عرفت أسعار الخضر والفواكه في الآونة الأخيرة منحى تصاعديا ملحوظا، ما أعاد إلى واجهة النقاش العمومي مسألة تقلب أثمان المواد الغذائية الأساسية، في ظل تباين القراءات حول الأسباب الكامنة وراء هذا التطور، بين من يعزوه إلى تأثيرات مناخية ظرفية، ومن يربطه بإكراهات مرتبطة بسلاسل الإنتاج والتوزيع والتسويق.
وتثير هذه الوضعية تساؤلات متزايدة بشأن نجاعة آليات المراقبة والتنظيم المعتمدة، ومدى قدرتها على ضمان استقرار السوق وتحقيق التوازن بين مختلف المتدخلين، بما يساهم في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في سياق يتسم باستمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
♦وفرة العرض واستقرار الجملة
أكد عبد الكبير معيدن، الكاتب العام لجمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاءأن المعطيات المتوفرة على مستوى أسواق الجملة تشير بوضوح إلى استقرار نسبي في أسعار الخضر الأساسية، موضحا أن الفجوة الكبيرة المسجلة بين أثمنة الجملة وأثمنة البيع بالتقسيط لا تعكس بالضرورة واقع السوق، بقدر ما تكشف عن اختلالات في مسارات التسويق والمراقبة خارج أسوار أسواق الجملة.
وأبرز الكاتب العام لجمعية سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء في تصريح لجريدة “شفاف”، أن التجار العاملين داخل هذه الأسواق يلتزمون بالأثمنة المحددة وفق العرض والطلب، في حين أن الإشكال الحقيقي يظهر في المراحل اللاحقة من السلسلة التجارية، حيث تتدخل عوامل أخرى تؤدي إلى مضاعفة الأسعار على المستهلك النهائي.
وأوضح أن أسعار البطاطس، باعتبارها من المواد الأساسية في المائدة المغربية، تتراوح منذ أزيد من شهر بين 2.50 و3.50 دراهم للكيلوغرام الواحد بالنسبة للأنواع الموجهة للاستهلاك المنزلي العادي، في حين قد تصل بعض الأصناف الخاصة بالقلي إلى 5 أو 6 دراهم في الجملة.
وبين في السياق ذاته أن الطماطم، رغم حساسيتها للتقلبات المناخية، لا يتجاوز سعرها في أعلى درجات الجودة 4.50 دراهم، بينما تتوفر في مستويات أدنى من ذلك بأسعار تصل إلى درهمين للكيلوغرام.
وأشار إلى أن أسعار البصل تشهد بدورها تباينا حسب الصنف، حيث تتراوح البصلة المعروفة بجودتها العالية بين 6و 6,50 دراهم، في حين تباع أصناف أخرى ما بين 4 و5 دراهم.
وأضاف أن الجزر يتراوح ثمنه بين 4 و6 دراهم، مؤكدا أن هذه المستويات تظل في المعدل المقبول مقارنة بالسنوات الماضية، ولا تبرر بأي حال من الأحوال القفزات الكبيرة التي قد يلاحظها المستهلك في بعض نقط البيع بالتقسيط.
وسجل أن بعض الخضر تبقى بطبيعتها مرتفعة الثمن نظرا لندرتها الموسمية أو لاعتمادها على الزراعة داخل البيوت المغطاة، كما هو الحال بالنسبة للوبيا التي يتراوح سعرها في الجملة بين 20 و24 درهما، والجلبانة التي تتراوح ما بين 11 و14 درهما، إلى جانب الكورجيت والفول اللذين يتراوح ثمنهما ما بين 6 و7 دراهم.
واعتبر أن هذه المنتجات لا تدخل ضمن المواد الأساسية اليومية، وبالتالي فإن ارتفاعها النسبي لا ينبغي أن يُقاس بنفس معيار البطاطس أو الطماطم أو البصل.
وشدد على أن وجود أسعار تفوق هذه المستويات بشكل ملحوظ يشير إلى خلل في المراقبة خارج أسوار سوق الجملة، داعيا إلى تفعيل أدوار لجان مراقبة الأسعار والجودة من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان شفافية المسار التجاري من المنتج إلى المستهلك.
♦اختلالات التوزيع ومسؤولية المراقبة
لفت عبد الكبير معيدن إلى أن السوق الوطنية للخضر تعرف حاليا وضعية كساد نسبي، بمعنى أن العرض يفوق الطلب في عدد من السلع، وهو ما يفترض منطقيا أن ينعكس في شكل استقرار أو حتى انخفاض في الأسعار داخل أسواق الجملة.
وأظهر أن ارتفاع الأسعار لا يحدث عادة إلا في حال وجود خصاص حقيقي في العرض، أو عند بروز ممارسات مضارباتية ترفع الأثمنة بشكل مصطنع.
وأكد أن المعطيات المتوفرة لا تشير إلى وجود خصاص هيكلي في الخضر الأساسية، رغم ما خلفته الفيضانات الأخيرة في بعض المناطق من إتلاف جزئي لبعض المحاصيل أو صعوبة جني بعض المزروعات الموجودة في التربة،مبينا أن هذه التأثيرات تبقى محدودة زمنيا ومجاليا، ولا ترقى إلى مستوى إحداث اضطراب شامل في التزويد.
وأبان أن تنوع مناطق الإنتاج بالمغرب يشكل عاملا أساسيا في ضمان استمرارية التزويد، إذ في حال تأثرت مناطق الغرب أو الشمال بتساقطات غزيرة، فإن أسواق الجملة تتلقى السلع من مناطق أخرى مثل دكالة، الشتوكة، أكادير ومراكش، وهو ما يضمن توازناً في العرض ويحول دون نشوء خصاص حاد في أي منتوج بعينه.
وأبرز أن هذا التنوع الجغرافي في الإنتاج يجعل من الصعب أن تحتكر جهة واحدة تموين السوق بمنتوج معين، وبالتالي يقلل من احتمالات حدوث نقص حاد أو ارتفاع غير مبرر في الأسعار.
وقال المتحدث أيضا إن السلع متوفرة حاليا بما يكفي لتلبية حاجيات المواطنين، ولا توجد مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن التزويد، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يعرف تقليديا ارتفاعا في الطلب.
وشدد على أن الرهان الأساسي في هذه المرحلة لا يتعلق بوفرة السلع فقط، بل بتقوية آليات المراقبة على مستوى التوزيع ونقط البيع، من أجل ضمان وصول المنتجات إلى المستهلك بأسعار تعكس حقيقة الأثمنة في أسواق الجملة، معتبرا أن أي سياسة ناجعة لمحاربة الغلاء يجب أن تمر عبر ضبط مسارات التسويق، والحد من المضاربة، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين.
♦التساقطات والموسم الفلاحي
أفاد عبد الكبير معيدن أن التساقطات المطرية الأخيرة تحمل في طياتها جوانب إيجابية وأخرى سلبية بالنسبة للموسم الفلاحي. حيث تساهم هذه الأمطار في تحسين وضعية السدود وإنعاش الفرشة المائية، وهو ما يشكل قاعدة أساسية لتعافي الفلاحة بعد سنوات من الجفاف المتتالي، وينعكس إيجابا على مردودية الزراعات على المدى المتوسط والبعيد.
ولفت إلى أن هذه التساقطات ستعود بالنفع على الفلاحين بشكل عام، سواء على مستوى الزراعات الربيعية أو الأشجار المثمرة، كما ستعزز فرص تحقيق إنتاج أفضل مقارنة بالسنوات السبع الماضية التي عرفت تراجعاً ملحوظاً بسبب ندرة الأمطار.
وفي المقابل، سجل أن بعض المزروعات التي كانت في طور الغرس أو التي كان يُنتظر جنيها خلال شهري فبراير ومارس قد تتأثر سلبا بسبب التساقطات القياسية الأخيرة، ما قد يؤدي إلى تأخر في نضجها أو في طرحها بالأسواق، معتبرا أن هذا التأخير، الذي قد يمتد من شهر إلى شهرين، يبقى ظرفيا، وسيتم تجاوزه مع دخول منتوجات جديدة تعوض الفارق الزمني.
وأكد أن الصورة العامة تظل إيجابية، مشيراً إلى أن امتلاء السدود وتحسن الفرشة المائية يشكلان مؤشراً قوياً على أن الفلاحة المغربية مقبلة على مرحلة أفضل، وهو ما سينعكس تدريجيا على حجم الإنتاج وعلى استقرار الأسعار.
وخلص إلى أن الحفاظ على هذا المسار الإيجابي يقتضي مواصلة الاستثمار في البنيات التحتية المائية، ودعم الفلاحين، وتعزيز آليات المراقبة والتتبع، بما يضمن تحقيق توازن مستدام بين العرض والطلب، ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين.

