أبرز التقرير السنوي الخامس للمرصد المغربي لآجال الأداء، الصادر بتاريخ 24 يوليوز 2025، أن الدولة ومؤسساتها العمومية حققت تقدماً ملحوظاً في احترام آجال الأداء القانونية، إلا أن الفجوة ما تزال واسعة بين المؤسسات الكبيرة والمقاولات الصغيرة، خاصة في القطاع الخاص، حيث تواصل هذه الأخيرة تمويل السوق بشكل قسري بفعل اختلال موازين القوة في سلاسل التوريد.
وسجّل التقرير أن معدل الأداء بالنسبة للصفقات العمومية للدولة والجماعات الترابية بلغ 18 يوماً سنة 2024، وهو رقم يكرّس التحسن المستمر منذ 2016، ويبقى دون السقف القانوني المحدد في 60 يوماً. وقد بلغ عدد عمليات الشراء 246.460 بقيمة إجمالية قدرها 72,96 مليار درهم، حسب ما أفاد به التقرير.
وفقاً لما ورد في التقرير، ارتفع مبلغ الفوائد التأخيرية المؤداة عن تأخير الأداء إلى 17,76 مليون درهم خلال 2024، مقابل 14,1 مليون درهم في 2023. وأوضح التقرير أن 97,6% من هذه الفوائد مرتبطة بتأخر صرف مستحقات صفقات عمومية، مع تحسن في أداء الآمرين بالصرف الذين أصبحوا يبادرون بتحمل 39% من الفوائد.
وكشف التقرير أن المؤسسات والمقاولات العمومية (EEP) واصلت تقليص آجال الأداء، حيث بلغت 31,7 يوماً فقط في نهاية 2024، مقابل 55,9 يوماً سنة 2018، مما يمثل تحسناً بنسبة 43%. وأكد التقرير أن 90% من هذه المؤسسات تحترم السقف القانوني، فيما تتمكن 59% منها من الأداء في أقل من 30 يوماً.
ورغم التقدم العام، يشير التقرير إلى أن المؤسسات التابعة لقطاعات الصحة والتعليم والتكوين تراجعت في التزامها بآجال الأداء، بخلاف قطاعات كالسكن والطاقة التي حسّنت أداءها. ويعزو التقرير هذه الفجوة إلى طبيعة المهام الاجتماعية التي تثقل كاهل هذه المؤسسات وتحدّ من قدرتها المالية.
وأكد التقرير أن منصة “أجل”، المخصصة لتلقي شكاوى الموردين، شهدت في 2024 تسجيل 137 مورداً جديداً، ليبلغ المجموع 756، بزيادة 269% عن 2023. إلا أن التقرير أوضح أن من أصل 82 شكاية قُدّمت، لم تُعالج سوى 38%، وهو ما يكشف استمرار محدودية تجاوب المؤسسات مع الموردين، خصوصاً أن 80% من الشكاوى قُدّمت من طرف مقاولات صغيرة ومتوسطة.
وأورد التقرير أن 59 مؤسسة عمومية خضعت لعقوبات مالية بسبب تجاوز آجال الأداء، بلغت في مجموعها 720,3 مليون درهم، عن فواتير تبلغ 28,1 مليار درهم. كما أشار التقرير إلى أن هذه المؤسسات، بحكم طبيعتها الخدمية أو اعتمادها على ميزانيات الدولة، لا تملك هامشاً واسعاً لاحترام السقف القانوني، وهو ما يدفع إلى ضرورة تكييف النظام الزجري بحسب نوعية المؤسسة.
وأوصى التقرير بضرورة توقيع عقود برامج واضحة بين الدولة وهذه المؤسسات، تشمل تمييزاً دقيقاً بين أنشطتها التجارية والمهام العمومية الموكولة لها، لتفادي فرض غرامات غير منصفة على خدمات حيوية. كما دعا التقرير إلى اعتماد أدوات مرنة للتمويل المسبق، خصوصاً في المهام ذات البعد الاجتماعي أو الترابي.
في قراءته لواقع القطاع الخاص، يشير التقرير إلى تحسن نسبي في سلوك الأداء بعد دخول القانون 69-21 حيز التنفيذ منتصف 2023، لكنه يلفت إلى استمرار اختلالات عميقة، خصوصاً في العلاقة بين المقاولات الكبرى والصغرى.
وأوضح التقرير أن متوسط أجل استلام مستحقات الزبائن بلغ 125 يوماً سنة 2023، مقابل 85 يوماً كأجل وسطي لأداء فواتير الموردين، مما يعني أن المقاولات المغربية تموّل السوق بـ40 يوماً من السيولة في المتوسط. ورغم ارتفاع نسبة الشركات التي تحترم الأجل القانوني إلى 68%، فإن هذا السقف لا يزال بعيداً عن التعميم.
وبيّن التقرير أن المقاولات الصغيرة جداً (TPE) تؤدي فواتيرها في ظرف 83 يوماً، لكنها تنتظر تحصيل مستحقاتها لمدة تصل إلى 199 يوماً، ما يجعلها الطرف الأكثر تضرراً من اختلال آجال الأداء. ووصف التقرير هذه الوضعية بكونها “تمويلاً قسرياً” للمقاولات الكبرى من طرف الفاعلين الصغار.
وأورد التقرير أن قطاعات مثل الصناعة والخدمات والبناء سجلت أطول آجال للتحصيل، بلغت أحياناً أكثر من 140 يوماً. في المقابل، حقق قطاع الإيواء والمطاعم أفضل أداء بمعدل 39 يوماً. أما على مستوى الأداء للموردين، فأشار التقرير إلى تحسن في أغلب القطاعات باستثناء العقار، الذي بلغ فيه الأجل 114 يوماً.
وأوصى التقرير بتعميم الرقمنة في كل حلقات الأداء، وتعزيز الشفافية، وتسهيل ولوج المقاولات إلى أدوات التمويل، خاصة عبر تطوير أدوات التمويل المسبق (Supply Chain Finance)، وتكثيف المراقبة على آجال الأداء بين الفاعلين الاقتصاديين.

