يشكل البحث الأركيولوجي أحد الأدوات العلمية الأساسية لفهم تاريخ المجتمعات الإنسانية وتتبع تحولات أنماط عيشها عبر العصور، من خلال التنقيب في المواقع الأثرية وتحليل الشواهد المادية التي خلفتها الحضارات القديمة.
وتكتسي هذه الأبحاث أهمية خاصة في بلدان غنية بالمواقع التاريخية، إذ تساهم في توثيق التراث الإنساني وتعزيز المعرفة بتاريخ الاستقرار البشري، فضلا عن إبراز القيمة الحضارية للدول على المستوى الدولي.
كما أن تطوير هذا المجال يظل رهينا بتوفير شروط البحث الميداني والدعم المؤسساتي الضروري، فهل تحظى الأبحاث الأركيولوجية اليوم بالبيئة الملائمة لإنجازها وتطويرها؟
دعوات للحكومة من أجل رفع العراقيل التي تواجه مشاريع البحث الأركيولوجي
♦عراقيل إدارية تعطل البحث
يؤكد العالم يوسف بوكبوط أن مشاريع الأبحاث الأركيولوجية التي يشرف عليها في عدد من مناطق المغرب تواجه عراقيل إدارية متكررة، معتبرا أن إدارة المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، التابع لوزارة الثقافة، تتبنى وفق قوله أسلوبا منهجيا في منع استكمال هذه الأبحاث الميدانية.
وأشار بوكبوط في تصريح لجريدة “شفاف” إلى أن هذا الوضع أدى إلى تعطيل عدد من البرامج العلمية المرتبطة بدراسة مواقع أثرية ذات أهمية تاريخية وعلمية، بعضها يحظى باهتمام عالمي ويساهم في تطوير معارف ما قبل التاريخ في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
وأوضح بوكبوط أن أولى هذه العراقيل تتعلق بمشروع البحث في منطقة واد بهت بإقليم الخميسات، والتي تضم مركبا أثريا مهما يتكون من مغارة أفري ن عمر أوموسى والقرية الزراعية لواد بهت، ويرجع تاريخهما إلى نحو 5400 سنة.
وأبرز أن هذين الموقعين يحظيان بشهرة دولية لكونهما من أبرز المواقع التي ساهمت في توسيع المعرفة بتاريخ المجتمعات البشرية الأولى في المنطقة، غير أن الترخيص اللازم لاستكمال الأبحاث فيهما لم يمنح، بحسب قوله، دون تقديم مبرر واضح.
ولفت الباحث إلى أن العراقيل تمتد أيضا إلى برنامج بحثي آخر في منطقة ميدلت – زايدة، يهم دراسة المآثر الجنائزية التي تعود إلى فترات ما قبل التاريخ والفترات السابقة للإسلام، مضيفا أنه وجه مراسلات عدة إلى إدارة المعهد قصد الحصول على التأشير اللازم للبرنامج، إلا أن هذه المراسلات بحسب تصريحه ظلت دون جواب.
كما ذهب بوكبوط إلى أن مشروعا بحثيا يتعلق بالآثار المغمورة تحت مياه البحر على طول الساحل الأطلسي، بين أكادير والعيون الساقية الحمراء، لا يزال معلقا منذ أكثر من سنتين.
وشرح أن هذا المشروع كان من المفترض إنجازه في إطار تعاون علمي دولي مع جامعة كاليفورنيا سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية، وكان سيشكل بحسبه أول برنامج تنقيب أثري تحت مياه المحيط الأطلسي في تاريخ البحث الأركيولوجي بالمغرب، مؤكدا أن التأخر في منح الترخيص أدى إلى حالة من التماطل، الأمر الذي قد يدفع الشريك الأمريكي إلى الانسحاب من المشروع.
وتحدث بوكبوط أيضا عن برنامج بحث آخر يهدف إلى دراسة أقدم فصائل الإنسان العاقل في كل من مغارة أفري ن عمر أوموسى بمنطقة واد بهت ومغارة دار السلطان بحي المنزه في الرباط.
ورأى أن هذا المشروع يحمل قيمة علمية كبيرة بالنظر إلى ارتباطه بتاريخ ظهور الإنسان العاقل في المنطقة، إلا أنه يؤكد أن الترخيص لمباشرة هذا البحث ظل معلقا لأكثر من عامين، معتبرا أن هذه المماطلة تحول دون إنجاز الأبحاث الميدانية المطلوبة.
واسترسل الباحث أن برنامجا أثريا آخر في منطقة تافيلالت، يهدف إلى التنقيب في عدد من المقابر القديمة في مناطق الطاوس وأرفود والبووية وحنابو وغيرها، لم يحصل بدوره على التأشيرة المطلوبة من إدارة المعهد، مشددا أن هذه البرامج العلمية تمثل امتدادا لجهود بحثية تهدف إلى توثيق تاريخ المنطقة وإغناء المعرفة الأركيولوجية بالمغرب.
وأبرز أن مشروعا علميا إضافيا يتعلق بدراسة السلالات القديمة للأجناس البشرية التي سبقت الإنسان العاقل في شمال الأطلس المتوسط، خصوصا في إقليمي الحاجب وصفرو، لم يلق بدوره الموافقة اللازمة، مشيرا إلى أن هذا البرنامج كان من المفترض إنجازه بشراكة مع جامعات دولية، من بينها جامعة كيوطو باليابان وجامعة بوردو بفرنسا، غير أنه ظل معلقا منذ أكثر من عامين دون رد واضح، رغم الشكايات التي وجهها إلى الوزارة الوصية من أجل حل الإشكال.
♦آثار مباشرة على المشاريع
قال يوسف بوكبوط إن استمرار هذه العراقيل انعكس بشكل مباشر على سير العمل الميداني وعلى الجدولة الزمنية لمشاريع البحث الأركيولوجي التي يشرف عليها، مبينا أن أن الحصول على التراخيص يمثل شرطا أساسيا للشروع في أي نشاط ميداني، سواء تعلق الأمر بالتنقيب أو بالتحريات أو حتى بجمع العينات الجيولوجية من المواقع الأثرية.
واعتبر الباحث أن غياب هذه التراخيص حال دون القيام بأي عمل ميداني لمدة تفوق سنتين، الأمر الذي أدى إلى توقف شبه كامل للبرامج البحثية المرتبطة بهذه المواقع، مضيفا أن هذا الوضع أثر على التقدم العلمي للمشاريع، كما تسبب في تعطيل التزامات علمية مرتبطة بالتعاون الدولي مع جامعات ومراكز بحث أجنبية.
واستحضر بوكبوط تجربته السابقة قبل تولي الإدارة الحالية تسيير المعهد، مشيرا إلى أنه كان يتمكن في المعدل من إنجاز ثلاث إلى أربع مهمات ميدانية سنويا، تتراوح بين التحريات والتنقيبات الأثرية، وكانت تستغرق كل مهمة نحو شهر كامل، مشيرا أن هذا الإيقاع البحثي كان يسمح بتراكم علمي مهم وتطوير المعرفة الأركيولوجية المرتبطة بالمواقع المغربية.
وأظهر المتحدث أن توقف الأنشطة الميدانية ينعكس أيضا على تكوين الطلبة والباحثين الشباب الذين يعتمدون على هذه البرامج لاكتساب الخبرة العملية في مجال التنقيب الأثري، مردفا أن المشاريع البحثية الكبرى عادة ما تكون إطارا لتكوين جيل جديد من المتخصصين في علوم الآثار، وبالتالي فإن تعطيلها يحد من فرص التدريب والتأطير العلمي.
ونبه بوكبوط كذلك إلى أن الشراكات الدولية التي تعتمد على جداول زمنية دقيقة قد تتأثر بشكل مباشر بالتأخر في منح التراخيص، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمشاريع مشتركة مع جامعات ومختبرات أجنبية، مؤكدا أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى فقدان فرص تعاون علمي مهمة، فضلا عن ضياع التمويلات المرتبطة بهذه المشاريع.
♦إصلاحات مطلوبة لدعم البحث
يرى يوسف بوكبوط أن البحث الأركيولوجي يمثل رافعة أساسية لتعزيز معرفة المجتمعات بتاريخها، كما يساهم في إبراز القيمة الحضارية للدول على المستوى الدولي، مشددا على أن الاكتشافات الأثرية غالبا ما تحظى باهتمام عالمي وتساعد على تسليط الضوء على تاريخ البلدان وتراثها الثقافي.
وذكر الباحث أن الاستثمار في هذا المجال يظل ضروريا من أجل تطوير البحث العلمي وتعزيز صورة المغرب في الساحة الأكاديمية الدولية، مضيفا أن العديد من الدول تخصص ميزانيات مهمة لقطاع الآثار نظرا لما يحمله من قيمة علمية وثقافية وسياحية.
ونبه بوكبوط إلى أن ميزانية البحث الأركيولوجي في المغرب تبقى، بحسب تقديره، دون مستوى التطلعات، الأمر الذي يدفع العديد من الباحثين إلى البحث عن تمويلات خارجية عبر اتفاقيات التعاون الدولي مع جامعات ومراكز بحث أجنبية، غالبا ما تكون أوروبية أو أمريكية.
واقترح المتحدث جملة من الإجراءات التي يرى أنها قد تسهم في تسهيل العمل البحثي وتفادي العراقيل الإدارية، من بينها إحداث لجنة علمية مستقلة تضم شخصيات معروفة بكفاءتها في مجال الآثار، معتبرا أن هذه اللجنة يمكن أن تتولى دراسة ملفات المشاريع البحثية وإصدار تراخيص التنقيب والتحريات الأثرية.
ويعتقد بوكبوط أيضا أن هذه اللجنة يمكن أن تضطلع بدور مهم في التأشير على اتفاقيات التعاون العلمي بين الباحثين المغاربة والجامعات أو معاهد البحث الدولية، إضافة إلى المؤسسات الخاصة المهتمة بدعم المشاريع الأركيولوجية.
وخلص الباحث إلى أن اعتماد آلية مستقلة لمنح التراخيص قد يسهم في تعزيز الشفافية وضمان سير المشاريع العلمية وفق معايير أكاديمية واضحة، بما يتيح للباحثين التركيز على تطوير المعرفة الأركيولوجية وخدمة التراث التاريخي للمغرب.

