أعقب تصريح إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال مروره بأحد البرامج الإذاعية بخصوص سعي حزبه لتقديم ملتمس الرقابة ضد حكومة عزيز أخنوش، بعد اجتماع المجلس الوطني لـ “الوردة” الذي شدد أعضاءه على ضرورة تبني هذه الخطوة، تفاعلا ونقاشا مستفيضا، حول إمكانية الإقدام على هذا الإجراء، ودلالات الإعلان عليها في هذا الوقت، ومدى إمكانية إسقاط الحكومة في ظل توفر الأخيرة على أغلبية مريحة تتجاوز ثلثي أعضاء مجلس النواب ( 269 من أصل 395 عضوا).
ولا تعد هذه المرة هي الأولى التي يلوح بها لشكر منذ توليه مهام قيادة “الوردة” في 2012 بالتقدم بملتمس الرقابة، حيث أعلن عن رغبته في ذلك خلال سنوات 2015 ضد حكومة عبد الإله بنكيران، وفي 2019 و2021 لإسقاط حكومة 2019 حكومة العثماني، لكنه لم يجري تفعيل هذه المسطرة التشريعية عقب تلك التصريحات.
♦ ملتمسي الرقابة والمساءلة
أشار الدستور في الفصلين 105 و106 إلى ملتمسي الرقابة والمساءلة، حيث يقدم الأول (ملتمس الرقابة) من طرف أعضاء مجلس النواب ويؤدي في حالة التصويت والمصادقة عليه بالأغلبية المطلقة أي 50% + 1 من الأعضاء المتواجدين بالغرفة الأولى للبرلمان (198 من أصل 395 عضوا) إلى إسقاط الحكومة، أما الثاني (ملتمس المساءلة) فيهم مجلس المستشارين ويتعلق فقط بمساءلة الحكومة حول تدبيرها للشؤون العامة خلال مرحلة معينة.
بعد مرور سنة على تنصيبها.. هل نجحت الحكومة في الالتزام بوعودها؟
في هذا الصدد، ينص الفصل 105 على ما يلي:
“لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، بالتصويت على ملتمس للرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل خُمس الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس. لا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من قبل مجلس النواب، إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم”.
“لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية. إذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة، فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه، طيلة سنة”.
فيما ينص الفصل 106 على الآتي:
“لمجلس المستشارين أن يُسائل الحكومة بواسطة ملتمس يوقعه على الأقل خُمس أعضائه، ولا يقع التصويت عليه، بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداعه، إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء هذا المجلس. يبعث رئيس مجلس المستشارين، على الفور، بنص ملتمس المساءلة إلى رئيس الحكومة، ولهذا الأخير أجل ستة أيام ليعرض أمام هذا المجلس جواب الحكومة، يتلوه نقاش لا يعقبه تصويت”.
يذكر أنه سبق للمغرب أن عاش حالتين للتقدم بملتمس الرقابة، أولاهما في يوم 15 يونيو 1964، بهدف مساءلة الحكومة وسحب الثقة منها ودفعها إلى تقديم الاستقالة الجماعية بحكم الفصل 81 من دستور 1962، لكنه لم يحصل على الأصوات الكافية لتمريره.
فيما ثانيهما جاء في ماي 1990، إلا أن هذا الملتمس وكسابقه لم يحظى بالموافقة نظرا لعدم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، غير أنه ساهم في حدوث أزمة سياسية بالمغرب وقتها.
تجدر الإشارة إلى أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا يتوفر على خمس عدد الأعضاء في مجلسي النواب والمستشارين، -الخمس في النواب هو 79، وفي المستشارين هو 24 (في المجموع 120 عضوا بالمجلس)-، حيث يمتلك في الغرفة الأولى 9 أعضاء، وفي الثانية 35 عضوا.
♦ دلالات التقدم بملتمس الرقابة
يرى مشيج طلال القرقري، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في تصريح لجريدة “شفاف”، أن قرار التوجه نحو التقدم بملتمس الرقابة بمجلس النواب، جاء عقب اجتماع وحوار مستفيض داخل المجلس الوطني لـ “الوردة”، الذي عقد اجتماعه الدوري الأسبوع الماضي، مشيرا إلى أن اللجوء لهذه الآلية الدستورية يأتي ردا على الوضعية السياسية في البلاد.
وأضاف أن ملتمس الرقابة من الآليات الدستورية التي ضَمنها الدستور للمعارضة، مبرزًا أنه في هذا الإطار يعمل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للدفاع عن مواقفه وإبراز وجهات نظره عبر مثل هاته الأدوات المخولة له قانونا، مشيرا إلى أن ما يسعف الحزب أكثر من أي وقت مضى للقيام بهذه الخطوة هو السقطات المتتالية للحكومة.
وتابع أنه الحزب يدرك صعوبة إسقاط الحكومة عبر هذه الخطوة، نظرا للأغلبية الواسعة التي تتوفر عليها في البرلمان، ولكن ما قال إدريس لشكر، الكاتب الأول لـ”الوردة” يجب أولا تحريك الحياة السياسية وكذا الركود والتراجع الحاصل على مستوى تدبير الشأن العام الوطني، وبروز مظاهر التدهور المتجلية في سائر الميادين الاقتصادية والاجتماعية.
في حوار مع “شفاف”.. أوزين: لا نهتم بالمشاركة في الحكومة ونسعى لبناء حزب قوي
♦ التنسيق والتحالفات الممكنة لتفعيل الملتمس
يوضح القرقري أن “الاتحاد الاشتراكي” يعمل في حركة دؤوبة مع مختلف الأطياف السياسية، بداية بالتنسيق المتميز والمثمر الواقع اليوم مع حزب التقدم والاشتراكية؛ إلى جانب الانفتاح على باقي الأحزاب الديمقراطية واليسارية والوطنية والقوى الجادة المجتمعية، من أجل التعبؤ لتقديم هذا الملتمس.
وأوضح أن “الوردة” كان دائما وراء المبادرات المتعلقة بتقديم ملتمس الرقابة، مبينًا أن أولى التجارب كانت في 1964 عندما طرحه الحزب اليساري ضد حكومة أحمد أبا حنيني، والثانية في 1990 الذي كان “الاتحاد الاشتراكي” أحد المتقدمين به إلى جانب أحزاب المعارضة؛ المتشكلة وقتها بكل من الاستقلال والتقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي (أحزاب الكتلة الديمقراطية)، من أجل إسقاط وسحب الثقة من حكومة عز الدين العراقي.
ولفت إلى أنه بالرغم من أن المحاولتين لم تنجحا، لكنه كان لهما أكثر عميق في تحريك المياه الراكدة وحدوث تغيرات ملموسة في المشهد السياسي حينها، مشددا على أن هذا الملتمس السياسي يأتي من أجل مساءلة والضغط على الحكومة؛ التي لا يحترم رئيسها ووزرائه مقتضيات الدستور، من خلال غيابهم على الجلسات البرلمانية الخاصة بالإجابة على انشغالات المغاربة.
وأردف أن هذا الملتمس يأخذ طابعا أخلاقيا، يلزم الأغلبية الحكومية بضرورة الرد والتفاعل والعودة لجادة صوابها، وتجنب تغولها وانفرادها بالقرارات دون العودة أو إشراك المعارضة في القضايا التي تهم الوطن والمواطنين، مؤاخذا على بعض الساسة وصف هذه الخطوة بأنها تشويش على عمل الحكومة.
ولفت عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أن هذا المقتضى الذي ينص عليه الدستور في الفصلين 105 و106 يعد من صلب الممارسات الديمقراطية، وكذا الاحترام للآليات الدستورية التي تحمي حقوق المعارضة في الدفاع عن رأيها وبرامجها وما يرتبط بمساهمتها في التشريع.
وشدد على أن “الاتحاد الاشتراكي” سينفتح على كافة الأطياف البرلمانية غير المطمئنة لسير الحياة السياسية ببلادنا، مشيرا إلى أن التنسيق بهذا الشأن سيكون مع قوى المعارضة وغيرها من الأطراف التي لا تجد نفسها في هذا الشكل من التسيير التي تحكمه الطريقة “المتغولة للحكومة” الحالية.
♦ توقيت الخطوة وغاياتها
يبرز القرقري أن اللحظة السياسية الحالية التي يعرفها المغرب تستجوب تحريك المشهد السياسي المتعكر بالاستغلال “الفج للحكومة لعدد من البرامج الوطنية”، التي كانت مطلبا للشعب المغربي، وجرى إحداثها وفق رؤية ملكية متبصرة، لكن الأغلبية فشلت في تنزيلها بالكيفية الصحيحة، وحاولت الاستفادة منها انتخابيا.
وأوضح القيادي بالاتحاد الاشتراكي أنه بعد مرور نصف الولاية الحكومية، ظهر جليا أن الحكومة فشلت في تدبير عديد القطاعات، لافتا إلى أن العمل جاري اليوم للتواصل مع الأحزاب السياسية لاسيما في المعارضة، سواءً التقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية، والعدالة والتنمية، من أجل تفعيل هذه المسطرة التشريعية.
بخصوص حزب الاستقلال، يرى أن التواصل أو التنسيق مع “الميزان” الذي كان في وقت سابق أحد أحزاب الكتلة الديمقراطية يبقى صعبا من الجانب السياسي بالرغم مما يروج بين الفينة والأخرى عن وجود تصدع حكومي؛ لكون الحزب اليوم أحد أطراف الأغلبية الحكومية، مشيرا إلى أن هذا الأمر مرتبط بالظرفية الحالية، وهو ما يمكن أن يتغير في المستقبل.
“استياء المغاربة” من سياسة الحكومة يخلق سجالا بين الأغلبية والمعارضة
وأوضح أن “الوردة” كحزب سياسي وكطرف في المعارضة من واجبه أولا القيام بمثل هاته الخطوات لمساءلة الحكومة وتنبيهها لضرورة التفاعل مع أسئلة ومطالب البرلمانيين؛ التي تخص بدرجة أولى المواطنين المغاربة، ولتجديد التأكيد مرة أخرى على أن التغول العددي في البرلمان لا يعد شيكا على بياض بالنسبة للأغلبية الحكومية لفعل ما تشاء.
وأبرز أن السقطات الأخلاقية للحكومة الحالية هي كثيرة، والجميع صار يعرفها ويتحدث عنها، لافتا إلى أن ذلك يؤكد على أن وقت النقاش السياسي حول الحصيلة المرحلية للحكومة مع منتصف ولايتها قد حان لمناقشته داخل البرلمان وإبراز ما حققته من برنامجها ووعودها الانتخابية خلال مدة تجاوزت السنتين والنصف.
ولفت إلى أن الحكومة ملزومة بالإجابة على التساؤلات المرتبطة بمعاناة المواطنين والإشكاليات والأحداث التي يعرفها المغرب ويعيشها المغاربة، مثلما هو الأمر مع زلزال الحوز وأزمة التعليم والحوارات القطاعية المتوقفة وارتفاع الأسعار، وغير ذلك من الملفات الكبرى.
ونفى القرقري بأن تكون هذه الخطوة من أجل الاستعراض أو ترتبط بحملة انتخابية سابقة لأوانها، مبرزا أن الاتحاد الاشتراكي من موقع المعارضة لا يركز إلا في القيام بعمله وفق الآليات الذي خولها له الدستور والقوانين المعمول بها في هذا الإطار.
في حوار مع “شفاف”.. التامني: “الحكومة سلّعت الصحة وتتجه نحو الانسحاب التدريجي من الخدمة العمومية”
وأشار إلى أن الحزب لن يقبل ببعض الأوصاف التي يحاول من خلالها البعض تبخيس هذا الإجراء الذي من شأنه إحراج الحكومة وإعادتها ما أمكن إلى جادة الصواب، مشددا على أن دور الأحزاب السياسية أولا هو تأطير المواطنين والمشاركة في الانتخابات وبلوغ السلطة السياسية (الحكومة) وتنزيل البرامج الانتخابية.
واستطرد أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في هذا الجانب متوافق مع ذاته ومبادئه، ويسعى دائما إلى الاشتغال في هذا الإطار، وتنزيل المقتضيات وتفعيل الأدوار التي يمليه عليه موقعه ومكانته السياسية، مبرزا أن ملتمس الرقابة سيكون له وقع سياسي مهم على مشهد الحياة السياسية ببلادنا.

