تحتفي المملكة بالسنة الأمازيغية كفرصة لتكريس الطابع الرسمي للأمازيغية وتعزيزه في مختلف المجالات، ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز الانسجام مع التوجيهات الملكية.
وفي السياق ذاته، أكد مصطفى بايتاس الناطق الرسمي باسم الحكومة، أن الأمازيغية تُعد ورشا استراتيجيا ذا بعد هوياتي وثقافي، وفق التوجيهات الملكية منذ خطاب أجدير وبناء على التراكم الإيجابي الذي حققته القضية.
وأوضح أن الحكومة تعمل على الانتقال من الاعتراف الرمزي باللغة إلى التفعيل العملي، عبر إحداث صندوق لدعم استعمال الأمازيغية وتوفير الموارد المالية اللازمة لتمويل البرامج المرتبطة بها، إلى جانب إنشاء مديرية متخصصة لتعزيز استخدامها في الإدارة العمومية وتوظيف أعوان ناطقين بها لمواكبة المرتفقين.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن التعليم يشكل محور هذه الاستراتيجية، حيث ارتفع عدد المناصب المخصصة لتدريس الأمازيغية في المدارس الابتدائية من 200 منصب سنة 2020 إلى ألف منصب خلال السنة الجارية، بما يعكس السعي لتعزيز حضور اللغة بين الأجيال الجديدة وترسيخ مكانتها في الهوية الوطنية، مع استغلال السنة الأمازيغية كفرصة لإعطاء زخم إضافي لهذه البرامج.
♦الأمازيغية بين الالتزام الرسمي والتأخر الحكومي
كشف عبد الله بوشطارت، الصحفي والباحث الأكاديمي، عن تراجع ملموس في جهود الحكومة المغربية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، معتبرا أن الإجراءات الحالية سطحية ورمزية، ولا تتوافق مع التحديات الحقيقية التي يفرضها إدماج هذه اللغة في السياسات العمومية والمرافق التعليمية والإدارية والإعلامية.
وأوضح بوشطارت في تصريح لجريدة “شفاف” أن ما يتم الإعلان عنه سنويا تحت مسمى “تقييم” يُعد في الواقع تقزيما للملف، مشددا على أن الأمازيغية قضية استراتيجية متعلقة بالهوية الوطنية والتاريخ والثقافة، وليست مجرد قضية تقنية أو شكلية يمكن التعامل معها بمبادرات رمزية.
وأبان بوشطارت أن الحكومة المغربية تقدم في ملف الأمازيغية ما وصفه بـ”الإجراءات السطحية والرمزية”، مؤكدا أن هذه الخطوات تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية والإرادة السياسية الحقيقية.
وقال إن ما تقدمه الدولة في هذا الإطار يقتصر غالبا على إدماج اللغة في لوحات التشوير الطرقية أو بعض البرامج الإعلامية المحدودة، وهو ما يمكن أن تقوم به الجمعيات أو المبادرات الفردية دون الحاجة إلى تدخل الدولة، ما يعكس غياب التخطيط الاستراتيجي وتجاهل العمق السياسي والثقافي للقضية.
وأضاف أن الحكومة لم تقدم تصورا واضحا لتفعيل مضامين القانون التنظيمي رقم 26.16، الذي ينص على جعل الأمازيغية لغة رسمية ومتكاملة داخل جميع المؤسسات العمومية، من التعليم إلى الإدارة والإعلام.
وأشار بوشطارت إلى أن الميزانية المخصصة لإدماج الأمازيغية في البرامج الحكومية تبين بوضوح غياب الجدية في التعاطي مع الملف، إذ يتم التعامل معه كقضية هامشية، دون وضع استراتيجيات فعالة أو خلق آليات مراقبة وتقييم حقيقية.
وأكد المتحدث أن هذه الإجراءات تُعد “استهلاكا إعلاميا وسياسيا”، ولا تعكس إرادة حقيقية لتفعيل الأمازيغية في جميع القطاعات، مشيرا إلى أن الحكومة تتعامل مع القضية بمنطق التماطل والرمزية، بدلا من تبني مقاربة شاملة ومؤسسية.
ولفت إلى أن الحكومة تروج أيضا لتوظيف الأعوان بعقود مؤقتة وبراتب منخفض لتنفيذ برامج إدماج الأمازيغية، بدلا من خلق مناصب دائمة ومستقرة، وهو ما يكرس الهشاشة الاجتماعية ويضعف أثر أي مبادرات رسمية.
♦ التعليم محور الفشل الحكومي
اعتبر بوشطارت أن القضية الأمازيغية يجب أن تبدأ من التعليم، باعتباره الركيزة الأساسية لتطوير أي لغة وحمايتها من الاندثار.
وأظهر أن القانون التنظيمي نص على تعميم تدريس الأمازيغية في التعليم الابتدائي خلال السنوات الخمس الأولى من دخوله حيز التنفيذ، لكن الحكومة لم تحقق هذا الهدف حتى اليوم.
وذهب إلى أن الأمازيغية تُدرس في المرحلة الابتدائية موسمين دراسيين فقط، بينما تغيب تماما عن التعليم الأولي والثانوي، مما يعكس تراجعًا واضحًا عن الالتزامات القانونية والدستورية.
وتابع بوشطارت أن التأخر في تعميم تدريس الأمازيغية يعكس غياب الإرادة السياسية، حيث لم تقم الحكومة بعد بوضع خطة واضحة لتعميم اللغة في جميع المدارس العمومية، على الرغم من مرور أكثر من 13 عاما على دسترتها.
وأفاد المتحدث أن النسبة الحالية لتدريس الأمازيغية في المدارس لا تتجاوز 20%، في حين كان القانون التنظيمي يشدد على تعميمها الكامل خلال خمس سنوات، وقد تم تعديل الوعود الحكومية لتصبح 50% فقط خلال ست سنوات، وهو ما يعد تراجعًا واضحا عن الالتزامات القانونية.
ونبه بوشطارت إلى أن المدارس الخاصة تشكل إشكالية إضافية، إذ نص القانون التنظيمي على إلزامية تدريس الأمازيغية فيها، لكن مذكرة وزارية جعلت تدريسها اختياريا، ما يمثل تملصا من القانون ويعكس عدم جدية الحكومة في إدماج اللغة في جميع مستويات التعليم.
وشدد على أن غياب استراتيجية واضحة لتوسيع تدريس الأمازيغية في التعليم العالي يجعلها مقتصرة على بعض المبادرات الفردية، حيث تعتمد الجامعات غالبا على جهود أساتذة أو مناضلين مستقلين، مع غياب الشعب المتخصصة في الأمازيغية عن معظم الجامعات المغربية الكبرى.
♦الأمازيغية قضية استراتيجية وطنية
أكد بوشطارت أن الأمازيغية ليست مجرد قضية تقنية أو تعليمية، بل قضية سياسية وثقافية واستراتيجية، ترتبط بهوية المغرب وتاريخه وقيمه الثقافية، مشيرا إلى أن إدماج الأمازيغية في المؤسسات يتطلب إرادة سياسية قوية، ورؤية شاملة، وميزانية كافية، مع احترام القوانين والتشريعات.
واعتبر أن الملف الأمازيغي يجب أن يُعالج كمشروع مجتمعي متكامل يشمل اللغة والثقافة والقيم والتاريخ، لا مجرد مجموعة إجراءات شكلية يمكن الإعلان عنها إعلاميًا.
وحث بوشطارت على ضرورة تصحيح مسار السياسات الحكومية تجاه الأمازيغية بشكل جذري، من خلال وضع خطة استراتيجية طويلة الأمد لتفعيل إدماج اللغة في الإدارة، والتعليم، والإعلام، والقضاء، مع ضمان الموارد البشرية والمالية اللازمة لذلك.
ودعا الدولة إلى منح حرية أكبر للأمازيغيين لممارسة السياسة والدفاع عن قضاياهم من منظورهم الخاص، ضمن إطار الدستور والمؤسسات، بعيدًا عن التحكم السياسي أو الاستغلال الرمزي للقضية.
ونبه الباحث إلى أن بعض الأحزاب السياسية تدعي الدفاع عن الأمازيغية لكنها تمارس استغلالها سياسيًا، دون تقديم أي تصور أو خطة عمل واضحة، في حين تمتلك الحركة الأمازيغية مرجعية سياسية وثقافية مستقلة تعتمد على النضال الحقيقي لتحقيق مطالبها.
وخلص بوشطارت إلى أن النهوض بالأمازيغية يحتاج إلى إرادة سياسية قوية، ميزانية كافية، وتخطيط استراتيجي يضمن إدماجها بشكل شامل في جميع قطاعات الدولة، بما يعكس احترام الهوية الوطنية والتاريخية للمغرب.

