أعاد التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حول الوضع في الصحراء المغربية، النقاش الدولي إلى واجهة الأحداث، بعدما أوصى بتمديد ولاية بعثة “المينورسو” لعام إضافي حتى أكتوبر 2026، ودعا إلى تجاوز حالة الجمود السياسي، وتحسين التعاون الإقليمي بين المغرب والجزائر، ورفع القيود المفروضة على عمل البعثة شرق الجدار الرملي، وهذا التقرير الذي يأتي في ظرف إقليمي دقيق يتسم بتصاعد التوترات في منطقة الساحل وتزايد انخراط القوى الكبرى في إعادة ترتيب النفوذ بشمال إفريقيا، حيث قدم صورة مركبة للوضع الميداني والإنساني والدبلوماسي، مركزًا على الجهود المغربية لتعزيز التنمية والبنيات التحتية في الأقاليم الجنوبية، وعلى تحديات تمويل وتنفيذ مهام البعثة الأممية.
وفي المقابل، حملت وثيقة غوتيريش إشارات ضمنية إلى استمرار التباعد في مواقف الأطراف، إذ جددت واشنطن دعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما واصلت جبهة “البوليساريو” رفضها لأي مقاربة خارج ما تصفه بـ”الشرعية الدولية”، ولكن التقرير فتح الباب أمام تساؤلات حول مآلات هذا الجمود، ومدى قدرة الأمم المتحدة على كسر الحلقة المغلقة التي تحيط بالملف منذ سنوات، وحول الدور الذي يمكن أن تلعبه الرباط في ترسيخ المكتسبات الميدانية والسياسية التي راكمتها، كما يطرح تساؤلات أخرى حول حدود تأثير الجزائر على مسار الوساطة الأممية، وما إذا كان التمديد الجديد للمينورسو سيُفضي إلى دينامية سياسية حقيقية أم إلى إعادة إنتاج الوضع القائم بصياغة دبلوماسية جديدة.
❖ الجمود السياسي
أبرز محمد نشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش، ورئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن التقرير الأخير الصادر عن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن قضية الصحراء المغربية، يعكس استمرار حالة الجمود التي تطبع مسار التسوية الأممية للنزاع، رغم التراكمات السياسية والتنموية التي حققها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح نشطاوي في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الأمين العام للأمم المتحدة حاول من خلال تقريره المرفوع إلى أعضاء مجلس الأمن، إبراز الإكراهات البنيوية التي تحول دون تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف، وفي مقدمتها تباعد الرؤى بين المغرب والجزائر بشأن سبل الحل.
وأردف أنه بينما يؤكد المغرب على مبادرته للحكم الذاتي باعتبارها إطارًا واقعيًا وذا مصداقية، تواصل الجزائر وجبهة “البوليساريو” التشبث بخطاب متجاوز يقوم على فكرة “تقرير المصير”، متجاهلتين التحولات الجذرية التي عرفها المشهد الدولي منذ طرح هذه الفكرة لأول مرة في سبعينيات القرن الماضي.
وأضاف أن توصية غوتيريش بتمديد ولاية بعثة “المينورسو” لسنة إضافية، حتى أكتوبر 2026، تعبر عن استمرار المراوحة الأممية في نفس المربع الدبلوماسي، دون بروز مؤشرات على رغبة قوية لدى مجلس الأمن في ممارسة ضغط حقيقي على الطرف المعطِّل، أي الجزائر و”البوليساريو”، من أجل الانخراط في العملية السياسية وفق المعايير الواقعية التي يفرضها السياق الدولي الجديد.
❖ اعتراف ضمني
يرى نشطاوي أن التقرير الأممي تضمن إشارات مهمة تشكل اعترافًا صريحًا وضمنيًا بشرعية التدبير المغربي للأقاليم الجنوبية، خصوصًا من خلال التنويه بالمجهودات التنموية والبنيات التحتية التي أنجزتها المملكة في مجالات الماء والطرق والتعليم والصحة والطاقة.
وهذه الإشادة، بحسب الخبير، تندرج في إطار تحول تدريجي في خطاب الأمم المتحدة، من التركيز على الجوانب السياسية للنزاع إلى الاعتراف بالواقع التنموي القائم على الأرض، وهو ما يعزز الطرح المغربي القائم على جعل الصحراء فضاءً متكاملاً للتنمية والاستقرار الإقليمي.
بين “المينورسو” و”المنساسو”.. هل يقترب نزاع الصحراء من محطة الحسم أم من إعادة إنتاج الجمود؟
وأشار إلى أن التقرير لفت الانتباه إلى نتائج الإحصاء الوطني الذي أجرته السلطات المغربية سنة 2024، والذي أظهر ارتفاع عدد سكان الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهو معطى يعكس بحسبه عمق الارتباط المجتمعي والسكاني بالمجال المغربي، ودليل على فشل الأطروحة الانفصالية في استقطاب أي دعم شعبي أو ميداني.
وأضاف رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن تأكيد غوتيريش على دور المغرب في تنمية المنطقة لا يمكن فصله عن السياق الدولي الجديد، الذي أصبحت فيه التنمية والاستقرار المحليان جزءًا من مفاهيم “السيادة المسؤولة” التي تتبناها الأمم المتحدة، ما يعني أن المغرب نجح في تحويل المسألة من نزاع سياسي جامد إلى قضية تنموية مشهود لها بالأثر الواقعي والميداني.
❖ فشل الضغط
في قراءته للأبعاد السياسية للتقرير، أوضح نشطاوي أن الأمم المتحدة فشلت في ممارسة أي ضغط حقيقي على الجزائر و”البوليساريو” لدفعهما نحو الانخراط الجاد في مسار التسوية السياسية.
وأبرز أن الأمين العام الأممي، رغم إدراكه لطبيعة العراقيل القائمة، لم يُشر إلى أي إجراءات عملية يمكن أن تحدث تحولًا نوعيًا في مسار المفاوضات، بل اكتفى بتوصيات تقليدية تتعلق بضرورة التعاون ورفع القيود المفروضة على بعثة “المينورسو”.
وأرجع أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي؛ السبب في هذا التردد إلى غياب إرادة واضحة داخل مجلس الأمن لفرض مقاربة حازمة، بالنظر إلى التوازنات الدقيقة بين القوى الكبرى التي تتقاطع مصالحها في المنطقة.
استثمارات فرنسية في قلب الصحراء المغربية.. تحول في المقاربة أم سباق نحو الريادة؟
وأردف أنه بينما تؤكد الولايات المتحدة على دعمها المتجدد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تواصل روسيا اتباع سياسة الحياد المحسوب مراعاة لعلاقاتها مع الجزائر، دون أن تتخذ موقفًا معارضًا لقرارات مجلس الأمن.
ولفت إلى أن هذا التباين في مواقف القوى الكبرى جعل الأمم المتحدة عاجزة عن تجاوز المربع الحالي، حيث تتكرر كل سنة نفس الصيغة؛ المتمثلة في تمديد ولاية “المينورسو”، وتأكيد على الحل السياسي الواقعي، مع تجديد الدعوة للأطراف إلى الحوار، دون أن يواكب ذلك تحرك أممي نوعي قادر على كسر الجمود وإعادة هيكلة مسار المفاوضات.
❖ أدوار متقاطعة
يبرز نشطاوي أن التقرير الأممي لا يمكن قراءته بمعزل عن التقاطع القائم بين الفاعلين الدوليين الرئيسيين في الملف، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، موضحًا أن واشنطن، باعتبارها “حاملة القلم” في صياغة مشاريع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء، تواصل التمسك بموقفها المعلن منذ دجنبر 2020؛ القاضي بالاعتراف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، وهو ما أكده تقرير غوتيريش بالإشارة إلى دعم الإدارة الأمريكية المستمر للحكم الذاتي.
وأضاف أن فرنسا، التي تعيش مرحلة إعادة تموضع سياسي في شمال إفريقيا والساحل، فلا تزال تدعم المقاربة المغربية، لافتًا إلى أن موسكو تظل وفية لموقف “اللامعارضة”، إذ لا تعارض قرارات مجلس الأمن لكنها تُبقي على قنوات اتصال استراتيجية مع الجزائر، ما يجعلها تلعب دورًا موازنًا بين الدعم الضمني للرباط والرغبة في الحفاظ على حليفها التاريخي في المنطقة.
من ميناء الداخلة لأنبوب الغاز.. كيف يعزز المغرب مكانة إفريقيا كقوة بحرية عالمية؟
وأشار إلى أن هذا التداخل بين المواقف الدولية يفسر حذر غوتيريش في لغته الدبلوماسية؛ إذ تجنب تحميل المسؤولية المباشرة لأي طرف، في حين ترك الباب مفتوحًا أمام استئناف جهود المبعوث الشخصي ستيفان دي ميستورا، الذي لا يزال يصطدم بجدار من الرفض الجزائري للمشاركة في المائدة المستديرة وفق الصيغة السابقة التي تضم المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو.
❖ رهانات المرحلة
يرى محمد نشطاوي أن تقرير غوتيريش يعكس مرحلة دقيقة من مراحل النزاع، تجمع بين رسائل الإحباط من استمرار الجمود، وإشارات التقدير للتطورات الميدانية والتنموية بالمناطق الجنوبية.
واعتبر أن المغرب مطالب اليوم بتثبيت مكتسباته السياسية والديبلوماسية داخل الأمم المتحدة، عبر تعزيز خطاب الواقعية والانفتاح على القوى الكبرى الداعمة، وإبراز التجربة التنموية في الصحراء كنموذج للحكم الذاتي المطبَّق فعليًا.
وشدد على أن الجزائر وجبهة “البوليساريو” تواصلان التمسك بموقفٍ عقيم لا ينسجم مع التحولات الدولية، في وقت بدأت فيه مؤشرات واضحة على تغير المزاج الدولي نحو دعم الحلول الواقعية القائمة على الاستقرار والأمن الإقليمي.
ولفت رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، إلى أن مستقبل الملف بات رهينًا بمدى قدرة الأمم المتحدة على الانتقال من مقاربة التمديد إلى مقاربة الحل، أي من إدارة الأزمة إلى إنهائها ضمن إطار سياسي متوافق عليه.
وأبرز أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم؛ يتمحور حول مدى إمكانية مجلس الأمن في اجتماعه المرتقب، من تجاوز خطاب التوازن الحذر نحو موقف عملي أكثر وضوحًا، مشيرًا إلى أن نهج عكس ذلك، يعني أن النزاع سيبقى حبيس لغة التقارير والقرارات السنوية التي تُعيد إنتاج نفس الوقائع في انتظار متغيرات إقليمية ودولية أكبر.

