أوصت المفوضية الأوروبية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالموافقة على اتفاق تجاري جديد مع المغرب يشمل الأقاليم الجنوبية، في خطوة تعكس تقاربًا سياسيًا واقتصاديًا غير مسبوق مع الرؤية المغربية لقضية الصحراء، حيث يأتي هذا التحول قبل أيام من دخول أحكام محكمة العدل الأوروبية حيز التنفيذ، والتي تستثني المنتجات القادمة من الصحراء من الاتفاقات التجارية مع المغرب، ما يجعل من التوصية الأوروبية ورقة دعم قوية للرباط في مساعيها لتكريس اندماج الأقاليم الجنوبية في الاقتصاد الوطني، وضمان استفادة سكانها من مشاريع تنموية مستدامة تحت إشراف مباشر من السلطات المغربية.
ولكن هذا التوافق الذي يبدو في ظاهره انتصارًا دبلوماسيًا للمغرب، يثير في العمق تساؤلات ضمنية حول قدرة بروكسل على التوفيق بين الالتزامات القضائية الأوروبية والمصالح الاستراتيجية مع الرباط، وبين ضغوط لوبيات حقوقية ومراكز قرار داخل الاتحاد، كما يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمستقبل الاتفاقيات التجارية؛ خاصة مع عودة النقاش حول صيغة جديدة لاتفاقية الصيد البحري والزراعة، ومع دخول قوى دولية أخرى على خط الاستثمار في الصحراء المغربية.
الاتحاد الأوروبي يسعى لتعديل اتفاقيته التجارية مع المغرب لتفادي إلغائها بعد حكم قضائي بشأن الصحراء
❖ مكاسب دبلوماسية
يعتبر بوبكر أنغير، الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن توصية المفوضية الأوروبية بالموافقة على اتفاق تجاري جديد يشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة، تمثل انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا للمغرب، مبرزًا أنها تعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في إقناع المؤسسات الأوروبية؛ الاقتصادية والسياسية، بأحقية المغرب في صحرائه وبشرعية سيادته على كامل ترابه.
وقال أنغير في تصريح لجريدة “شفاف”، إن هذا التوافق لا ينفصل عن مسار طويل من الجهود التي قادتها الرباط لتكريس حضورها السياسي والاقتصادي داخل الفضاء الأوروبي، وربطه بمصالح مشتركة تعلو على المناورات الجزائرية وصنيعتها البوليساريو.
شراكة استراتيجية مغربية أمريكية.. موانئ المملكة بوابات آمنة للتجارة العالمية
وأضاف الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن الدلالة الأعمق لهذا التحول الأوروبي تكمن في تغير الأولويات داخل الاتحاد الأوروبي، الذي بات يركز على التنمية الاقتصادية والأمن الطاقي بدل الانجرار وراء شعارات فضفاضة.
وأردف أن بروكسل أدركت أن خطاب الجزائر لم يعد مقنعًا ولا قابلاً للبناء عليه، وأن تعنتها يعرقل كل مسارات التسوية السياسية ويضر بالمصالح الإقليمية والدولية، بما في ذلك تعطيل بناء اتحاد مغاربي قوي.
ولفت إلى أن هذا التحول يعكس وعي أوروبا بمستقبلها الاستراتيجي، حيث لم يعد ممكنًا تعطيل التعاون مع المغرب؛ البلد الذي يُنظر إليه كجسر حيوي بين إفريقيا وأوروبا، وكفاعل أساسي في مجالات التجارة والأمن والهجرة والطاقة.
❖ مصالح أوروبية
يشدد أنغير على أن الاتحاد الأوروبي لم يتخذ قراره بدافع المجاملة، بل بدافع الوعي العميق بمصالحه الاستراتيجية، لافتًا إلى أن المغرب بالنسبة لأوروبا ليس فقط مزودًا بالمنتجات الفلاحية والبحرية، بل أيضاً شريكًا محوريًا في القضايا الجيوستراتيجية؛ من محاربة الإرهاب في الساحل والصحراء، إلى كونه بوابة لولوج الأسواق الإفريقية.
وذكر أن أي تصدع في العلاقة مع المغرب، سيُستغل فورًا من قبل الولايات المتحدة والصين وروسيا، وهي كلها قوى تبحث عن تعزيز نفوذها في إفريقيا، مبرزًا أنه لهذا لا يمكن لبروكسل أن تترك ثغرات قد تضعف حضورها أمام منافسيها الدوليين؛ خصوصًا وأن الاقتصاد الأوروبي يمر بمرحلة دقيقة بعد تداعيات الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة.
السموني يبرز أهم نقاط التفاوض المغربي حول الاتفاقية الجديدة للصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي
وأضاف أن رهان أوروبا على المغرب مرتبط أيضًا بالطاقات المتجددة، باعتبار أن المغرب يقدم نفسه كفاعل صاعد في مجال الطاقات البديلة، من الهيدروجين الأخضر إلى الطاقة الشمسية والريحية، وهو ما يجعله قادرًا على تزويد القارة العجوز بمصادر بديلة للطاقة، في وقت تبحث فيه عن تقليص تبعيتها لروسيا.
❖ صيغة وسطية
حول ما يوصف بـ”الصيغ الوسطية” التي حاولت المفوضية الأوروبية اقتراحها بشأن اتفاقيات الصيد البحري والزراعة، يؤكد أنغير أن هذه ليست مساسًا بالسيادة المغربية، بل على العكس، هي اعتراف ضمني بها.
وأردف الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن الاتحاد الأوروبي لم يستثني الأقاليم الجنوبية من الاتفاقيات، بل أكد أن منتجاتها تدخل في صلب العلاقات التجارية مع المغرب، مع الإبقاء على إشراف السلطات المغربية على كل الوثائق والإجراءات.
واعتبر أن هذا الموقف يمثل هزيمة ثقيلة للجزائر والبوليساريو، اللتين كانتا وراء اللجوء إلى محكمة العدل الأوروبية، أملاً في تعطيل الاتفاقيات؛ إلا أن الواقع بيّن أن المؤسسات الأوروبية لا يمكنها التضحية بمصالحها الاقتصادية لصالح حسابات سياسية ضيقة.
وأضاف أن القوى الأوروبية أظهرت براغماتية عالية، حيث ميزت بين الاقتصادي والسياسي، وفضلت الانخراط في شراكة رابح-رابح مع المغرب بدل الانجرار وراء صراعات إيديولوجية لا طائل منها.
❖ تحول استراتيجي
بالنسبة لأنغير، نحن أمام تحول استراتيجي أوروبي في التعاطي مع ملف الصحراء، إذ لم تعد المؤسسات الأوروبية تُعير وزنًا كبيرًا لخطاب الجزائر ولا لمرافعات البوليساريو، بل صارت تركز على ما هو عملي وواقعي؛ أي شراكة متوازنة مع المغرب تعود بالنفع على الطرفين.
بين “المينورسو” و”المنساسو”.. هل يقترب نزاع الصحراء من محطة الحسم أم من إعادة إنتاج الجمود؟
ولفت إلى أن هذا التحول يقوم على منطق المصلحة المشتركة، معتبرًا أن المغرب يستفيد من الخبرات والتقنيات الأوروبية، بينما تستفيد أوروبا من المنتجات الفلاحية والبحرية المغربية، ومن موقع المملكة كبوابة نحو إفريقيا، مبرزًا أن صيغة “رابح-رابح” أصبحت القاعدة الجديدة للعلاقات الثنائية.
واستطرد أن نجاح هذه الشراكة سيمثل أيضًا رسالة إلى بقية القوى الدولية، من روسيا إلى الصين إلى الولايات المتحدة؛ مفادها أن المغرب أصبح رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية، وأنه قادر على فرض شروطه كشريك لا يمكن تجاوزه.
❖ موقع تفاوضي
يشير أنغير إلى أن المغرب اليوم يوجد في موقع تفاوضي مميز على الصعيد الدولي، بفضل تنويعه لشبكة تحالفاته الاقتصادية والدبلوماسية، حيث نجح في الانفتاح على روسيا والصين والهند وأمريكا اللاتينية، إلى جانب شراكاته التقليدية مع أوروبا والولايات المتحدة، موضحًا أن هذا التنويع مكنه من تعزيز قوته التفاوضية، ورفع أسهمه في الساحة الدولية.
وأضاف أن الموقع الجيوستراتيجي للمغرب، إلى جانب دينامية دبلوماسيته بقيادة الملك محمد السادس، جعلا منه شريكًا مفضلاً للقوى الكبرى، التي تتسابق اليوم للاستثمار في المملكة، خصوصًا في أقاليمها الجنوبية.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
ويرى أنغير أن الاتفاق التجاري الجديد مع الاتحاد الأوروبي ليس مجرد صفقة عابرة، بل تجسيد لنجاح المغرب في كسب رهانات التنافس الدولي حول إفريقيا.
وشدد الباحث في العلوم السياسية وتاريخ العلاقات الدولية، أن المملكة لم تعد مجرد طرف في نزاع إقليمي، بل فاعل إقليمي ودولي يحدد مسارات التعاون والشراكة وفق منطق المصالح المشتركة.

