أبرزت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها في تقريرها الأخيرة، المتعلق بقياس مدى انتشار ومتابعة تطور ظاهرة الفساد في المغرب، بأن مجال الرخص والتراخيص والمأذونيات يتصدر وفق دراسة ميدانية لها؛ القطاعات الأكثر عرضة لهذا الأمر (الفساد).
وأشارت الهيئة في دراستها الوطنية حول الفساد التي همّت حوالي 1100 مقاولة ما بين 2 ماي و3 غشت 2023، بهدف رصد بؤر هذه الظاهرة التي تواجه المقاولات بالمغرب في أفق تعزيز السياسات وتطوير آليات فعالة لمكافحتها، أن الحصول على التراخيص والمأذونيات (الكريمات) والرخص الاستثنائية هو الأكثر عرضة لها بنسبة 57 %.
تراجع المغرب في مؤشر “إدراك الفساد”.. ما الذي يعيق تحرك الدولة ضد ناهبي المال العام ؟
♦ “مستنقع الفساد والريع ينخر جسد القطاع”
اعتبر مصطفى الكيحل، الأمين العام للاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل، و الكاتب الوطني للمكتب النقابي للنقل الطرقي بالمغرب، في تصريح لجريدة “شفاف” أن ما جاءت به دراسة الهيئة ليس بجديد، لكن يؤكد مرة أخرى التحذيرات التي توجه بها المهنيون للمسؤولين عن القطاع بخصوص استشراء الفساد والريع في ميدان الرخص والمأذونيات الخاصة بوسائل النقل بمختلف أشكالها وأنواعها.
وأضاف الكيحل أن هذا التقرير وضع بالملموس الأصبع على مستنقع الفساد والريع بالمغرب؛ المرتبط برخص سيارات الأجرة والحافلات وباقي وسائل النقل المتعلقة بذلك، لافتا إلى أن هذه الإشكاليات التي يشهدها القطاع لم تفلح الحكومات منذ عقود في معالجتها، بل على العكس تعرف تزايدا متصاعدا يوما بعد آخر.
آخرهم البدراوي وكريمين.. هل أعلنت الدولة الحرب على الأسماء التي اغتنت بطرق غير مشروعة؟
وأشار إلى أن مبادرات الملك محمد السادس في المجالات التنموية والاقتصادية والاستثماريّة اصطدمت للأسف مع سعي بعض الأطراف لاستمرار الريع تحقيقا لأهدافهم الشخصية، مبرزا أن قطاع سيارات الأجرة بصنفيه الأول والثاني يعيش على وقع استشراء الفساد فيه؛ ما يؤثر سلبا على تنمية الاقتصاد الوطني، واشتغال المهنيين في الأجواء الملائمة وتقديم خدمات جيدة للمواطنين.
وطالب المتحدث ذاته، من الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة بضرورة القيام بدراسات ميدانية تكشف من خلالها عن أسماء الفئات والشخصيات المتورطة في الفساد والريع في مختلف القطاعات، ومن بينها طبعا سيارات الأجرة وباقي وسائل النقل فيما يرتبط بأمر استغلال “الكريمات” والرخص.
وشدد على ضرورة معرفة الجميع لهؤلاء الفاسدين المتسببين في توقف عجلة تنمية البلاد؛ من خلال أفعالهم وقراراتهم المخالفة للقوانين والمكرسة لاستشراء الرشوة والريع وحرمان أصحاب الحق من حقوقهم، مشيرا إلى أن سائقي سيارات الأجرة يعانون كثيرا مع هذه الظاهرة.
وتابع أن مهنيي قطاع النقل يعانون في صمت منذ عقود من حرمانهم من الرخص وحصرها فقط في يد فئة معينة من المواطنين، ما يجعلهم يشتغلون دون أن يدركوا مستقبلهم المهني المرتبط بهذه الرخصة، التي قد لا يتم تجديدها في حالة انتهائها أو رفض الطرف الممنوحة له أو المالك لها القيام بهذه العملة مع صاحب أو سائق “الطاكسي” مثلا.
-الحلول الكفيلة بمحاربة الظاهرة
دعا مصطفى الكيحل، الحكومة لإيجاد حل قطعي مع إشكالية رخص المأذونيات، مبرزا أن هذه الأخيرة قابلة للسحب من المهنيين في أي وقت، مشيرا إلى أن ذلك قد يدفع ببعض العاملين في القطاع لدفع مبالغ مالية أو رشاوى لأطراف غير مستحقة لها.
وشدد على أنه يجب على وزارة الداخلية وغيرها من القطاعات الوزارية المعنية بمعالجة المشاكل المرتبطة بمنح وتجديد رخص الاستغلال في عدد من المجالات، مشيرا إلى أنه لا يمكن للحكومة الحالية الحديث عن مشاريع وبرامج تنموية من شأنها النهوض ببلادنا وهي لم تتعامل بعد مع إشكاليات استشراء الفساد والريع في قطاعات تشرف عليها بشكل مباشر.
ولفت إلى أن الأحزاب السياسية والنقابات وفعاليات المجتمع المدني مدعوة بدورها للمساهمة في محاربة هذه الظاهرة وحماية حقوق المواطنين والحفاظ عليها، مبرزا أن مثل هاته الدراسات الميدانية الهامة يجب تثمينها من كافة القوى الوطنية من خلال العمل الجاد الرامي لاقتلاع هذه الظاهرة التي تنخر جسد مجتمعنا واقتصادنا.

