تواصل الأجهزة الأمنية المغربية والإسبانية تعزيز تنسيقها العملياتي في مواجهة التهديدات الإرهابية، من خلال عمليات استباقية تستهدف تفكيك الشبكات المتطرفة العابرة للحدود، في سياق إقليمي متسم بتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، التي باتت تشكل بؤرة توتر أمني متنامي.
وفي هذا الإطار، كشفت عملية أمنية مشتركة حديثة عن حجم الترابط بين الخلايا الإرهابية النشطة بين الضفتين، كما أبرزت أهمية التعاون الاستخباراتي بين البلدين في تحييد المخاطر المحتملة، وإجهاض مخططات تستهدف أمن واستقرار المنطقة، في ظل تحولات متسارعة في أساليب اشتغال التنظيمات المتطرفة.
تفكيك خلية إرهابية موالية لتنظيم “داعش” تتكون من ثلاثة عناصر متطرفة تنشط بين إسبانيا والمغرب
❖ مقاربة متعددة
يعتبر محمد شقير، الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية، أن نجاعة المقاربة الأمنية المغربية في ملاحقة الخلايا الإرهابية لا تقوم فقط على بعدها الأمني الصرف، بل ترتكز على مقاربة شمولية متعددة الأبعاد، تشمل الجانب الديني والجانب القانوني، إلى جانب مكونات أخرى موازية تعزز من فعاليتها.
وأبرز شقير في تصريح لجريدة “شفاف”، أن هذه المقاربة المتكاملة تشكل أحد أبرز عناصر القوة في النموذج المغربي، حيث لا يتم التعامل مع الظاهرة الإرهابية من زاوية أمنية ضيقة، بل من خلال معالجة جذورها الفكرية والقانونية، بما يضمن استباق التهديدات بدل الاكتفاء بردود الفعل.
تداعيات استقطاب الشباب.. كيف يواجه المغرب تحديات التطرف والإرهاب؟
وأردف أن هذا التوجه الشمولي يندمج مع عنصر حاسم آخر يتمثل في الانفتاح على التعاون الدولي، باعتباره ركيزة أساسية في مواجهة الإرهاب العابر للحدود، الذي لم يعد يعترف بالسيادة الجغرافية أو الحدود التقليدية.
وفي هذا الإطار، شدد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية، على أن التنسيق الأمني الخارجي أضحى مكونًا لا غنى عنه ضمن الاستراتيجية المغربية، بالنظر إلى طبيعة التهديدات الراهنة التي تتسم بالتعقيد والتشابك.
❖ تنسيق دولي
يوضح شقير أن التنسيق مع الأجهزة الأمنية الأجنبية يشكل أحد الأعمدة الأساسية في المقاربة المغربية؛ سواءً من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أجهزة أوروبية وآسيوية وأمريكية، أو عبر تنفيذ عمليات مشتركة قائمة على التتبع والملاحقة المتزامنة.
وأكد على أن هذا النمط من التعاون يتيح رصد التحركات المشبوهة بشكل أدق، ويعزز القدرة على تفكيك الشبكات الإرهابية قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ.
وأضاف أن التعاون المغربي الإسباني، يعد نموذج متقدم في هذا المجال، بحكم الموقع الجيوستراتيجي الحساس للبلدين، حيث يتموضع المغرب في شمال إفريقيا وإسبانيا في جنوب أوروبا، ما يجعل الضفتين مجالا مفتوحا لتحركات مكثفة، سواء للأفراد أو الشبكات.
ونبه الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية، إلى أن هذا الواقع يفرض على البلدين الجارين تنسيقا دائما ومكثفا لمواجهة التهديدات المشتركة.
❖ عمليات متزامنة
يشير شقير إلى أن هذا التنسيق لم يأتي وليد اللحظة، بل تعزز بشكل لافت منذ سنة 2014، حيث أسفر عن تفكيك عدد كبير من الخلايا الإرهابية في إطار عمليات مشتركة، بلغت حوالي 31 عملية.
ولفت إلى أن العملية الأخيرة تندرج في هذا السياق، حيث تم تنفيذ تدخل أمني متزامن أسفر عن اعتقال “الرأس” أو ما يسمى بـ”الأمير” في إسبانيا، مقابل توقيف عنصرين آخرين بمدينة طنجة.
وأكد أن هذه العمليات المتزامنة تعكس مستوى عالٍ من التنسيق والتخطيط المشترك، بما يضمن شل حركة الخلايا الإرهابية وتفكيك بنيتها التنظيمية بشكل كامل، مع الاستمرار في البحث للكشف عن امتدادات محتملة لهذه الشبكات.
وأشار إلى أن نجاح هذه العملية، يعزز الثقة المتبادلة بين الأجهزة الأمنية في البلدين، ويكرس فعالية العمل المشترك في مواجهة التهديدات المعقدة.
❖ آليات مؤسساتية
يبرز شقير أن هذا التنسيق لا يتم بشكل ظرفي أو محدود، بل يقوم على آليات مؤسساتية واضحة، تشمل تنظيم زيارات متبادلة وعقد اجتماعات دورية بين المسؤولين الأمنيين في البلدين.
ولفت في هذا الصدد إلى اللقاءات المتواترة التي تجمع المدير العام لمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي مع نظرائه في إسبانيا، والتي تساهم في تعزيز تبادل الخبرات وتطوير آليات العمل المشترك.
وأردف أن هذا التعاون حظي بإشادات رسمية، خاصة من قبل وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، الذي نوه بمستوى التنسيق القائم مع المغرب، معتبرًا إياه نموذجا ناجحا في مجال مكافحة الإرهاب.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية، أن هذه الإشادات تعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب كشريك موثوق في المنظومة الأمنية الدولية.
❖ تهديدات متجددة
رغم هذه النجاحات، يحذر شقير من أن التهديد الإرهابي لا يزال قائما، بل مرشح للتطور في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة، مشيرًا إلى أن تداعيات التوترات الدولية؛ خاصة المرتبطة بالصراعات الكبرى مثل الحرب الإيرانية-الأمريكية-الإسرائيلية، قد تنعكس بشكل مباشر على منطقة شمال إفريقيا، من خلال تنشيط خلايا نائمة أو إعادة تشكيل شبكات متطرفة.
الاستخبارات المغربية تفك شفرات الإرهاب العالمي.. لماذا تفوقت “لادجيد” على مخابرات دول عظمى؟
ونبه إلى أن المرحلة المقبلة ستتطلب مزيدا من اليقظة والتنسيق، خصوصا في ظل تصاعد ظاهرة “الإرهاب الفردي” وتنامي الروابط بين بؤر التوتر في الساحل والصحراء وباقي المناطق.
وشدد الخبير في العلاقات الدولية والشؤون الأمنية، إلى أن ما سبق ذكره؛ يجعل من تعزيز التعاون الأمني الدولي، وتطوير المقاربات الاستباقية، خيارًا استراتيجيًا لا محيد عنه لضمان أمن واستقرار المنطقة.

