صدر مؤخرا تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المرفوع إلى مجلس الأمن، بشأن تطورات الوضع في الصحراء المغربية، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التوترات في منطقة الساحل واشتداد التحديات الأمنية بالمنطقة المغاربية.
ويشكل التقرير وثيقة مرجعية سنوية يستند إليها مجلس الأمن عند صياغة قراره المقبل المتعلق بتمديد ولاية بعثة المينورسو وتقييم التقدم المحرز في العملية السياسية المرتبطة بالنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
ويبرز التقرير أن الوضع الميداني ما زال هشًا، نتيجة خروقات جبهة البوليساريو لوقف إطلاق النار واستمرار أنشطتها المسلحة شرق الجدار الأمني، بما في ذلك الهجمات التي استهدفت مناطق مأهولة، من بينها مدينة السمارة، وهو ما اعتبره غوتيريش “تهديدًا للسلم الإقليمي ولأمن المدنيين”.
كما أشار إلى أن الأمم المتحدة تتابع هذه التطورات بقلق بالغ، داعيًا جميع الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى الالتزام الكامل باتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1991.
الدبلوماسية الأمريكية والصحراء المغربية… كيف ستؤثر التحركات الأخيرة على موازين القوى الإقليمية؟
في الجانب السياسي، أكد الأمين العام على مركزية مبعوثه الشخصي، ستافان دي ميستورا، في قيادة المسار السياسي، داعيا إلى استئناف المفاوضات “بحسن نية ودون شروط مسبقة”، في إطار الموائد المستديرة التي تضم المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، مؤكدا أن “التوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم يقوم على التوافق” يظل الهدف الأساسي لجهود الأمم المتحدة.
ورغم التزام الأمم المتحدة بالحياد، فقد لاحظ التقرير أن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 “تظل مطروحة على الطاولة” وتحظى بدعم متزايد من عدد من الدول الأعضاء، باعتبارها مقترحا ذا مصداقية وجديّة.
كما سجل غوتيريش اتساع دائرة الدول التي فتحت قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، معتبرا أن هذه الخطوات “تعكس دينامية سياسية ودبلوماسية جديدة” في الأقاليم الجنوبية.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى “التحديات الخطيرة” التي تواجه المينورسو في تنفيذ ولايتها، بسبب القيود المفروضة من قبل جبهة البوليساريو في المناطق شرق الجدار الأمني، ومنعها تحركات البعثة وعرقلة تواصلها الميداني.
كما عبّر غوتيريش عن أسفه لاستمرار شغور عدد من المناصب في البعثة الأممية، وتأخر وصول المعدات والدعم اللوجستي اللازمين لضمان عملها بفعالية.
وحذر التقرير من تداعيات تزايد التهديدات الإرهابية وشبكات الاتجار غير المشروع في منطقة الساحل، مشيراً إلى أن استمرار التصعيد شرق الجدار الأمني “قد يوفر بيئة خصبة للجماعات المتطرفة” ويزيد من هشاشة الأمن الإقليمي.
ولفت الانتباه إلى أن التعاون بين بعثة المينورسو والأجهزة الأممية الأخرى في المنطقة أصبح ضروريًا لرصد التداخل بين النزاع السياسي والتهديدات الأمنية.
على المستوى الإنساني، دعا غوتيريش إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى سكان مخيمات تندوف “بشكل منتظم وشفاف”، مبرزا أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي عبّرا عن مخاوف من “نقص في المعطيات الدقيقة حول توزيع المساعدات”.
وشدد على ضرورة احترام حقوق الإنسان في جميع مناطق النزاع، مؤكدا أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان لم تتمكن من القيام بزيارات ميدانية إلى المنطقة منذ عدة سنوات بسبب عراقيل لوجستية وإدارية.
أما على صعيد العلاقات بين الأطراف، فقد لاحظ التقرير استمرار غياب الحوار المباشر بين المغرب والجزائر، رغم الدعوات المتكررة للأمم المتحدة إلى “الانخراط البناء” في العملية السياسية.
موسكو والرباط.. هل تمنح اللجنة المشتركة لروسيا “مخرجاً دبلوماسياً” لدعم خطة الحكم الذاتي؟
كما سجل أن الجزائر ما تزال تعتبر نفسها “بلدًا جارًا ملاحظًا”، في حين يشدد مجلس الأمن في قراراته الأخيرة على “مسؤولية جميع الأطراف المعنية في دعم المسار الأممي”.
وأنهى غوتيريش تقريره بدعوة مجلس الأمن إلى تجديد ولاية بعثة المينورسو لسنة إضافية، مع تعزيز قدراتها الميدانية واللوجستية، وضمان استمرارية التمويل اللازم لعملها، مؤكدا أن “الحفاظ على زخم العملية السياسية يتطلب التزاما جديا من جميع الأطراف، وإرادة سياسية صادقة لتجاوز منطق الجمود والمواجهة”.
♦الزخم الدولي المتصاعد
استعرض الباحث في الدراسات الدولية بكلية الحقوق أكدال، الأستاذ مصطفى بوزنار، قراءته لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حول قضية الصحراء المغربية، معتبرا أن هذا التقرير جاء في سياق دولي يتّسم بتنامي الاعترافات بمبادرة الحكم الذاتي التي تقدمت بها المملكة المغربية سنة 2007، والتي تحظى بزخم دبلوماسي متزايد على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح بوزنار في تصريح لجريدة “شفاف”، أن المغرب يسعى، من خلال تحركاته الدبلوماسية، إلى ضمان تفاعل إيجابي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، خصوصًا روسيا والصين، بهدف دعم مشروع القرار الأمريكي وعدم استخدام حق النقض (الفيتو) لإعاقة مسار اعتماد القرار المرتقب بشأن الصحراء المغربية.
وأشار إلى أن المملكة تراهن أيضا على مواقف الدول التي فتحت قنصلياتها في مدينتي العيون والداخلة، والتي تمثل، بحسب قوله، “تعبيرا سياسيا ودبلوماسيًا واضحًا عن الاعتراف بالسيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية”.
وأكد الباحث أن تقرير غوتيريش الأخير أبرز الجهود المغربية في دعم العملية السياسية، مقابل استمرار تعنّت “البوليساريو” ورفضها الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مبرزا أن هذه المواقف عززت من مصداقية المقترح المغربي القائم على الحكم الذاتي كحل وحيد واقعي وقابل للتطبيق.
وأضاف أن المغرب ينطلق في مواقفه من رؤية براغماتية تستند إلى احترام الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، مذكّرا بأن المبادرة المغربية تضمن للصحراويين ممارسة حقوقهم السياسية والمدنية والاقتصادية والقضائية، في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية.
وبحسب بوزنار، فإن تقرير غوتيريش الأخير لم يحمل أي إشارة سلبية تجاه المغرب، بل ركّز على ضرورة استئناف العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، وهو ما يتوافق مع الرؤية المغربية الساعية إلى حل نهائي ودائم لهذا النزاع المفتعل.
♦دعم أممي متزايد
فصّل بوزنار في قراءته لتوازنات القوى داخل مجلس الأمن، مبرزا أن المناخ الدولي الحالي يخدم المقاربة المغربية الواقعية، موضحا أن مبادرة الحكم الذاتي أصبحت تحظى باعتراف متزايد من قِبل الدول الكبرى والمنظمات الدولية والإقليمية، التي باتت تنظر إليها كآلية ناضجة وفعّالة لتسوية النزاع.
وشدد أن مجلس الأمن لن يتجه نحو إدخال أي تعديل جوهري على الموقف الأممي من قضية الصحراء، لعدة أسباب؛ أولها أن المبادرة المغربية تتوافق مع مبادئ الأمم المتحدة، وثانيها أنها تضع حدًا لسيناريوهات الانفصال التي تهدد الأمن الإقليمي في منطقة الساحل والصحراء.
إغلاق مكتب البوليساريو بدمشق..هل يشكل نقطة تحول في الموقف العربي من الصحراء المغربية؟
وبفت بوزنار إلى أن المغرب أثبت خلال السنوات الأخيرة التزامه التام بالقانون الدولي، وواصل تقديم مقترحات عملية لتفعيل مسار الحل السياسي، في حين تفتقر جبهة “البوليساريو” وأطرافها الداعمة إلى أي رؤية بنّاءة للحل.
وتابع أن المبادرة المغربية لم تعد “مشروعا وطنيا فحسب، بل أصبحت مقاربة دولية يتقاطع حولها الفاعلون الكبار”، مشيرا إلى أن “القوى الكبرى ترى في المغرب شريكا استراتيجيا في الاستقرار الإقليمي ومحاربة الإرهاب وتنمية الساحل”.
وبيّن أن الواقعية والمرونة اللتين تميزان المقترح المغربي جعلتاه يحظى بتأييد متزايد من مختلف القارات، سواء في إفريقيا أو أوروبا أو أمريكا اللاتينية، ما يعكس قوة الدبلوماسية المغربية وقدرتها على الإقناع بالحجج والممارسة.
وذهب إلى أن مجلس الأمن سيثبّت في قراره المرتقب دعمه للمسار الأممي القائم على الواقعية وروح التوافق، وهو ما يعني ضمنيا تعزيز الاعتراف الدولي المتنامي بمبادرة الحكم الذاتي كخيار وحيد لإنهاء النزاع.
♦عزلة الموقف الجزائري
حلّل بوزنار الموقف الجزائري في ضوء النقاشات الجارية داخل مجلس الأمن، معتبرا أن الجزائر تمرّ بمرحلة عزلة سياسية متصاعدة على المستويين الإقليمي والدولي، نتيجة تمسكها بمواقف جامدة تدعم جبهة البوليساريو عسكريًا وماليًا ودبلوماسيًا.
وأبان أن الجزائر تتابع باهتمام كبير مسار جلسات مجلس الأمن، لا سيما في ظلّ احتمال تضمين القرار الأممي المقبل إشارات واضحة إلى مسؤولية البوليساريو عن أعمال تهدد الأمن والسلم في منطقة الساحل والصحراء.
ورجّح الباحث أن القرار المنتظر قد يتضمن لأول مرة توصيفًا للجبهة كحركة انفصالية متطرفة، بالنظر إلى تورطها في أنشطة تهريب وتعاونها مع جماعات إرهابية عابرة للحدود.
وأفاد أن هذا التوجه هو نتيجة مباشرة لجهود الدبلوماسية المغربية خلال السنتين الأخيرتين، والتي عملت على فضح ارتباطات البوليساريو بمسارات الاتجار بالبشر والمخدرات والأسلحة.
ولمح إلى أن الجزائر تعتبر أي إدانة للبوليساريو تهديدا مباشرا لمصالحها، لأنها تمسّ بعمق روايتها حول “تقرير المصير” وتضعها في موقع الدولة الداعمة لجماعة انفصالية مسلحة.
وأشار بوزنار إلى أن البوليساريو بعثت، مؤخرا، رسالة احتجاج إلى رئيس مجلس الأمن، السفير الروسي، عبّرت فيها عن رفضها لما وصفته بـ“الانحراف الخطير” في مشروع القرار الأمريكي، مهددة بعدم المشاركة في أي مفاوضات مستقبلية حول الصحراء.
واسترسل أن الجمود الذي تعيشه الجبهة يقابله حراك مغربي متواصل ومتعدد الأبعاد، من خلال التحرك في العواصم الكبرى، واستثمار علاقاته المتينة مع الولايات المتحدة، وفرنسا، ودول الخليج، وأفريقيا، لتكريس مقاربة الحكم الذاتي كحلّ عملي ومستدام.
وأورد أن الجزائر فقدت الكثير من حلفائها داخل الاتحاد الإفريقي، كما تراجعت مكانتها الدبلوماسية في عدد من المنابر الدولية، نتيجة تركيزها على خطاب تقليدي لم يعد يجد صدى لدى القوى الفاعلة في النظام الدولي الجديد.
واشنطن تؤكد جدية الحكم الذاتي… ما انعكاسات فتح قنصلية على النزاع في الصحراء المغربية؟
♦آفاق القرار الأممي
استنتج بوزنار أن قرار مجلس الأمن المقبل سيشكل نقطة تحول مهمة في مسار النزاع حول الصحراء المغربية، إذ من المرجح أن يتضمن تمديد مهمة بعثة المينورسو لسنة إضافية، مع الإشادة بالجهود التي تبذلها الدبلوماسية المغربية من أجل إيجاد حل نهائي للنزاع.
وأوضح أن القرار سيشير كذلك إلى الانتهاكات المتكررة التي ترتكبها جبهة البوليساريو، بما فيها القصف الذي استهدف مدينة السمارة، والذي يعتبر، حسب قوله، “دليلًا إضافيًا على الطبيعة العدوانية للجبهة وتهديدها المستمر للاستقرار الإقليمي”.
ورأى أن إدراج هذه الأحداث في نص القرار الأممي سيعزز الصورة الدولية للمغرب كشريك موثوق في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب، وسيضع البوليساريو في خانة الجماعات الانفصالية المتطرفة.
وفيما يتعلق بإمكانية سحب ملف الصحراء من اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد بوزنار أن الأمر يحتاج إلى توافق دبلوماسي واسع وجهود مكثفة، وإلى حوار مباشر مع الجزائر من أجل تجاوز الجمود.
وأشار إلى أن بعض القوى الدولية، وعلى رأسها روسيا والصين، تتعامل مع الجزائر من منطلق مصالحها الطاقية، نظرًا لموقعها كأحد أكبر موردي الغاز، لكنها في المقابل لا ترغب في خسارة علاقاتها الاستراتيجية مع المغرب، ما يجعلها تتبنى موقفًا قائمًا على التوازن والتوافق.
استثمارات فرنسية في قلب الصحراء المغربية.. تحول في المقاربة أم سباق نحو الريادة؟
وأوضح أن المغرب يدرك تعقيدات هذا المشهد الجيوسياسي، ويتعامل معه بمرونة استراتيجية تتيح له استثمار أوراق قوته الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، مع الحفاظ على صورة دولة مسؤولة تلتزم بالقانون الدولي.
وخلص بوزنار إلى أن المغرب يمتلك اليوم ما يكفي من الشرعية والقدرة السياسية لتعزيز سيادته على أقاليمه الجنوبية، وأن “المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تكريس المقاربة المغربية كمرجع أساسي لأي تسوية مستقبلية للنزاع، ضمن رؤية أممية قائمة على الواقعية والتوافق”.

