واللوجستيات والتكنولوجيا، مما يجعل المغرب نموذجاً يحتذى به في المنطقة. ومؤكدا أن ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المغربي تعكس قدرة المملكة على تحقيق طفرات نوعية في الاقتصاد الأخضر وصناعات المستقبل.
وخلص المحلل الاقتصادي، بالتأكيد على أن دخول تسلا إلى السوق المغربي لا يُعد مجرد استثمار اقتصادي، بل يُمثل رسالة قوية للعالم مفادها أن المغرب أصبح لاعبًا محوريًا في الاقتصاد العالمي، قادرًا على قيادة التحول نحو مستقبل مستدام يعتمد على التكنولوجيا النظيفة والابتكار. كما دعا إلى تعزيز هذه الاستراتيجية من خلال الاستثمار في البحث والتطوير، وتطوير الشراكات الدولية، وتعزيز التكوين المهني، لضمان استمرارية هذا الزخم الاقتصادي.

