في خطوة لافتة أثارت الكثير من علامات الاستفهام داخل الأوساط السياسية والإعلامية، كلّف الملك محمد السادس، بشكل مباشر، وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، بالإشراف الكامل على التحضير للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026؛ بدل رئيس الحكومة عزيز أخنوش، حيث إن هذا التوجه، الذي تم الإعلان عنه في خطاب العرش الأخير، يأتي ليمنح وزارة الداخلية أدوارًا إضافية تتجاوز الجوانب الأمنية والإدارية المعتادة، ويدفع بها إلى واجهة التنظيم السياسي للعملية الانتخابية، في مرحلة دقيقة تسبق محطة ديمقراطية مفصلية، ستسفر عن تشكيل حكومة جديدة ستحمل على عاتقها مسؤولية الإعداد لمونديال 2030.
ويبدو أن هذا التكليف لم يكن معزولًا عن سياق أوسع، إذ جاء بعد مؤشرات متتالية على سحب ملفات حساسة من يد رئيس الحكومة، وفي مقدمتها تدبير الدعم الموجه لإعادة تكوين القطيع الوطني، الذي أُسند بدوره إلى وزارة الداخلية عوض وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ما يبرز تساؤلات حول إن كنا أمام إعادة ترتيب غير معلنة لدوائر الثقة داخل السلطة التنفيذية، أو أن هذا التوجه يطوي صفحة رئيس الحكومة الحالي قبل انتهاء ولايته، وعن موقع الأحزاب السياسية في هذه الخارطة الجديدة التي ترسمها التوجيهات الملكية بدقة، وكذا التأثير المحتمل لهذا التحول على سير العملية الانتخابية وعلى مشروعية نتائجها القادمة.
وزير الداخلية يبدأ المشاورات مع الأحزاب السياسية حول انتخابات 2026 التشريعية
❖ دلالة التكليف
يبرز محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، أن الأمر ليس مجرد ترتيب إداري، بل يتعداه إلى رسالة سياسية، مفادها أن هناك رغبة حقيقية في ضمان الشفافية والنزاهة الكاملة للانتخابات المقبلة، خاصة وأنها تتعلق بما اصطلح على تسميته بـ”حكومة المونديال”.
وقال شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، إن الحكومة المقبلة هي التي يُفترض أن تواكب الأوراش الكبرى المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، وبالتالي فإن أعين العالم ستكون مشدودة نحو المغرب، ليس فقط كمنظم للحدث الكروي، بل كدولة مؤسساتية، قادرة على إنتاج نخب سياسية ذات مصداقية، وتمثيل ديمقراطي قوي.
التحذير من “استغلال مونديال 2030”.. هل تؤجل الانتخابات لتفادي المساس بـ”الاستقرار الاستثماري”؟
ولفت إلى أنه في هذا السياق، تبرز دلالة التكليف الملكي كآلية لتفادي أي شبهة انحياز، قد تَنتج عن إشراف رئيس الحكومة –وهو أيضًا رئيس حزب سياسي مشارك في التنافس– على إدارة هذه الانتخابات.
وأوضح الباحث في العلوم السياسية، أن تكليف رئيس الحكومة خلال هذه المرحلة بالتحضير للاستحقاقات الانتخابية القادمة، قد يُفهم ضمنًا باعتباره تضاربًا في الأدوار، ويضع مصداقية العملية برمتها موضع تساؤل داخلي وخارجي.
❖ ضمانات الشفافية
يرى شقير أن من بين الأهداف الأساسية لهذا التكليف هو نزع أي لبس قد يشوب نزاهة الانتخابات؛ خاصة في ظل الانتقادات المتكررة التي وُجهت للحكومة الحالية من طرف المعارضة، والتي وَصفت أغلبيتها بـ”التغول الديمقراطي”.
وأردف أن إبعاد رئيس الحكومة عن الإشراف المباشر، في هذا الإطار، يمكن قراءته كإجراء وقائي لتفادي اتهامات بالتأثير على مجريات العملية الانتخابية، وهو ما يُنتظر أن يعزز ثقة المواطنين والفاعلين الحزبيين في حيادية الجهاز المشرف.
وأكد على أن وزارة الداخلية، بحكم تاريخها المؤسسي وتوفرها على شبكة واسعة من العمال والولاة، تعتبر الأكثر تأهيلاً من حيث الوسائل اللوجستيكية والبشرية لتنظيم انتخابات ذات مصداقية.
وأبرز أنها الوزارة الوحيدة التي تحتفظ بامتداد ميداني يسمح لها بتأطير العملية الانتخابية بدقة، وتراكم خبرات كبيرة تجعلها أكثر استعدادًا من أي جهاز آخر لهذا النوع من المهام الوطنية.
وأوضح أنه في ظل أهمية الاستحقاقات المقبلة، التي ستكون خاضعة لتتبع الرأي العام الدولي والمؤسسات الشريكة، تصبح مسألة الصورة المؤسسية للمغرب على المحك، ويغدو من الطبيعي أن يقع الاختيار على وزارة ذات خبرة تنظيمية وأمنية عالية لإدارة هذا الملف الحساس.
❖ تراجع الدور التنفيذي
تكليف الداخلية بالإشراف الانتخابي ليس المعطى الوحيد الذي يبرز ما يعتبره شقير مؤشرات على تقليص غير مباشر لدور رئيس الحكومة في تدبير الملفات السيادية، إذ سبقه قرار آخر لا يقل دلالة، حين أسند الملك لوزارة الداخلية، دون وزارة الفلاحة، مسؤولية تأطير الدعم الموجه لإعادة تكوين القطيع الوطني، في سياق أزمة عيد الأضحى.
واعتبر أن هذا التوجه يعكس عمليًا إعادة توزيع هادئة لاختصاصات كانت من المفترض أن تندرج ضمن صلاحيات رئيس الحكومة، ما يثير تساؤلات مشروعة حول موقعه في معادلة الحكم، وإن كانت هذه الخطوات مجرد تدبير ظرفي فرضته اعتبارات تقنية ولوجستيكية، أم أنها تندرج ضمن استراتيجية طويلة الأمد لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية في المغرب.
نزار بركة يقر بفشل سياسات الحكومة في ضبط أسعار اللحوم والأضاحي.. هل يتصدع التحالف الثلاثي؟
وتوقف الباحث في العلوم السياسية، عند مفهوم “أم الوزارات”، الذي ارتبط تقليديًا بوزارة الداخلية في عهد الملك الحسن الثاني، قبل أن يتم تقليص أدوارها مع بداية عهد الملك محمد السادس، لصالح توزيع أكبر للسلطات.
واستطرد أن التطورات الأخيرة، تشير إلى “عودة هادئة” للداخلية إلى قلب صناعة القرار، ليس فقط في مجالات الأمن والتراب، بل في الملفات الاجتماعية والسياسية كذلك، وهو ما يُعيد رسم خريطة المؤسسات التنفيذية بشكل غير معلن.
❖ أزمة النخب الحزبية
بعيدًا عن الدولة ومؤسساتها، يوجه شقير نقدًا صريحًا إلى المشهد الحزبي، الذي يرى أنه لا يزال خاضعًا لقيادات شائخة وعاجزة عن إنتاج بدائل.
وشدد على أن أي إصلاح انتخابي أو ضمانات مؤسساتية تبقى دون أثر فعلي، ما لم يُرافقها تجديد حقيقي للنخب السياسية داخل الأحزاب، التي لم تعرف تغيرًا يُذكر منذ أكثر من عقدين في بعض الحالات.
ويستدل شقير باستمرار أسماء مثل إدريس لشكر (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) أو محمد نبيل بنعبد الله (حزب التقدم والاشتراكية) أو حتى عبد الإله بنكيران (حزب العدالة والتنمية) في قيادة أحزابهم لعدة ولايات متتالية، دون أن يُفتح المجال أمام وجوه جديدة.
ونبه إلى أن هذا الجمود القيادي، ينسحب على آليات تزكية المرشحين في الانتخابات القادمة، ما يجعل إمكانية تجديد المشهد السياسي مجرد وهم، لأن القيادات نفسها هي التي ستُعيد إنتاج نفس النخب في البرلمان والحكومة.
التزكيات الحزبية للفاسدين.. هل تواطأت قيادات الأحزاب السياسية لتسهيل ولوج النخب الفاسدة للسياسة؟
ودعا شقير إلى ضرورة “تدخل الدولة” بشكل ما –ولو بشكل غير مباشر– لإبعاد هذه القيادات التي لم تعد تواكب رهانات المرحلة، مطالبا بالتفكير الجدي في وسائل لإحداث هذا التحول دون الاصطدام مع منطق الديمقراطية الداخلية، التي باتت في كثير من الأحزاب مجرد شعار دون مضمون.
❖ رهان “حكومة المونديال”
في ظل التحولات السياسية والمؤسساتية الحالية، يَعتبر شقير أن الانتخابات القادمة تحمل طابعًا استثنائيًا، كونها ستُفضي إلى تشكيل حكومة سيتجاوز دورها المهام التقليدية نحو رهانات استراتيجية، مرتبطة بتنظيم المغرب لكأس العالم 2030.
ويرى أن هذه الحكومة المنتظرة يجب أن تتوفر على كفاءة مؤسساتية وشرعية داخلية وخارجية، لأن أنظار العالم ستكون موجهة نحو قدرة المغرب على التدبير الشفاف والفعّال لمرحلة ما بعد الفوز بتنظيم الحدث.
ملتمس الرقابة يوحد المعارضة لأول مرة.. مناورة دستورية أم لحظة اختبار للحكومة؟
وأبرز الباحث في العلوم السياسية، أن ما سبقت الإشارة له يجعل الاستحقاقات الانتخابية القادمة مختلفة في رمزيتها وسياقها، وتستدعي بالتالي أعلى درجات الضبط والتنظيم.
وشدد على أن هذه المرحلة لا تحتمل ارتجالًا أو مناورات انتخابية فارغة، بل تتطلب إصلاحًا حقيقيًا للتمثيلية السياسية، على أن يبدأ من داخل الأحزاب ذاتها، وإلا فإن كل الإجراءات الرسمية التي تُبذل لضمان انتخابات نزيهة، ستظل دون أثر ملموس على مستوى جودة النخبة التي ستُفرزها صناديق الاقتراع.

