أثار التباين الملحوظ بين تطمينات الحكومة بوفرة تموين الأسواق وبين واقع استمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية خلال شهر رمضان، نقاشا واسعا حول نجاعة آليات الضبط والرقابة المعتمدة.
وأكد الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، أن اللجان المختصة نفذت آلاف عمليات المراقبة وضبطت المخالفات وحجزت منتجات غير صالحة للاستهلاك.
ورغم ذلك، يشكو المواطنون من زيادة الأسعار، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الإجراءات الحالية على الحد من المضاربات وتحقيق توازن حقيقي بين العرض والطلب. وتستمر جهود السلطات لضمان استقرار التموين وتعزيز شفافية السوق وحماية القدرة الشرائية للمستهلكين خلال الشهر الفضيل.
♦سيادة ثقافة الاستهلاك الرشيد
أكد علي شتور رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك وعضو بالجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن مفتاح ضبط التوازنات داخل الأسواق الوطنية يتجلى في ترسيخ وعي استهلاكي حقيقي لدى المواطن، معتبرا أن المستهلك يمتلك القوة الأكبر في توجيه مؤشرات الأسعار صعودا أو نزولا من خلال سلوكه اليومي.
وأوضح رئيس الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق المستهلك في تصريح لجريدة “شفاف”، أن الحكومة المغربية استبقت حلول شهر رمضان بسلسلة من الاجتماعات المكثفة والطارئة على مستوى مختلف العمالات والأقاليم لضمان وفرة المنتجات، وهو ما تجسد فعليا في امتلاء الأسواق بجميع أصناف الخضر والفواكه والسلع الأساسية التي يحتاجها المواطن، مؤكدا أن الإشكال لا يكمن في الندرة بل في آليات التدبير والسلوكيات الميدانية.
وأبان رئيس الجمعية أن منظومة الأسعار في المغرب تخضع لقانون العرض والطلب ومبدأ حرية الأسعار، مشيرا بأصابع الاتهام إلى “حلقة الوسطاء” والمضاربين الذين يستغلون هذه الحرية لخلق حالة من عدم التوازن المتعمد.
ورأى شتور أن تعدد المتدخلين في سلسلة التوريد من الضيعة وصولا إلى المستهلك النهائي يساهم بشكل مباشر في اشتعال الأثمان، مما يتطلب تدخلا حكوميا حازما لإعادة هيكلة هذه السلاسل وتقليص عدد الوسطاء لضمان وصول المادة الحيوية بسعر عادل يراعي القدرة الشرائية للمواطنين، ويقطع الطريق على السماسرة الذين يقتاتون على الأزمات الموسمية.
وشدد المتحدث على ضرورة انتقال الأسر المغربية من منطق “التبذير” إلى منطق “التدبير”، لافتا إلى أن ظاهرة التهافت على الاقتناء التي تشهدها الأسواق، خاصة في الفترات المسائية، تساهم في إنعاش جشع المضاربين.
وأبرز أن هذا السلوك الاستهلاكي غير المبرر يؤدي إلى اقتناء كميات تتجاوز الحاجة الفعلية، مما ينتهي بضياع جزء كبير من المواد الغذائية وتوجيهها نحو سلة المهملات نتيجة غياب ثقافة التخزين السليم، وهو ما يمثل هدرا اقتصاديا كبيرا، لا سيما في مادة الخبز والمعجنات التي تكلف الدولة ميزانيات ضخمة من العملة الصعبة لاستيراد القمح من الخارج.
♦تحديات ضبط سلاسل الإمداد
قدم علي شتور قراءة نقدية لواقع السوق المغربية، ميّز فيها بين وفرة السلع وتحقيق العدالة في الأسعار، معتبرا أن مسؤولية ضبط الأسواق تظل مسؤولية مشتركة لا تنحصر في جهة واحدة، مبرزا أن الأسواق العشوائية وغير الخاضعة للمراقبة تشكّل ثغرة خطيرة تهدد سلامة المستهلك وقدرته الشرائية في آن واحد.
ودعا المتحدث المواطنين إلى ضرورة التوجه نحو الفضاءات التجارية المهيكلة والمراقبة التي تلتزم بإشهار الأثمان وتوفر ضمانات الجودة والحماية القانونية في حال وجود أي ضرر، معتبرا أن الاقتناء من الباعة المتجولين أو عبر قنوات غير رسمية يسهم في تكريس الفوضى التجارية.
وطالب الفاعل الجمعوي بتفعيل القانون رقم 08-31 المتعلق بحماية المستهلك، خاصة في شقه المرتبط بالحق في الإعلام والاختيار، إذ يشدد على أن الموزع أو البائع ملزم أخلاقيا وقانونيا بعرض لائحة الأسعار بوضوح أمام العموم.
وذهب إلى أن وعي المستهلك بحقه في المقاطعة أو البحث عن البدائل الأقل سعرا هو السلاح الأنجع لمواجهة الغلاء، فإذا ما وجد المستهلك سعرا مبالغا فيه عند بائع معين، فإن سلاحه القوي يكمن في التوجه إلى منافس آخر أو تعويض المادة ببديل متاح، مما يجبر الموردين على مراجعة سياساتهم السعرية لضمان تصريف سلعهم.
واستعرض شتور مخاطر الاستهلاك العشوائي لبعض المواد الحيوية مثل الحليب الذي يباع “بالتقسيط” في ظروف غير صحية، محذرا من أن تغليب معيار “السعر الرخيص” على معيار “الجودة والصحة” يعد مغامرة غير محسوبة العواقب.
واعتبر أن الصحة خط أحمر لا يقاس بثمن”، والبحث عن التوفير لا يجب أن يكون على حساب السلامة الجسدية للأسر، مضيفا أن الانضباط لمعايير الجودة واقتناء الحاجيات اليومية فقط يضمنان تدوير السيولة المالية بشكل سليم داخل السوق ويمنعان حدوث طفرات مفاجئة في الأسعار ناتجة عن ضغط الطلب الوهمي.
♦رؤية مستقبلية لحماية المستهلك
اقترح رئيس جمعية حماية المستهلك استشراف آفاق جديدة للعمل الميداني، تقوم على ترسيخ ثقافة استهلاكية واعية لدى الأجيال الصاعدة، مؤكدا أهمية إدماج مفاهيم «الاختيار الواعي» و«قراءة الملصقات» و«مقارنة الأسعار» ضمن السلوك اليومي للأطفال، بمرافقة آبائهم أثناء التسوق، بما يعزز تنشئة استهلاكية قائمة على الوعي والمسؤولية.
وأظهر المتحدث أن الهدف من هذه الرؤية هو بناء جيل يدرك حقوقه القانونية ويعرف كيف يدبر ميزانيته الشخصية والمنزلية بعيدا عن ثقافة الاستهلاك التفاخري أو العاطفي الذي يطبع سلوك الكثير من الأسر في المناسبات الدينية والوطنية، مما يخفف العبء المالي عن كاهل الدولة والمواطن معا.
ورأى شتور أن دور الجمعيات يتجاوز حدود التنديد بارتفاع الأسعار، ليمتد إلى تقديم بدائل عملية وحلول توجيهية تسهم في ترشيد الاستهلاك، مبينا أن ربة البيت تشكل المحرك الأساسي للاقتصاد المنزلي، بالنظر إلى قدرتها على ترتيب الأولويات وضبط النفقات والحد من الإسراف.
كما وجه دعوة مفتوحة لتبني نمط استهلاكي يتسم بالذكاء، من خلال شراء المنتجات ذات الجودة العالية بكميات معقولة، وتجنب مراكمة السلع التي تتعرض للتلف السريع، مما يساهم في الحفاظ على توازن العرض والطلب طيلة أيام الشهر الفضيل، ويضمن استقرار الأسعار في مستويات معقولة ومقبولة للجميع.
وخلص علي شتور إلى أن المنظومة الاستهلاكية هي وحدة متكاملة تبدأ من الفلاح وتمر عبر الوسيط والتاجر وصولا إلى المستهلك، وأن أي خلل في حلقة من هذه الحلقات يؤثر على المنظومة ككل.
وشدد على أن الجمعية ستواصل دورها في مراقبة الوضع الميداني ورفع التقارير للجهات المعنية، مع الاستمرار في حملات التحسيس والتوعية الرامية إلى جعل “المستهلك المغربي” فاعلا اقتصاديا واعيا ومسؤولا، قادرا على حماية نفسه والمساهمة في استقرار اقتصاد وطنه من خلال قرارات شراء ذكية ومدروسة.

