تتزايد المخاوف في الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية بشأن احتمال اعتراف أمريكي جديد بسيادة المغرب على مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، على غرار ما حدث مع الصحراء المغربية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وتأتي هذه التخوفات في ظل متغيرات جيوسياسية جديدة، حيث يرى بعض المراقبين أن أي خطوة مماثلة من قبل واشنطن قد تعمق التوتر في العلاقات المغربية-الإسبانية، وتفتح الباب أمام جدل دبلوماسي واسع داخل الاتحاد الأوروبي.
وكان اعتراف إدارة ترامب بمغربية الصحراء عام 2020 قد شكّل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في النزاع الإقليمي، مما دفع مدريد إلى اتخاذ موقِف حذر من تطورات الملف.
ومع استمرار الدينامية الدبلوماسية المغربية، عاد الحديث مجددًا عن احتمال أن تتخذ واشنطن موقفًا مشابهًا بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، وهو ما تعتبره إسبانيا مساسًا بوحدة أراضيها.
♦المغرب لايساوم على وحدته
يرى المحلل السياسي، وأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة عبد الملك السعدي، عبد الله أبو عوض، أن المسألة لا تتعلق بتخوف بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي حالة من التوجس المستمر، وهو أمر متوقع في ظل الوضع القانوني والسياسي للمدينتين.
وأوضح أبو عوض في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المغرب ينظر إلى المدينتين كجزء لا يتجزأ من سيادته الوطنية، وهو موقف مبدئي ثابت لا يخضع للمساومة أو الحسابات السياسية الظرفية.
وأضاف قائلا: “المغرب لا يساوم على وحدته الترابية، وهذا أمر محسوم منذ عقود، سواء تعلق الأمر بالصحراء المغربية أو بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، فالتاريخ والجغرافيا يؤكدان مغربيتهما، وما يراه البعض تخوفًا من الجانب الإسباني هو في الواقع إدراك متأخر لحقيقة أن الزمن لم يعد في صالح استمرار الوضع الراهن.”
♦المغرب وإسبانيا تربطهما مصالح مشتركة
شدد المحلل السياسي بخصوص مسألة كيفية إدارة الملفات الخلافية بين البلدين على أن المغرب وإسبانيا تربطهما مصالح استراتيجية عميقة، وهو ما يجعل من الحوار والتفاوض السبيل الأمثل لحل القضايا العالقة بينهما.
وأردف أبو عوض قائلا: “إسبانيا تدرك أن علاقتها بالمغرب لم تعد مجرد علاقة جوار، بل هي علاقة مبنية على المصالح المتبادلة، سواء في ملف الهجرة، أو التعاون الأمني، أو المصالح الاقتصادية، وهذه العوامل تجعل من الحكمة أن يتم تدبير الملفات الشائكة بمنطق العقلانية والتفاهم، بعيدًا عن التصعيد أو المواقف المتشنجة.”
وأشار المتحدث إلى أن الاعتراف الإسباني بمغربية الصحراء كان خطوة تعكس تحوّلًا في نظرة مدريد إلى قضايا السيادة المغربية، ما قد يفتح الباب مستقبلاً لنقاش أكثر جدية حول وضع سبتة ومليلية.
وأبان المحلل السياسي، أن هذا التحول ليس وليد ضغوط خارجية، بل جاء نتيجة اقتناع إسبانيا بأهمية التعاون مع المغرب في قضايا ذات بعد استراتيجي، منها التعاون الأمني ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، فضلاً عن المصالح الاقتصادية المتنامية بين البلدين.
♦قرار أمريكا غير مؤثر في هذا الملف
أوضح أبو عوض أن السياسة الخارجية الأمريكية قد تتدخل في الكثير من النزاعات الإقليمية، لكنها غالبًا ما تراعي التوازنات القائمة وتحافظ على مصالحها مع جميع الأطراف.
وقال في هذا الصدد: “واشنطن قد تكون مؤثرة في ملفات معينة، لكنها لن تكون العامل الحاسم في قضية مثل سبتة ومليلية، لأنها قضية تخص بالدرجة الأولى المغرب وإسبانيا. وبالتالي، أي تغيير محتمل في موقف الولايات المتحدة لن يكون له تأثير مباشر، لأن الحل في نهاية المطاف يجب أن ينبع من إرادة البلدين وليس من تدخل قوى خارجية.”
أما بخصوص مخاوف الأوساط الإسبانية، وخاصة رئيس حكومة مليلية المحتلة، من احتمال اعتراف أمريكي بمغربية المدينتين، يبين أبو عوض، أن هذه المخاوف ليست بالضرورة مبنية على معطيات حقيقية، بل قد تكون مجرد تكتيك سياسي لإثارة النقاش الداخلي في إسبانيا حول مستقبل المدينتين.
وزاد قائلا: “حين يكون مسؤول إسباني في موقع تدبير الشأن المحلي في سبتة أو مليلية المحتلتين، فمن الطبيعي أن يبدي مخاوفه، لأن ذلك يعكس هواجس سكان المدينتين الذين يخشون أي تغيير قد يمس وضعهما. لكن في الوقت ذاته، هناك وعي داخل إسبانيا بأن المغرب أصبح أكثر قوة من الناحية الدبلوماسية، وبأن مسألة السيادة على المدينتين قد تطرح في المستقبل بشكل أكثر وضوحًا على طاولة المفاوضات.”
ولفت أبو عوض إلى أن التخوف الإسباني قد يكون مرتبطًا أيضًا بالنجاحات التي حققتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال كسب دعم دول كبرى لمغربية الصحراء، أو عبر تعزيز مكانته كشريك استراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي.
وتابع موضحًا: “المغرب اليوم ليس كما كان قبل عقود. لقد نجح في بناء تحالفات قوية، سواء مع أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح لاعبًا مهمًا في المنطقة. وهذا الواقع يجعل إسبانيا أكثر حذرًا في التعامل مع القضايا الخلافية، لأنها تدرك أن تجاهل المطالب المغربية قد لا يكون في مصلحتها على المدى الطويل.”
♦الوضع يفرض على البلدين تدبير خلافاتهما بعقلانية
وبشأن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية في ظل هذه المتغيرات، يبين المحلل السياسي أن الواقعية السياسية تفرض على البلدين تدبير خلافاتهما بعقلانية، مشيرًا إلى أن هناك أصواتًا داخل إسبانيا بدأت تدعو إلى مراجعة سياسات مدريد تجاه المغرب، بناءً على معطيات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية. وموضحا أن أي تحول محتمل في الموقف الإسباني لن يكون مفاجئًا، بل سيكون نتيجة تطور طبيعي في العلاقات الثنائية.
وشدد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة عبد الملك السعدي، أن قضية سبتة ومليلية المحتلتين ليست مسألة يمكن حلها بين ليلة وضحاها، ولكنها ستظل مطروحة على أجندة العلاقات المغربية الإسبانية، خاصة في ظل التحولات الدولية التي تفرض نفسها على البلدين.
وأضاف: “الأكيد هو أن المغرب لن يتخلى عن قضاياه السيادية، لكنه في الوقت ذاته، يدرك أن الحلول الدبلوماسية تبقى دائمًا الخيار الأفضل. المستقبل قد يحمل تطورات مهمة في هذا الملف، خاصة إذا استمر المغرب في تعزيز حضوره الدولي وتقوية شراكاته الاستراتيجية، وهذا ما يثير التوجس الإسباني أكثر من أي شيء آخر.”

