تشهد إسبانيا تصاعدًا ملحوظًا في موجات العنف والتمييز ضد الجالية المغربية، وسط تصاعد خطابات اليمين المتطرف وصمت رسمي يثير قلقًا واسعًا.
وأثار اعتداء على رجل مسن في “توري باتشيكو” جدلًا كبيرًا، بعدما وجهت اتهامات غير مؤكدة لشبان من أصول مغاربية، ما استُغل كذريعة للتحريض على المغاربة، خصوصًا من قبل حزب “فوكس”.
وتعكس هذه الحادثة تراكمات طويلة لخطاب سياسي وإعلامي سلبي يربط المغاربة بالتهديد، وتؤكد استطلاعات رسمية أن نسبة كبيرة من الإسبان تصنف المغرب كخطر أمني يفوق تهديدات كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة، ما يعكس تشويشًا عميقًا في الوعي الجمعي.
وتتزامن هذه التصورات مع مؤشرات واضحة على استمرار استغلال ملف المغرب وقضية الصحراء في الدوائر السياسية الإسبانية، رغم وجود ما يوصف بعلاقات ثنائية “عصرية ذهبية”.
مواجهات عنصرية في توري باتشيكو تكشف تصاعد استهداف المهاجرين المغاربة بإسبانيا
وتغذي هذه المعطيات مناخا اجتماعيا مشحونا يؤثر مباشرة على وضع الجالية المغربية، خاصة في ظل غياب إجراءات حكومية حازمة تمنع تفاقم التوترات وتقوض التعايش بين الطرفين.
♦شكوك حول الاعتداء
رفض مشيج القرقري، الخبير في الشؤون الدولية، الحسم في الرواية المتداولة بشأن الاعتداء على رجل مسنّ يبلغ من العمر 70 سنة بإحدى بلدات إقليم مورسيا، والتي اتُّهم فيها ثلاثة أشخاص يُعتقد أنهم من أصول مغربية.
واعتبر الخبير في الشؤون الدولية في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المعطيات المتداولة لا تستند إلى تأكيد رسمي، موضحاً أن تحديد هوية المعتدين يبقى من صلاحيات الشرطة والقضاء، وليس بناءً على تصريحات فردية.
وأوضح القرقري أن الضحية قد يكون اعتقد أو ظن أن المعتدين يحملون ملامح مغربية أو مغاربية، وهو تقدير شخصي لا يمكن الركون إليه، مضيفا إلى أن هذه الاتهامات المنقولة تبقى مجرد احتمال لم تؤكده أي جهة رسمية، ومحذراً من التسرع في ربط الحادثة بالهجرة أو بأصول المعتدين المفترضين.
ونوّه الخبير إلى أن زوجة الضحية خرجت بدورها للمطالبة بوقف أعمال العنف، دون أن توجه اتهاما مباشرا لأي تيار سياسي أو جماعة، بما فيها اليمين المتطرف، ملفتا إلى أن الصمت إزاء خلفية المعتدين يعكس وعيا بأن المسألة لم تُحسم بعد، وأن التسرع في إصدار أحكام يغذي الاحتقان المجتمعي.
♦استغلال سياسي ممنهج
انتقد القرقري توظيف اليمين المتطرف لهذا النوع من الحوادث في حملاته السياسية، مشيراً إلى أن استغلال قضايا الهجرة بات سلاحاً جاهزاً لدى أحزاب مثل “فوكس”.
وبيّن أن هذا الحزب، رغم حداثته، أصبح يركب موجة العداء للمهاجرين في إطار خطاب شعبوي يعيد إنتاج نفس المزاعم: تهديد الأمن، سرقة فرص العمل، والمسّ بالهوية الوطنية.
وفصّل القرقري في جذور هذا التوجه، مبرزاً أن حزب “فوكس” لا يمثل الامتداد الطبيعي لليمين الإسباني، عكس الحزب الشعبي الذي يرتبط تاريخياً بما بعد حقبة فرانكو.
وأكد أن صعود “فوكس” لا يعكس خصوصية إسبانية بقدر ما يندرج ضمن تيار عالمي أوسع عرفته فرنسا وإيطاليا والأرجنتين وغيرها من الدول.
الإسبان يرون في المغرب التهديد الخارجي الأول لبلادهم حسب استطلاع معهد إلكانو
وشدّد القرقري على أن هذا الخطاب لا يلقى إجماعاً داخل المجتمع الإسباني، مذكّراً بأن إسبانيا نفسها كانت في مراحل تاريخية بلداً مُصدّراً للهجرة.
وأشار إلى أن ملايين الإسبان اضطروا للهجرة خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، ما خلق وعياً اجتماعياً واسعاً بتعقيد الظاهرة، ورفضاً لمقاربتها كخطر خارجي.
ورأى القرقري أن هذا الوعي لا يمنع “فوكس” من استقطاب فئات معينة من الناخبين، مستفيداً من ضعف الأحزاب التقليدية وتراجع الثنائية السياسية التي كانت قائمة بين الحزب الاشتراكي والحزب الشعبي، معتبرا أن هذا الفراغ السياسي سمح بولادة قوى جديدة على هامش الطيف الحزبي، سواء في اليسار أو اليمين.
♦دعوة لتحرك مؤسساتي
واستحضر القرقري الدور المهم الذي تضطلع به الجالية المغربية داخل إسبانيا، خاصة في الأقاليم الفلاحية مثل مورسيا، مؤكدا أن غياب اليد العاملة المغربية في هذه المناطق من شأنه أن يشلّ الإنتاج الزراعي، وهو واقع يعلمه جيداً أرباب العمل والمزارعون، ما يُكذّب خطاب الكراهية.
وذكّر الخبير بتدخل الجالية المغربية خلال الفيضانات الأخيرة في بلنسية، حيث قدّمت دعماً واسعاً، نال إشادة الصحافة الإسبانية والرأي العام، معتبرا أن هذا النوع من المواقف يفضح زيف الخطاب اليميني المتطرف الذي يروّج لصورة نمطية عدائية عن المهاجرين.
ونبه القرقري إلى هشاشة الوضع السياسي الراهن في إسبانيا، مشيراً إلى أن أي حادث بسيط قد يُوظف بشكل مفرط في سياق انتخابي متقلب، وموضحا أن اليمين التقليدي والمتطرف يتنافسان على استغلال الأحداث، في ظل حكومة ضعيفة، وتجاذبات برلمانية حادة، وضغوط قضائية متزايدة، وتهديد دائم بانتخابات مبكرة.
وحذر القرقري من ميل اليمين المتطرف نحو نزعة فاشية تستلهم خطابها من إرث فرانكو، رغم أن المرحلة الفرانكوية طُويت دستورياً منذ سنة 1978، معتبرا أن المناخ السياسي المضطرب يوفّر بيئة خصبة لعودة مثل هذه التوجهات، التي تهدد التعايش والديمقراطية.
وتساءل القرقري عن دور المؤسسات المغربية في هذا السياق، مشيداً بالتمثيلية القنصلية للمغرب في إسبانيا، وبالتحركات التي تقوم بها وزارة الخارجية. لكنه في المقابل، انتقد تعطيل آليات مؤسساتية مهمّة، أبرزها المجلس الأعلى للهجرة، الذي لم يُفعّل رغم التنصيص عليه في الدستور.
ودعا إلى إعادة هيكلة هذا المجلس عبر مشاورات حقيقية، ليصبح أداة فعالة لحماية مصالح الجالية المغربية ومواكبة قضاياها، خصوصاً في هذه المرحلة الدقيقة، مؤكدا أن غياب هذه المؤسسة يمثل فراغاً سياسياً وتنظيمياً يجب تداركه.
وأنهى القرقري تصريحه بالتشديد على أهمية تفعيل الفصل 30 من الدستور المغربي، الذي يتيح للأجانب المقيمين في المغرب حق التصويت.
وأوضح أنه في حال تطبيق هذا المقتضى على الإسبان، فإن الدستور الإسباني سيمنح المغاربة المقيمين في إسبانيا نفس الحق، ما يعني إدماج قرابة مليون مغربي في المعادلة السياسية الإسبانية، وتحويلهم من ضحايا محتملين إلى قوة انتخابية مؤثرة.
♦استهداف يغديه التاريخ
وفي السياق ذاته، أرجع محمد الخشاني، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، والخبير في قضايا الهجرة الدولية، أسباب التمييز والعنف الذي يطال المغاربة في إسبانيا إلى ثلاثة محاور رئيسية متداخلة، مؤكدًا أن الأمر ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مسار طويل من التراكمات.
وفسّر الخشاني في تصريح لجريدة “شفاف”، هذا الاستهداف بكون الجالية المغربية تمثل أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، وهو ما يجعلها هدفًا مباشرًا لخطابات التيارات اليمينية المتطرفة
وأبرز المتحدث أن هذا الحضور العددي المكثف للمغاربة في المجتمع الإسباني يثير حساسية فئات معينة تستخدمه ذريعة لتأجيج مشاعر الكراهية والتخويف.
وذكر الخشاني إلى أن العلاقة بين المغرب وإسبانيا لم تكن يوما بسيطة أو مستقرة، بل ظلت رهينة صراعات تاريخية متكررة، من بينها الحروب، الطرد الجماعي، والتوترات السياسية.
واعتبر الخبير قي قضايا الهجرة الدولة،أن هذا الإرث التاريخي لا يزال يلقي بظلاله على الوعي الجمعي الإسباني، ويغذي بشكل غير مباشر المواقف العدائية تجاه المغاربة.
وسلّط الخشاني الضوء على البعد الثقافي والنفسي الذي يعزز هذه المواقف، مبرزًا كيف ترسخت صورة نمطية سلبية عن “المغربي” في المخيال الإسباني، خاصة بعد مشاركة آلاف المغاربة ضمن ما سمي بـ”الحرس الفرانكاوي” إبان حكم فرانكو.
وأوضح أن المغاربة اللذين شاركوا في الحرس الفرانكاوي جرى تجنيدهم من أوساط فقيرة، دون تعليم أو وعي سياسي، وتم الدفع بهم كأدوات للبطش في خدمة نظام فرانكو، مقابل وعود زائفة بمنحهم الاستقلال، مما جعل التجاوزات التي تورط فيها بعضهم تترسخ بقوة في الذاكرة الجماعية الإسبانية.
وأبرز الخشاني أن الإسبان لم ينسوا إلى اليوم الجروح التاريخية المتعلقة بمعركة أنوال، التي قُتل فيها 13 ألف جندي بقيادة الجنرال سلفستريإسباني، مما رسّخ في اللاشعور الإسباني مرة أخرى شعورًا بالثأر أو الحذر من المغرب والمغاربة.
واستحضر الخشاني شواهد من تلك الحقبة، حيث تحوّل “المغربي” إلى رمز للترهيب الشعبي، لدرجة أن بعض الأمهات كنّ يُخيفن أبناءهن بعبارات مثل “المورو قادم”، أي “المغربي قادم”، مما كرّس صورة “الغريب العنيف” التي يستثمرها اليوم اليمين المتطرف في دعايته السياسية.
♦استغلال سياسي مفضوح
وشدد الخشاني على أن ما يجري حاليًا ليس مجرد رد فعل على حادث عرضي، بل هو نتيجة منطقية لخطاب كراهية يُغذّى باستمرار، موضحا أن حزب “فوكس” اليميني المتطرف، على وجه الخصوص، يتخذ من كل حادث فرصة لاتهام المغاربة، حتى في غياب أي دلائل أو إثباتات، كما حدث مؤخرًا حيث استُخدم حادث لم تُثبت علاقة أي مغربي به لتأجيج موجة تحريض ضد الجالية.
وركز الخشاني على ما يحدث حاليًا في منطقة مورسيا كمثال واضح، حيث تسود أجواء من العنف المقلق، من اعتداءات وتحريض إلى أعمال انتقامية جماعية ضد المغاربة، مشيرا إلى أن المفارقة تكمن في أن اقتصاد هذه الجهة يعتمد بشكل كبير على المهاجرين، وكثير منهم مغاربة، رغم هشاشة أوضاعهم القانونية، إلا أن وجودهم يُستغل في تسويق خطاب يعتبرهم خطرًا على المجتمع.
ورأى الخشاني أن تعامل الحكومة الإسبانية مع الواقعة لا يزال باهتًا ولا يرقى إلى مستوى التحديات، رغم صدور بعض مواقف التنديد من مسؤولين حكوميين وعدد من النواب ضد ما حدث وضد الخطابات التحريضية التي يروّجها حزب “فوكس”.
وفي الأخير، خلص الخشاني على أن ما يقع ليس حادثًا معزولًا، بل مؤشر خطير على تنامي العداء تجاه المغاربة والمهاجرين عمومًا في إسبانيا.

