تتجه أنظار المتابعين إلى تطورات النزاع الكروي بين المغرب والسنغال، في ظل تصعيد قانوني وإعلامي أعقب الندوة الصحفية التي عقدها الاتحاد السنغالي بباريس، والتي عكست، وفق معطيات متطابقة، ارتباكا واضحا في الطرح وتناقضا في المواقف المعروضة.
ففي الوقت الذي يطعن فيه الجانب السنغالي في قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، يقر ضمنيا بواقعة الانسحاب التي شكلت الأساس القانوني للحكم بمنح اللقب للمغرب.
وفي المقابل، يستند الموقف المغربي إلى قرار رسمي مؤسس على مقتضيات قانونية واضحة، ما يمنحه أفضلية داخل مسار التقاضي أمام محكمة التحكيم الرياضية، حيث يرتقب أن تحسم هذه الأخيرة في نزاع يتجاوز البعد الرياضي ليطرح رهانات قانونية ومؤسساتية أوسع.
♦الأساس القانوني الحاسم
أثبت الخبير القانوني صبري الحو أن قرار لجنة الاستئناف التابعة ل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم القاضي باعتبار السنغال منهزمة ومنح اللقب للمغرب يستند إلى أساس قانوني صلب، قائم على واقعة الانسحاب الجماعي من المباراة، معتبرا أن المركز القانوني المغربي هو الأقوى في مختلف مراحل النزاع.
وأوضح صبري الحو في تصريح لجريدة “شفاف”، أن جوهر القرار الصادر عن لجنة الانضباط الاستئنافية يرتكز على قاعدة قانونية واضحة مفادها أن الانسحاب من أرضية الملعب، سواء كان كليا أو مؤثرا على سير المباراة، يؤدي تلقائيا إلى اعتبار الفريق المنسحب منهزما بنتيجة ثلاثة أهداف لصفر.
وأكد أن هذه القاعدة منصوص عليها ضمن الأنظمة التأديبية المؤطرة لمنافسات الكاف، خاصة المواد التي تعالج حالات رفض اللعب أو تعطيل المباراة، مشددا على أن ما وقع في المباراة المعنية لا يدخل في خانة التأويل، بل هو واقعة ثابتة وموثقة بالصوت والصورة، حيث غادر عدد من لاعبي المنتخب السنغالي أرضية الملعب وتوجهوا نحو مستودع الملابس، في سلوك يفهم قانونا على أنه انسحاب جماعي.
وأضاف أن محاولة بعض الأطراف نفي هذا الانسحاب تصطدم بحقائق مادية مثبتة، من بينها تدخل اللاعب ساديو ماني لإقناع زملائه بالعودة، وهو ما يعزز فرضية الانسحاب وليس العكس، مبرزا أن القانون لا يشترط إعلان الحكم نهاية المباراة حتى يعتبر الانسحاب قائما، بل يكفي تحقق عناصره الواقعية، وهو ما يجعل قرار اللجنة الاستئنافية منسجما مع النصوص وروح القوانين الرياضية.
♦حدود سلطة الحكم
فكك الحو الجدل المرتبط بسلطة الحكم، موضحا أن هناك اتجاهين قانونيين: الأول يمنح الحكم سلطة واسعة، والثاني – وهو الأرجح – يربط هذه السلطة بمدى احترامه للنصوص القانونية، مؤكدا أن الحكم ليس مصدرا للقانون، بل مجرد مطبق له، وبالتالي لا يمكن أن تتجاوز قراراته القواعد المنظمة للعبة.
وأشار إلى أن القرارات التقنية للحكم، مثل احتساب الأخطاء أو الأهداف، تبقى ضمن سلطته التقديرية، لكنها ليست مطلقة عندما يتعلق الأمر بتطبيق قواعد تنظيمية أو تأديبية كحالة الانسحاب، موضحا أن المواد المؤطرة لقوانين اللعبة، خاصة تلك المرتبطة بتنظيم المباريات، تفرض على الحكم التقيد الصارم بالنصوص، ولا تترك له هامشا واسعا للاجتهاد في حالات واضحة.
وخلص إلى أن التذرع بعدم إطلاق صافرة النهاية لا يسقط واقعة الانسحاب، لأن القانون يبنى على الوقائع وليس فقط على الإجراء الشكلي، ما يعزز سلامة القرار الصادر ضد المنتخب السنغالي.
♦تعدد الهيئات وضمان الإنصاف
فسر الحو التباين بين قرار لجنة الانضباط الابتدائية وقرار اللجنة الاستئنافية بكونه نتيجة طبيعية لتعدد درجات التقاضي داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، مؤكدا أن هذا التعدد يشكل ضمانة أساسية لتحقيق العدالة، إذ يسمح بتصحيح الأخطاء المحتملة التي قد تقع في المرحلة الأولى.
وأبرز أن اللجنة الاستئنافية تمتلك صلاحيات أوسع، تشمل مراجعة القرار الابتدائي إما بالتأييد أو التعديل أو الإلغاء، وهو ما يفسر التحول الجذري في الحكم، مشددا على أن الفلسفة القانونية من هذا النظام تقوم على حماية حقوق الأطراف وإتاحة فرصة جديدة لعرض الدفوع والحجج.
ونفى أن يكون هذا الاختلاف دليلا على وجود خلل، بل يعتبره دليلا على حيوية النظام القضائي الرياضي وقدرته على تصحيح نفسه، منتقدا في المقابل ما يتم تداوله من اتهامات بوجود “كولسة” أو تأثيرات خارجية، معتبرا أنها تدخل في إطار المعركة الإعلامية أكثر من كونها دفوعا قانونية مؤسسة.
♦معركة الطاس وحسابات المستقبل
يتوقع الحو أن يرتكز الطعن الذي تقدمت به السنغال أمام محكمة التحكيم الرياضي على ثلاث حجج رئيسية: سلطة الحكم، عدم اكتمال شروط الانسحاب، ووجود عيوب شكلية في القرار، معتبرا أن هذه الدفوع ضعيفة نسبيا، لأنها تتجاهل الوقائع المادية المثبتة، وتحاول إعادة تأويل النصوص بشكل يخدم موقفا خاسرا.
وأبان أن مسطرة الطاس تمر بمراحل دقيقة، تبدأ بالتصريح بالاستئناف، ثم تقديم المذكرات، فجلسات الاستماع، قبل صدور الحكم خلال مدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر في مثل هذه القضايا، مؤكدا على أن المحكمة لا تحكم إلا في حدود طلبات الأطراف، ما يفرض على كل طرف بناء ملفه بدقة عالية.
ونبه إلى أن المغرب يملك خيارين استراتيجيين: الاكتفاء بالدفاع عن القرار أو التقدم باستئناف مضاد لتعزيز مكاسبه، خاصة فيما يتعلق بالكأس والميداليات، كما أن التحرك المبكر والاستباقي كان سيكون الخيار الأمثل لتعزيز الموقع القانوني المغربي.
وأكد في ختام تحليله أن الكأس، من الناحية القانونية، تميل لصالح المغرب، وأن الطعن السنغالي يعكس إدراكا ضمنيا بضعف موقفه، رغم محاولات كسب المعركة إعلاميا، مبينا أن القضية تجاوزت مجرد لقب رياضي، لتتحول إلى معركة قانون وهيبة دولة، تستدعي تعبئة الكفاءات القانونية الوطنية للدفاع عن المصالح المغربية في المحافل الدولية.

